حاصل أقوال أهل العلم في هذه المسألة تؤول إلى مسلكين:
المسلك الأول: أن الملل صفة ثابتة لله تعالى بهذا الحديث: (لا يمل الله حتى تملوا)، وعلى هذا فهي بالنسبة لله تعالى صفة كمال، لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وهذا بخلاف ملل المخلوق، فإنه نقص ظاهر لأنه يدل على السآمة والضجر.
فشأن هذه الصفة، شأن سائر الصفات التي تثبت لله تعالى على وجه الكمال، وإن كانت في حق المخلوقين ليست كمالًا (^١)، كصفة الاستهزاء من المستهزئين، وخداع المخادعين، والمكر بالماكرين.
وقد نص على هذا القول: القاضي أبو يعلى والشيخ محمد بن إبراهيم (^٢)، عليهما رحمة الله، وهو ظاهر كلام إبراهيم الحربي (^٣) ﵀ حيث
_________________
(١) انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين (١/ ١٧٤).
(٢) هو العلامة الفقيه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها، ومرجع أمورها الدينية والإسلامية، وكان إلى جانب علمه وإمامته ذا ورع وزهد، ورجاحة عقل وحسن تصرف، له عدة رسائل وفتاوى جمعت في عدة مجلدات، توفي ﵀ سنة (١٣٨٦). [انظر: علماء نجد (١/ ٢٤٢)، ومعجم المؤلفين (٣/ ٣٢)].
(٣) هو الإمام الحافظ العلامة أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم بن بشير البغدادي الحربي، صاحب التصانيف، طلب العلم وهو حدث وتفقه على الإمام أحمد بن حنبل، وبرع في العلم والعمل، وكان إمامًا في جميع الفنون متقنًا محتسبًا عابدًا زاهدًا، نقل عن الإمام أحمد مسائل كثيرة جدًا حسانًا جيادًا، توفي ﵀ ببغداد سنة (٢٨٥ هـ)، وله تصانيف منها: غريب الحديث. =
[ ٢٢٤ ]
قال: "قال أبو زيد: ملَّ يَمَلُّ ملالة، وأمللته إملالًا، فكأن المعنى لا يمل من ثواب أعمالكم حتى تملوا من العمل" (^١).
وقال أبو يعلى: "اعلم أنه غير ممتنع إطلاق وصفه تعالى بالملل، لا على معنى السآمة والاستثقال ونفور النفس عنه" (^٢).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: " (إن الله لا يمل حتى تملوا) من نصوص الصفات، وهذا على وجه يليق بالباري، لا نقص فيه، كنصوص الاستهزاء والخداع فيما يتبادر" (^٣).
المسلك الثاني: أن الحديث لا يدل على صفة الملل لله تعالى، لأن الملل معناه: استثقال الشيء وإعراض النفس عنه وضجرها منه.
قالوا: وهذا لا يجوز على الله بحال، ولا يدخل في صفاته بوجه، فهو سبحانه منزه عن النقائص والعيوب، والتي من جملتها السآمة والملل (^٤).
وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والطحاوي وابن عبد البر وابن رجب (^٥)، عليهم رحمة الله.
_________________
(١) = [انظر: تاريخ بغداد (٦/ ٢٧)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٨٤)، والسير (١٣/ ٣٥٦)، والعبر (١/ ٤١٠)، وشذرات الذهب (٢/ ١٩٠)].
(٢) غريب الحديث (١/ ٣٣٨).
(٣) إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٠)، وانظر: دفع شبه التشبيه لابن الجوزي (٢٢٠).
(٤) الفتاوى والرسائل (١/ ٢٠٩).
(٥) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (٣٢٤)، ومشكل الآثار للطحاوي (تحفة ١/ ٢١٦)، وأعلام الحديث للخطابي (١/ ١٧٣)، وفتح الباري لابن رجب (١/ ١٦٧).
(٦) هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بابن رجب، قدم من بغداد مع والده إلى دمشق وهو صغير سنة أربع وأربعين وسبعمائة وأجازه ابن النقيب والنووي، أتقن فن الحديث وصار أعرف أهل عصره بالعلل، توفي ﵀ سنة (٧٩٥ هـ) له مؤلفات عدة منها: جامع العلوم والحكم، وفتح الباري في شرح صحيح البخاري، وصل فيه إلى الجنائز. =
[ ٢٢٥ ]
ولكنهم اختلفوا في الملل الوارد في الحديث على قولين، وذلك بعد اتفاقهم على نفي صفة الملل عن الله تعالى:
القول الأول: أن المعنى: لا يمل إذا مللتم، وإلى هذا ذهب ابن قتيبة والطحاوي (^١).
قال ابن قتيبة: "أراد: فإن الله لا يمل إذا مللتم، ومثال هذا، قولك في الكلام: هذا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل.
لا تريد بذلك أنه يفتر إذا فترت، ولو كان هذا هو المراد، ما كان له فضل عليها، لأنه يفتر معها، فأية فضيلة له؟ وإنما تريد: أنه لا يفتر إذا فترت.
وكذلك تقول في الرجل البليغ في كلامه، والمِكْثَار الغزير: فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه.
تريد أنه لا ينقطع إذا انقطعوا، ولو أردت أنه ينقطع إذا انقطعوا لم يكن له في هذا القول فضل على غيره، ولا وجبت له به مدحة، وجاء مثل هذا بعينه في الشعر المنسوب إلى ابن أخت تَأَبَّطَ شرًا، وقيل: إنه لخلف الأحمر:
صَلِيَت منِّي هذيل بِخِرْقٍ لا يَمل الشرَّ حتى يَملُّوا
لم يرد أنه يمل الشر إذا ملوه، ولو أراد ذلك ما كان فيه مدح له، لأنه بمنزلتهم، وإنما أراد: أنهم يملون الشر وهو لا يمله" (^٢).
القول الثاني: أن معنى الحديث: لا يترك الله الثواب والجزاء على العمل ما لم تملوه وتتركوه، فيكون المراد بالملل لازم الملل، لأن من ملَّ شيئًا تركه، فكنى عن الترك بالملل الذي هو سبب الترك.
_________________
(١) = [انظر: الدرر الكامنة (٢/ ١٣٢)، وشذرات الذهب (٦/ ٣٣٩)، ومعجم المؤلفين (٢/ ٧٤)، والأعلام (٣/ ٢٩٥)].
(٢) انظر: شرح مشكل الآثار (تحفة ١/ ٢١٦).
(٣) تأويل مختلف الحديث (٣٢٤) بتصرف يسير.
[ ٢٢٦ ]
وإلى هذا ذهب ابن عبد البر وابن رجب، عليهما رحمة الله، وهو قول أغلب أهل التأويل (^١).
قال ابن عبد البر: "معلوم أن الله ﷿ لا يمل، سواء ملَّ الناس أو لم يملوا، ولا يدخله ملال في شيء من الأشياء، جل وتعالى علوًا كبيرًا، وإنما جاء لفظ هذا الحديث على المعروف من لغة العرب، بأنهم كانوا إذا وضعوا لفظًا بإزاء لفظ وقبالته، جوابًا له وجزاءً، ذكروه بمثل لفظه، وإن كان مخالفًا له في معناه، ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
والجزاء لا يكون سيئة، والقصاص لا يكون اعتداءً، لأنه حق واجب
وكذلك قوله -ﷺ-: (إن الله لا يمل حتى تملوا) أي: إن من مل من عمل يعمله، قطع عنه جزاؤه، فأخرج لفظ قطع الجزاء بلفظ الملال، إذ كان بحذائه وجوابًا له" (^٢).
وقال ابن رجب تعليقًا على هذا الحديث: "الملل والسآمة للعمل يوجب قطعه وتركه، فإذا سئم العبد من العمل ومله، قطعه وتركه، فقطع الله عنه ثواب ذلك العمل، فإن العبد إنما يجازى بعمله، فمن ترك عمله انقطع عنه ثوابه وأجره إذا كان قطعه لغير عذر من مرض أو سفر أو هرم
وسُمِّي هذا المنع من الله مللًا وسآمة، مقابلة للعبد على ملله وسآمته،
_________________
(١) انظر: أعلام الحديث للخطابي (١/ ١٧٣)، ومشكل الحديث لابن فورك (٢٩٠)، والأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٣١)، والمفهم للقرطبي (٢/ ٤١٣ - ٤١٤)، وشرح النووي على مسلم (٦/ ٣١٧ - ٣١٨)، وإيضاح الدليل لابن جماعة (١٨٣)، ومنة المنعم لصفي الرحمن المباركفوري (١/ ٤٩٣).
(٢) التمهيد (١/ ١٩٥ - ١٩٦).
[ ٢٢٧ ]
كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] فسمى إهمالهم وتركهم نسيانًا، مقابلة لنسيانهم له، هذا أظهر ما قيل في هذا" (^١).
واستشهد هؤلاء بما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: (اكْلُفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل من الثواب حتى تملوا من العمل) (^٢).
* * *
_________________
(١) فتح الباري (١/ ١٦٥ - ١٦٦).
(٢) أخرجه الطبري في تفسير سورة المزمل (١٢/ ٢٧٩) من طريقين عن عائشة -﵂-، وفي إسنادهما موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، قال فيه الإمام أحمد: لا تحل الرواية عنه، وقال ابن معين: لا يحتج بحديثه، وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال مرةً: ليس بثقة. [انظر: تهذيب التهذيب (١٠/ ٣١٨ - ٣٢٠)]. ولذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ١٠٢) بعد استشهاده به: "لكن في سنده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف"، وانظر: تقريب التهذيب (٢/ ٢٢٦)، وأشار أيضًا إلى أن لفظة: (من الثواب) مدرجة من بعض الرواة، فقال في الفتح (٣/ ٣٧): "وفي بعض طرقه ما يدل على أن ذلك مدرج من قول بعض الرواة، والله أعلم"، ولعله يشير إلى الطريق الآخر فإنه جاء بلفظ: (يا أيها الناس إن الله لا يمل حتى تملوا -يعني: من الثواب- فاكلفوا من العمل ما تطيقون). وقد ذكر هذا الحديث أبو يعلى في إبطال التأويلات (٢/ ٣٦٩) عن أبي هريرة -﵁-، لكنه بدون إسناد.
[ ٢٢٨ ]