اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: أن الأسماء الحسنى ليست محصورة بهذا العدد المذكور، وأن مقصود الحديث بيان أن هذه الأسماء قد اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة.
وإلى هذا ذهب الجمهور، بل نقل النووي -رحمه الله تعالى- اتفاق العلماء عليه حيث قال: "واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه ﷾، فليس معناه: أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء" (^١).
وقد نص جمع من أهل العلم على أن الحديث لا يفهم منه إرادة حصر أسماء الله تعالى بالعدد المذكور فيه، وممن نص على ذلك: الخطابي، والباقلاني (^٢)،
_________________
(١) شرح صحيح مسلم (١٧/ ٨).
(٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٢٢٠)، والباقلاني هو: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر بن القاسم المعروف بالباقلاني البصري الشافعي الأصولي المتكلم المشهور، كان على مذهب أبي الحسن الأشعري ومؤيدًا اعتقاده وناصرًا طريقته سكن بغداد، وصنف التصانيف الكثيرة في علم الكلام وغيره، توفي ﵀ ببغداد سنة (٤٠٣ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٤٥٥)، ووفيات الأعيان (٤/ ٩٨)، والعبر (٢/ ٢٠٧)، وشذرات الذهب (٣/ ١٦٨)].
[ ١٩١ ]
والبيهقي (^١)، وابن العربي (^٢)، والقرطبي (^٣)، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير (^٤)، وابن الوزير (^٥)، وابن حجر (^٦)، والشوكاني (^٧)، وحافظ الحكمي (^٨)،
_________________
(١) انظر: الأسماء والصفات (١/ ٢٧)، والاعتقاد (٢٠).
(٢) انظر: أحكام القرآن (٢/ ٢٧٥)، وابن العربي هو: الإمام العلامة الحافظ القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله ابن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي كان متبحرًا بالعلم ثاقب الذهن كريم الشمائل، ولي قضاء إشبيلية فحمد وأجاد السياسة، ثم عزل فأقبل على التصنيف ونشر العلم، توفي ﵀ سنة (٥٤٣ هـ) له تصانيف عديدة من أشهرها: عارضة الأحوذي في شرح جامع الترمذي، والعواصم من القواصم. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١١٦)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٢٩٤)، والسير (٢٠/ ١٩٧)، وشذرات الذهب (٤/ ١٤١)].
(٣) انظر: المفهم (٧/ ١٦).
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم (٢/ ٤٢٥).
(٥) انظر: إيثار الحق على الخلق (١٥٨)، وابن الوزير هو: محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى ابن الوزير، أبو عبد الله الإمام المجتهد الكبير، من علماء اليمن، تعلم بصنعاء وصعدة ومكة، وأقبل في آخر حياته على العبادة، وانقطع عن الناس، له مؤلفات عديدة منها: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، وإيثار الحق على الخلق، والروض الباسم، توفي ﵀ سنة أربعين وثمانمائة (٨٤٠). [انظر: البدر الطالع (٢/ ٨١)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٣٥)، والأعلام (٥/ ٣٠٠)].
(٦) انظر: الفتح (١١/ ٢٢١).
(٧) انظر: تحفة الذاكرين (١٩٦). والشوكاني هو: العلامة محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني، فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن، من أهل صنعاء وبها نشأ وولي قضاءها، وكان محاربًا للتقليد، . توفي ﵀ سنة (١٢٥٠ هـ)، وله مؤلفات عديدة منها: نيل الأوطار، وإرشاد الفحول، والسيل الجرار. [انظر: البدر الطالع (٢/ ٢١٤)، والأعلام (٦/ ٢٩٨)].
(٨) انظر: معارج القبول (١/ ٧١). والحكمي هو: العلامة حافظ بن أحمد بن علي الحكمي، فقيه أديب من علماء جيزان، نشأ بدويًا يرعى الغنم ثم قرأ القرآن، ولما بلغ السادسة عشرة بدأ بطلب العلم وهو يواصل رعي الغنم ثم تفرغ للدراسة =
[ ١٩٢ ]
ومحمد العثيمين (^١)، وغيرهم.
قال الخطابي -رحمه الله تعالى- عند حديث: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا ..): "فيه إثبات هذه الأسماء المحصورة بهذا العدد، وليس فيه نفي ما عداها من الزيادة عليها، وإنما وقع التخصيص بالذكر لهذه الأسماء لأنها أشهر الأسماء وأبينها معاني وأظهرها.
وجملة قوله: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة) قضية واحدة لا قضيتان، ويكون تمام الفائدة في خبر "إن": في قوله: (من أحصاها دخل الجنة)، لا في قوله: (تسعة وتسعين اسمًا)، وإنما هو بمنزلة قولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك: إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته: أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب" (^٢).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: "والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي -ﷺ-: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)، معناه: أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمائه دخل الجنة، ليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسمًا" (^٣).
_________________
(١) = فظهر فضله وذكاؤه، وكان من أبرز مشائخه الذين استفاد منهم: الشيخ عبد الله القرعاوي، عين مديرًا للمعهد العلمي بسامطه سنة (١٣٧٤ هـ)، واستمر إلى أن توفي بمكة سنة (١٣٧٧ هـ)، وله مؤلفات منها: معارج القبول، وأعلام السنة المنشورة. [انظر: الأعلام (٢/ ١٥٩)، ومعجم المؤلفين (١/ ٥١٩)].
(٢) انظر: القواعد المثلى (١٣ - ١٤).
(٣) شأن الدعاء (٢٣ - ٢٤).
(٤) درء التعارض (٣/ ٣٣٢)، وانظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٣٨١)، و(٢٢/ ٤٨٢).
[ ١٩٣ ]
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد، فإن لله تعالى أسماءً وصفاتٍ استأثر بها في علم الغيب عنده، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل وأما قوله -ﷺ-: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)، فالكلام جملة واحدة، وقوله: (من أحصاها دخل الجنة) صفة لا خبر مستقل، والمعنى: له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها، وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد، فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه" (^١).
أدلة هذا القول:
١ - حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-: (ما أصاب أحد قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدل فيّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أَو أنزلته في كتابك، أو عَلَّمْتُه أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا) (^٢).
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٣٨)، وانظر: شفاء العليل (٢/ ٢٧٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ٢٤٦) ح (٣٧١٢)، وابن حبان في صحيحه (٣/ ٢٥٣) ح (٩٧٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١٠/ ١٦٩) ح (١٠٣٥٢)، والحاكم في مستدركه (١/ ٦٩٠) ح (١٨٧٧)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه عن أبيه"، وتعقبه الذهبي بقوله: "وأبو سلمة لا يدرى من هو ولا رواية له في الكتب الستة"، وذكره الهيثمي في المجمع (١٠/ ١٣٦)، وقال: "رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني، وقد وثقه ابن حبان". والحديث صححه ابن حبان والحاكم -كما تقدم- وابن القيم كما في شفاء العليل =
[ ١٩٤ ]
والشاهد من هذا الحديث قوله: (أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فإن فيه دليلًا على أن أسماء الله تعالى أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماءً وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره.
قال الخطابي -رحمه الله تعالى-: "فهذا يدلك على أن لله أسماءً لم ينزلها في كتابه، حجبها عن خلقه، ولم يظهرها لهم" (^١).
وقال ابن القيم تعليقًا على هذا الحديث: "فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.
وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده.
وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه" (^٢).
وقال الشوكاني عند هذا الحديث: "فيه دليل على أن لله ﷾ أسماءً غير التسعة والتسعين" (^٣).
٢ - حديث عائشة -﵂-: أن رسول الله -ﷺ- كان يقول في دعائه وهو ساجد: (اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك)، رواه مسلم (^٤).
_________________
(١) = (٢/ ٢٧١)، وبدائع الفوائد (١/ ١٣٨)، وكذا أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٥/ ٢٦٦)، والألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ٣٣٦ - ٣٤١) ح (١٩٩)، ونفيا عنه ما ادُعي من جهالة أبي سلمة الجهني الوارد في سند الحديث، كما بيَّنا سلامته من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، الذي أشار إليه الحاكم فيما تقدم، قال الألباني تعقيبًا على كلام الحاكم: "قلت: هو سالم منه، فقد ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة، منهم: سفيان الثوري وشريك القاضي وابن معين والبخاري وأبو حاتم".
(٢) شأن الدعاء (٢٥).
(٣) بدائع الفوائد (١/ ١٣٨)، وانظر: شفاء العليل (٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨).
(٤) تحفة الذاكرين (١٩٦).
(٥) صحيح مسلم (٤/ ٤٤٩) ح (٤٨٦).
[ ١٩٥ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأخبر أنه -ﷺ- لا يحصي ثناءً عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه" (^١).
٣ - حديث أبي هريرة في الشفاعة، وفيه: أن النبي -ﷺ- قال: (ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد قبلي)، متفق عليه (^٢).
ووجه الاستشهاد بهذا الحديث: أن حمد النبي -ﷺ- لربه وثناءه عليه إنما يكون بأسمائه وصفاته (^٣)، وقد اختص نبينا -ﷺ- في هذا المقام بقدر زائد على ما هو معلوم منها، بدليل قوله: (لم يفتحه على أحد قبلي)، وهذا يدل على أن أسماء الله تعالى غير محصورة بالتسعة والتسعين.
قال القرطبي: "وقد دلَّ على أن لله أسماءً أخر ما قدمناه من قوله -ﷺ-: (فأحمده بمحامد لا أقدر عليها، إلا أن يلهمنيها الله) " (^٤).
القول الثاني: أن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد المذكور في الحديث -تسعة وتسعين- لا تتجاوزه، وهي المنصوص عليها في الكتاب والسنة.
وإلى هذا ذهب ابن حزم (^٥) رحمه الله تعالى، منكرًا أشد الإنكار على
_________________
(١) درء التعارض (٣/ ٣٣٢).
(٢) البخاري (٤/ ١٧٤٥) ح (٤٤٣٥)، ومسلم (٣/ ٦٦) ح (١٩٤).
(٣) انظر: بدائع الفوائد (١/ ١٣٨).
(٤) المفهم (٧/ ١٦) بتصرف يسير.
(٥) هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف القرطبي الظاهري، الإمام العلامة الحافظ الفقيه المجتهد، كان شافعيًا ثم انتقل إلى القول بالظاهر ونفي القياس، وكان صاحب ديانة وتورع وتزهد وتحر للصدق توفي ﵀ سنة (٤٥٦ هـ) له مصنفات عديدة منها: المحلى، والإحكام لأصول الأحكام، والفصل في الملل والأهواء والنحل، وغيرها. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٤)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٤٦)، والسير (١٨/ ١٨٤)، والعبر (٢/ ٣٠٦)، وشذرات الذهب (٣/ ٢٩٩)].
[ ١٩٦ ]
من أجاز الزيادة على التسعة والتسعين، وإليك نص كلامه:
قال رحمه الله تعالى: "وإن له ﷿ تسعة وتسعين اسمًا مائة غير واحد، وهي أسماؤه الحسنى، من زاد شيئًا من عند نفسه فقد ألحد في أسمائه، وهي الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وقد صح أنها تسعة وتسعون اسمًا فقط، ولا يحل لأحد أن يجيز أن يكون له اسمٌ زائد، لأنه ﵇ قال: (مائة غير واحد)، فلو جاز أن يكون له تعالى اسم زائد لكانت مائة اسم، ولو كان هذا لكان قوله ﵇: (مائة غير واحد) كذبًا، ومن أجاز هذا فهو كافر" (^١).
أدلة هذا القول:
عمدة هذا القول هو حديث التسعة والتسعين، خاصة قوله -ﷺ-: (مائة إلا واحدًا)، حيث فهم منه ابن حزم الظاهري -رحمه الله تعالى- أن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد، فمن ادَّعى الزيادة عليها فقد كذّب هذا الحديث.
قال رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أن يقال: إن لله تعالى أسماءً غيرها، لأنه قول على الله ﷿ بغير علم، ولقول رسول الله -ﷺ-: (مائة غير واحد)، فنفى ﵇ الزيادة في ذلك بنفيه الواحد المتمم للمائة، فلا يجوز إثباته البَتَّةَ، ولا إثبات زيادة على ذلك" (^٢).
وقال أيضًا: "قول رسول الله -ﷺ-: (مائة غير واحد) مانع من أن يكون له أكثر من ذلك، ولو جاز كان قوله ﵇ كذبًا، وهذا كفر ممن أجازه، وبالله التوفيق" (^٣).
* * *
_________________
(١) المحلى (١/ ٥٠)، وانظر: الفصل (١/ ٤٢٤)، والدرة فيما يجب اعتقاده (٢٤٢).
(٢) الدرة فيما يجب اعتقاده (٢٤٢ - ٢٤٣).
(٣) الفصل (١/ ٤٢٤).
[ ١٩٧ ]