اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الحديث جاء لرد ما كان عليه أهل الجاهلية من نسبة المصائب التي تصيبهم، والكوارث التي تحل بهم إلى الدهر، فيقولون مثلًا: أصابتنا قوارع الدهر، وأبادنا الدهر، وأتى علينا الدهر، وهكذا
فينسبون كل ما يجري عليهم بقضاء الله وقدره، من موت أو سقم أو هرم أو فقر إلى الدهر، ثم يذمونه ويسبونه لأجل ذلك، فيقولون مثلًا: قبح الله الدهر الذي شتت شملنا، ولعن الله الزمان الذي جرى فيه كذا وكذا، وقد كثر ذلك في أشعارهم، ومن أمثلته:
قول المساور بن هند (^١):
بليت وعلمي في البلاد مكانه وأفنى شبابي الدهر وهو جديد (^٢)
وقول أبي ذؤيب الهذلي (^٣):
_________________
(١) هو مساور بن هند بن قيس بن زهير العبسي، شاعر مُعَمَّر، قيل: إنه ولد في حرب داحس والغبراء قبل الإسلام بخمسين سنةً، وعاش إلى أيام الحجاج، وهو من المتقدمين في الإسلام، توفي نحو سنة (٧٥). [انظر: الشعر والشعراء (٢١٦)، والإصابة لابن حجر (٦/ ٢٢٧)، والأعلام (٧/ ٢١٤)].
(٢) انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة (٢١٦)، والتمهيد لابن عبد البر (١٨/ ١٥٦).
(٣) هو خويلد بن خالد بن محرِّث أبو ذؤيب الهذلي، شاعر فحل مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، وعامة ما قاله من الشعر في الإسلام، عاش إلى زمن عثمان، وشارك في الغزو والفتوح، وتوفي بأفريقية سنة (٢٧). [انظر: الشعر والشعراء (٤٣٥)، والإصابة (٢/ ٣٥٨)، والأعلام (٢/ ٣٢٥)].
[ ٢٨٦ ]
أمن المنون وريبها تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع (^١)
وقول الأعشى (^٢):
فاستأثر الدهر الغداة بهم والدهر يرميني ولا أرمي
يا دهر قد أكثرت فجعتنا بسراتنا ووقرت في العظم
وسلبتنا ما ليس تُعقبنا يا دهر ما أنصفت في الحكم (^٣)
ومعنى الحديث على هذا: لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصائب، ولا تنسبوها إليه، فإن الله ﷿ هو الذي أصابكم بذلك، لا الدهر فإذا سببتم الفاعل وقع السب على الله ﷿، إذ هو الفاعل لها لا الدهر.
ويكون معنى قوله -ﷺ-: (وأنا الدهر): ما فسره بقوله: (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار).
وهكذا قوله: (فإن الله هو الدهر) أي: مدبر الدهر ومصرفه.
وعلى هذا، لا يكون الدهر اسمًا من أسماء الله تعالى.
وإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم، كالشافعي (^٤) وأبي عبيد،
_________________
(١) انظر: شرح أشعار الهذليين للسكري (١/ ٤)، وساقه ابن قتيبة بسنده إلى أبي ذؤيب، في تأويل مختلف الحديث (٢٠٨).
(٢) هو ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية، وأحد أصحاب المعلقات، كان كثير الوفود إلى الملوك من العرب والفرس، وكان من المعمَّرين أدرك الإسلام ولم يسلم، قيل: إن مولده ووفاته في منفوحة قرب مدينة الرياض، وكانت وفاته سنة سبع من الهجرة (٧). [انظر: الشعر والشعراء (١٥٤)، وشرح المعلقات العشر (٣٧٣)، والأعلام (٧/ ٣٤١)].
(٣) انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ١٤٦)، ومعجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٠٦)، وأحال محققه على ملحقات ديوان الأعشى (٢٥٨)].
(٤) انظر: تهذيب اللغة للأزهري (٦/ ١٠٩)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٧/ ١٨٣)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٦)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٢٣١)، وتيسير العزيز الحميد (٦٠٨).
[ ٢٨٧ ]
وابن جرير الطبري (^١)، وابن قتيبة (^٢)، وإبراهيم الحربي (^٣)، والخطابي، وأبي يعلى (^٤)، وابن عبد البر (^٥)، وقوام السنة الأصبهاني، والقرطبي (^٦) والنووي (^٧)، وابن تيمية (^٨)، وابن كثير (^٩)، وابن حجر (^١٠)، وسليمان بن عبد الله (^١١)، وابن عثيمين (^١٢)، عليهم رحمة الله.
_________________
(١) انظر: جامع البيان (١١/ ٢٦٣)، والطبري هو: الإمام العلم الفرد الحافظ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، كان إمامًا في فنون كثيرة منها التفسير والحديث والفقه والتاريخ، وكان من الأئمة المجتهدين لم يقلد أحدًا، وكان ثقة في نقله، ولذلك يُعدُّ كتابه التاريخ أصح التواريخ وأثبتها، توفي ﵀ ببغداد سنة (٣١٠ هـ)، وله عدة مصنفات منها: تفسيره المشهور، وكذلك تاريخه المشهور، وتهذيب الآثار. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ١٥٩)، ووفيات الأعيان (٤/ ٤٣)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٠)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٦٠)].
(٢) انظر: تأويل مختلف الحديث (٢٠٧ - ٢٠٨).
(٣) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، وبيان تلبيس الجهمية (١/ ١٢٦).
(٤) انظر: إبطال التأويلات (٢/ ٣٧٥).
(٥) انظر: التمهيد (١٨/ ١٥٥، ١٥٧).
(٦) انظر: المفهم (٥/ ٥٤٧ - ٥٤٨).
(٧) انظر: شرح النووي على مسلم (١٥/ ٥).
(٨) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩١).
(٩) انظر: تفسير ابن كثير (٤/ ٢٣١).
(١٠) انظر: الفتح (١٠/ ٥٦٥).
(١١) انظر: تيسير العزيز الحميد (٦٠٨ - ٦١١). وسليمان هو: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ، محدث فقيه، وشى به بعض المنافقين إلى إبراهيم باشا عند دخوله الدرعية واستيلائة عليها، فأحضره وأظهر بين يديه آلات اللهو والمنكر إغاظة له ثم قتله، وكان ذلك سنة ألف ومائتين وثلاث وعشرين (١٢٢٣)، له مؤلفات من أهمها وأشهرها: تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد. [انظر: الأعلام للزركلي (٣/ ١٢٩)، وعلماء نجد للبسام (٢/ ٣٤١)].
(١٢) انظر: القواعد المثلى (٩ - ١٠)، والقول المفيد (٢/ ٣٥٧، ٣٥٩).
[ ٢٨٨ ]
قال أبو عبيد: "تأويله عندي -والله أعلم- أن العرب كان شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم، من موت أو هرم أو تلف مال، أو غير ذلك، فيقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، وأتى عليهم الدهر، فيجعلونه الذي يفعل ذلك، فيذمونه فقال النبي -ﷺ-: (لا تسبوا الدهر)، على تأويل: لا تسبوا الذي يفعل بكم هذه الأشياء، ويصيبكم بهذه المصائب، فإنكم إذا سببتم فاعلها فإنما يقع السب على الله تعالى، لأنه ﷿ هو الفاعل لها، لا الدهر، فهذا وجه الحديث إن شاء الله، لا أعرف له وجهًا غيره" (^١).
وقال الخطابي: "قوله: (أنا الدهر) معناه: أنا صاحب الدهر ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر، فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبُّه إليَّ، لأني فاعلها، وإنما الدهر زمان ووقت جعلته ظرفًا لمواقع الأمور، وكان من عادة أهل الجاهلية إذا أصابهم شدة من الزمان، أو مكروه من الأمر، أضافوه إلى الدهر، وسبوه، فقالوا: بؤسًا للدهر، وتبًا للدهر، ونحو ذلك من القول فأعلم الله ﵎ أن الدهر محدث، يقلبه بين ليل ونهار، لا فعل له من خير أو شر، لكنه ظرف للحوادث ومحل لوقوعها، وأن الأمور كلها بيد الله تعالى، ومن قِبله يكون حدوثها، وهو محدثها ومنشئها سبحانه لا شريك له" (^٢).
وقال قوام السنة الأصبهاني: "ومما جاء في الحديث مما لا يؤمن وقوع الغلط فيه قوله -ﷺ-: (فإن الله هو الدهر)، لا يجوز أن يتوهم متوهم أن الدهر من أسماء الله تعالى، وإنما معنى هذا الكلام: أن أهل الجاهلية كان من عادتهم إذا أصاب الواحد منهم مكروه أن يضيفه إلى الدهر، فيسبون الدهر على أنه الفاعل لذلك، ولا يرونه صادرًا من فعل الله، وكائنًا بقضائه، فأعلمهم أن جميع ذلك من فعل الله تعالى، وأن مصدرها من قبله، وأنكم
_________________
(١) غريب الحديث (٢/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٢) أعلام الحديث (٣/ ١٩٠٤).
[ ٢٨٩ ]
متى سببتم فاعلها كان مرجع السب إلى الله ﷾" (^١).
القول الثاني: قول من يروي حديث: (وأنا الدهر) بنصب الدهر على الظرفية، فيكون المعنى: أنا الدهرَ كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار، وإلى هذا ذهب أبو بكر بن داود الظاهري (^٢) وغيره.
قال الخطابي: "كان أبو بكر يرويه (وأنا الدهرَ) مفتوحة الراء، منصوبًا على الظرف، أي: أنا طول الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار، وكان يقول: لو كان مضمومًا لانقلب الدهر اسمًا من أسماء الله جلَّ وعز وعلا" (^٣).
وقال ابن عبد البر: "فمن أهل العلم من يروي هذا الخبر بنصب الدهر على الظرف، يقول: أنا الدهر كله بيدي الأمر أقلب الليل والنهار" (^٤).
القول الثالث: أن الدهر من أسماء الله تعالى، ومعناه: القديم الأزلي، وإلى هذا ذهب نعيم بن حماد، وطائفة من أهل الحديث والصوفية (^٥)، وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى (^٦).
وعمدتهم هذا الحديث.
_________________
(١) الحجه في بيان المحجة (١٧٨ - ١٧٩).
(٢) هو محمد بن داود بن علي أبو بكر الظاهري، أحد من يضرب به المثل بذكائه، وكان له بصر تام بالحديث، وبأقوال الصحابة، وكان يجتهد ولا يقلد أحدًا، وقد تصدر للفتيا بعد والده، له كتاب الزهرة، في الأدب والشعر، توفي سنة سبع وتسعين ومائتين (٢٩٧). [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٩٠)، والسير (١٣/ ١٠٩)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٢٦)].
(٣) شأن الدعاء (١٠٨)، وانظر: معالم السنن (٤/ ١٤٧).
(٤) التمهيد (١٨/ ١٥٤)، وانظر: إكمال المعلم (٧/ ١٨٣)، والمفهم (٥/ ٥٤٨)، وشرح النووي على مسلم (١٥/ ٦)، وفتح الباري (٨/ ٥٧٥).
(٥) انظر: مجموع الفتاوى (٢/ ٤٩٤)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم الخامس، تحقيق د/ سليمان الغفيص (١/ ٢٨٥).
(٦) انظر: المحلى (٦/ ٢٨٢).
[ ٢٩٠ ]