لم يختلف أهل السنة والجماعة في إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته.
قال ابن القيم: "أما الصبر فقد أطلقه عليه أعرف الخلق به، وأعظمهم تنزيهًا له بصيغة المبالغة" (^١)، ثم ذكر حديث أبي موسى المتقدم.
كما لم يختلفوا في معنى هذه الصفة المضافة إلى الله تعالى، على ما هو معلوم من معنى الصبر في اللغة والشرع، بعيدًا عن تأويلات المتكلمين، التي تخرج الكلام عن ظاهره، وتبعده عن مراد المتكلم به (^٢).
فمعنى صبر الله تعالى -كما يدل عليه آخر الحديث-: الذي لا يعاجل العصاة بالعقوبة (^٣)، بل يزيد على ذلك أن يحسن إليهم، فيعافيهم ويرزقهم.
قال ابن القيم في نونيته (الكافية الشافية):
وهو الصبور على أذى أعدائه شتموه بل نسبوه للبهتان
_________________
(١) عدة الصابرين (٤٢٠)، وانظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (١١/ ١٦٠).
(٢) انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٤٨٢)، والأسنى في شرح أسماء الله الحسنى للقرطبي (١/ ١٣٨).
(٣) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٨٩)، وعدة الصابرين (٤٢٢ - ٤٢٣)، وتوضيح الكافية الشافية للسعدي، مطبوع ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٣/ ٣٨١ - ٣٨٢)، وبهذا المعنى قال بعض أهل التأويل، انظر: الأسماء والصفات للبيهقي (١/ ١٤٨)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٨/ ٣٣٦)، والأسنى للقرطبي (١/ ١٣٨).
[ ٢٤٦ ]
قالوا له ولد وليس يعيدنا شتمًا وتكذيبًا من الإنسان
هذا وذاك بسمعه وبعلمه لو شاء عاجلهم بكل هوان
لكن يعافيهم ويرزقهم وهم يؤذونه بالشرك والكفران (^١)
وصبر الله تعالى لا يماثله شيء من الصبر، لأنه صبر من كامل القوة، عظيم القدرة والبطش، في مقابلة غاية الإساءة والأذية من الخلق، فهو يفارق صبر المخلوق من عدة وجوه، منها:
١ - أنه عن قوة كاملة، وقدرة تامة، بخلاف صبر المخلوق فإنه قد يكون عن ضعف وعجز.
٢ - أن الله تعالى لا يخاف بصبره فوت العقوبة، بينما العبد يخاف ذلك، ولهذا فإنه يستعجل العقوبة -أحيانًا- لخوف الفوت.
٣ - أن الله تعالى لا يلحقه بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجه من الوجوه، بخلاف صبر المخلوق (^٢).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى متحدثًا عن صبر الله جلَّ وعلا: "مع أنه صبرٌ مع كمال علم وقدرة وعظمة وعزة، وهو صبر على أعظم مصبور عليه، فإن مقابلة أعظم العظماء وملك الملوك وأكرم الأكرمين، ومَن إحسانه فوق كل إحسان، بغاية القبح، وأعظم الفجور، وأفحش الفواحش، ونسبته إلى كل ما لا يليق به، والقدح في كماله وأسمائه وصفاته، والإلحاد في آياته، وتكذيب رسله ﵈ ومقابلتهم بالسب والشتم والأذى، وتحريق أوليائه وقتلهم وإهانتهم، أمر لا يصبر عليه إلا الصبور الذي لا أحد أصبر منه، ولا نسبة لصبر جميع الخلق من أولهم إلى آخرهم إلى صبره سبحانه" (^٣).
وقال السعدي ﵀: "هذا الصبر الذي ذكره الرسول -ﷺ- عن الله، لا
_________________
(١) الكافية الشافية، شرح ابن عيسى (٢/ ٢٢٨).
(٢) انظر: عدة الصابرين (٤٢٠)، والمجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٧/ ٢١).
(٣) عدة الصابرين (٤٢٢).
[ ٢٤٧ ]
مثيل له من الصبر، فهو صبر من كامل القوة، عظيم القدرة والبطش، في مقابلة غاية الإساءة والأذية من الخلق، الذين نواصيهم بيد الله، وليس لهم خروج عن قدرته، وأقواتهم وأرزاقهم وجميع ضروراتهم وحاجاتهم متعلقة بالله، ليس لشيء منها حصول إلا من جوده وخزائنه، ومع ذلك فهو يعافيهم ويرزقهم، ولا يقطع عنهم برَّه في جميع اللحظات، ومع ذلك يفتح لهم أبواب التوبة، ويسهل لهم طرقها، ويدعوهم إليها، ويخبرهم أنهم إن تابوا محا عنهم الخطايا العظيمة، وأدرَّ عليهم النعم الجسيمة، فسبحان الحليم الصبور" (^١).
وصبر الله تعالى قريب من معنى حلمه، بل ذهب بعضهم إلى أنهما بمعنىً واحد (^٢).
قال الزجاج: "أصل الصبر في الكلام الحبس، يقال: صبرته على كذا صبرًا، إذا حبسته، ومعنى الصبر والصبور في اسم الله تعالى، قريب من معنى الحليم" (^٣).
وقال ابن القيم: "لما كان اسم الحليم أدخل في الأوصاف، واسم الصبور في الأفعال، كان الحلم أصل الصبر، فوقع الاستغناء بذكره في القرآن عن اسم الصبور، والله أعلم" (^٤).