جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁-: أن ناسًا قالوا لرسول الله -ﷺ-: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله -ﷺ-: (هل تُضَارُّون في رؤية القمر ليلة البدر؟) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (هل تُضَارُّون في الشمس ليس دونها سحاب؟) قالوا: لا يا رسول الله، قال: (فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه، ويضرب الصراط ).
قال عطاء بن يزيد: وأبو سعيد الخدري مع أبي هريرة لا يَرُدُّ عليه من حديثه شيئًا، حتى إذا حدث أبو هريرة أن الله قال لذلك الرجل: (ومثله معه)، قال أبو سعيد: وعشرة أمثاله معه يا أبا هريرة، قال أبو هريرة: ما حفظت إلا قوله: (ذلك لك ومثله معه)، قال أبو سعيد: أشهد أني حفظت من رسول الله -ﷺ- قوله: (ذلك لك وعشرة أمثاله)، قال أبو هريرة: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولًا الجنة (^١).
_________________
(١) متفق عليه: البخاري في مواضع: في كتاب الرقاق، باب: الصراط جسر جهنم =
[ ١٦٥ ]
وجاء معناه -أيضًا- في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-: أن ناسًا في زمن رسول الله -ﷺ- قالوا: يا رسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله -ﷺ-: (نعم قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب؟ وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر صحوًا ليس فيها سحاب؟) قالوا: لا يا رسول الله (قال: ما تضارون في رؤية الله ﵎ يوم القيامة إلا كلما تضارون في رؤية أحدهما، إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن: ليتبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبَّرِ أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله، فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا، فيشار إليهم أَلَا تَرِدُون، فيحشرون إلى النار كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، ثم يدعى النصارى فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد المسيح ابن الله، فيقال لهم: كذبتم، ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فيقال لهم: ماذا تبغون؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا، قال: فيشار إليهم أَلَا تَرِدُون، فيحشرون إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، فيتساقطون في النار، حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، أتاهم رب العالمين ﷾ في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون تتبع كل أمة ما كانت تعبد، قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئًا مرتين أو ثلاثًا، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول:
_________________
(١) = (٥/ ٢٤٠٣) ح (٦٢٠٤)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٤) ح (٧٠٠٠)، وفي كتاب صفة الصلاة، باب: فضل السجود (١/ ٢٧٧) ح (٧٧٣) لكن ليس فيه لفظ الصورة، ومسلم -واللفظ له- في كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٢١) ح (١٨٢).
[ ١٦٦ ]
هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن الله له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتقاء ورياء إلا جعل الله ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة (^١)، فقال: أنا ربكم فيقولون: أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم ) (^٢).
وفي رواية للبخاري: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة ) (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما هذا الخبر -في الجملة- فهو متواتر عند أهل العلم بالحديث، ورواته -من التابعين وأتباعهم- من أجل الأمة قدرًا في العلم والدين، وهو معروف عن عدد من الصحابة" (^٤).
وقال أيضًا: "هذان الحديثان من أصح الأحاديث" (^٥).
وقال عن الحديث الأول: "فهذا الحديث من أصح حديث على وجه الأرض" (^٦).
هذه الأحاديث تدل دلالةً واضحة على إثبات الصورة لله تعالى -كما
_________________
(١) قوله: (وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة) ليس في البخاري.
(٢) متفق عليه: البخاري في مواضع: في كتاب التفسير، باب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (٤/ ١٦٧١) ح (٤٣٠٥)، وفي كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٦) ح (٧٠٠١). ومسلم واللفظ له: كتاب الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية (٣/ ٣٠) ح (١٨٣).
(٣) صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ (٦/ ٢٧٠٦) ح (٧٠٠١).
(٤) بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع، تحقيق د/ محمد البريدي (١/ ٧٣).
(٥) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٣٢).
(٦) مجموع الفتاوى (٦/ ٤٩٣).
[ ١٦٧ ]
تقدم في المطلب الثالث -والغرض من سياقها هنا هو بيان معنى قوله -ﷺ-: (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون) وأنه على ظاهره، فهو يدل على أنهم رأوه رؤية متقدمة على هذه الرؤية في غير هذه الصورة، وقد جاء هذا المفهوم صريحًا في رواية البخاري: (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة).
كما تدل هذه الأحاديث على أن الله تعالى هو نفسه الذي يتحول من صورة إلى صورة، كما هو صريح رواية مسلم: (وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة).
وتدل -أيضًا- على أن رؤية المؤمنين لربهم تتكرر في ذلك الموقف (^١)، وأن الله تعالى أتاهم ثلاث مرات في صور متغايرة:
_________________
(١) كما أنهم يرونه بعد ذلك في الجنة -على ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة- لكن هذه الرؤية تختلف عن رؤيته تعالى في الموقف، لأن رؤية الجنة رؤية لذة ونعيم فهي أعلى مراتب نعيم الجنة، وغاية مطلوب المؤمنين، بخلاف رؤيته في عرصات القيامة فإنها ليست من النعيم والثواب. [انظر: التوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٢٠)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٢٢)، ومجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٥)]. وهل الرؤية في عرصات القيامة عامةً، فيراه أهل الموقف كلهم بما في ذلك الكفار؟ في هذا اختلف أهل العلم على ثلاثة أقوال: الأول: أن الكفار لا يرون ربهم بحال لا المظهر للكفر ولا المسر له، وهذا قول أكثر العلماء المتأخرين وعليه يدل عموم كلام المتقدمين، وعليه جمهور أصحاب الإمام أحمد وغيرهم. والثاني: أنه يراه من أظهر التوحيد من مؤمني هذه الأمة ومنافقيها، وغبرات من أهل الكتاب، وذلك في عرصة القيامة، ثم يحتجب عن المنافقين فلا يرونه بعد ذلك، وهذا قول أبي بكر بن خزيمة من أهل السنة، وذكر نحوه القاضي أبو يعلى. والثالث: أن جميع الخلائق يرون ربهم في عرصات القيامة بما في ذلك الكفار، وذلك في أول الأمر، وتكون رؤية الكفار لربهم رؤية تعريف وتعذيب -كاللص إذا رأى السلطان- ثم يحتجب الله عنهم ليعظم عذابهم ويشتد عقابهم، ثم يراه =
[ ١٦٨ ]
الأولى: وهي التي عرفوه فيها، ويدل عليها قوله -ﷺ- في الروايات المتقدمة: ( التي رأوه فيها أول مرة)، وكذا قوله: (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون)، فإن هذه المعرفة تدل على رؤية متقدمة على هذه الرؤية في غير هذه الصورة.
_________________
(١) = المسلمون بمن معهم من المنافقين، ثم بعد ذلك يتميز المؤمنون، وهم الذين يرونه رؤية تنعم، وإلى هذا القول ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم عليهما رحمة الله. [انظر: هذه الأقوال وأدلتها في: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٨٧)، وما بعدها، و(٦/ ٤٦٦)، وبيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٢٢ - ١٢٣)، و(١/ ١٠٩)، وما بعدها، وحادي الأرواح (٣٦٣ - ٣٦٤)، والتوحيد لابن خزيمة (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٣)]. وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية -وهو ممن يرجح القول الثالث- إلى أمور تجب مراعاتها في هذه المسألة وهي:
(٢) أن الرؤية أنواع متباينة تباينًا عظيمًا لا يكاد ينضبط طرفاها، وبناءً عليه، فإن هذا النوع من الرؤية الذي هو عام للخلائق كلهم، قد يكون ضعيفًا، فلا يكون من جنس الرؤية التي يختص بها المؤمنون.
(٣) أنه ليس لأحد أن يطلق القول: بأن الكفار يرون ربهم من غير تقييد، وذلك لأمرين: أحدهما: أن الرؤية المطلقة قد صار يفهم منها الكرامة والثواب، وفي إطلاقها على الكفار إيهام وإيحاش، وليس لأحد أن يطلق لفظًا يوهم خلاف الحق، إلا أن يكون مأثورًا عن السلف، وهذا اللفظ ليس مأثورًا. والثاني: أن الحكم إذا كان عامًا، وفي تخصيص بعضه باللفظ خروج عن القول الجميل فإنه يمنع من التخصيص، فإن الله خالق كل شيء ومريد لكل حادث، ومع هذا يمنع الإنسان أن يخص ما يستقذر من المخلوقات، وما يستقبحه الشرع من الحوادث، بأن يقول على الانفراد: يا خالق الكلاب، ويا مريدًا للزنا، ونحو ذلك. [انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٣ - ٥٠٤)].
(٤) أن الخلاف في هذه المسألة لا يوجب نزاعًا أو فرقة أو مقاطعةً، لأنها مسألة خفيفة، فليست هي من المهمات التي ينبغي كثرة الحديث عنها، ومفاتحة عوام المسلمين فيها، مما قد يوجب تفرق القلوب وتشتت الأهواء، بخلاف اعتقاد رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة، فإن هذا فرض واجب لازم كما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة. [انظر: مجموع الفتاوى (٦/ ٤٥٨، ٥٠٢، ٥٠٤)].
[ ١٦٩ ]
الثانية: وهي التي جاءهم فيها في غير صورته التي رأوه فيها أول مرة (^١)، وهي المرادة بقوله -ﷺ-: (فيأتيهم الله ﵎ في صورة غير صورته التي يعرفون)، وقد أنكروا هذه الصورة لأنها مغايرة للصورة الأولى، فهي أدنى منها كما في رواية: (أتاهم رب العالمين في أدنى صورة من التي رأوه فيها)، وقد فعل الله تعالى ذلك امتحانًا لهم، فلما أنكروه عرَّفهم نفسه بالآية التي يعرفون، وهي الساق، فإنه لما كشفه خَرُّوا له سجدًا.
وأما الثالثة: فهي التي تحول فيها من الصورة السابقة إلى الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وذلك حال سجودهم كما في رواية مسلم: (فيرفعون رؤسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وهي المرادة بقوله -ﷺ- -في حديث أبي هريرة-: (فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون ).
وقد ذهب بعض أهل العلم والحديث كأبي عاصم النبيل (^٢)، والدارمي (^٣)، عليهما رحمة الله إلى تأويل هذا الحديث وصرفه عن ظاهره:
_________________
(١) وجاء عند ابن خزيمة (١/ ٢١٥ - ٢١٦) ح (١٢٣) ما يدل على أن هذه الرؤية تكون مرتين متتاليتين.
(٢) هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم، الإمام الحافظ، شيخ المحدثين الأثبات، كان واسع العلم، ولم يُرَ في يده كتاب قط، حدَّث عن جماعة من التابعين، وحدث عنه خلق كثير، منهم البخاري ﵀، وهو أجل شيوخه وأكبرهم، توفي ﵀ سنة اثنتي عشرة ومائتين (٢١٢)، وقيل غير ذلك. [انظر: السير (٩/ ٤٨٠)، والعبر (١/ ٢٨٥)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٦٦)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٤٤)، وشذرات الذهب (٢/ ٢٨)].
(٣) هو أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد السجستاني، الحافظ الإمام الحجة صاحب التصانيف، أكثر من الترحال والتطواف في طلب الحديث، أخذ علم الحديث وعلله على علي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وفاق أهل زمانه وكان لهاجًا بالسنة بصيرًا بالمناظرة جذعًا في أعين المبتدعة، توفي ﵀ سنة (٢٨٠ هـ) له مصنفات منها: النقض على المريسي، وكتاب الرد على الجهمية. [انظر: تذكرة الحفاظ (٢/ ٦٢١)، والسير (١٣/ ٣١٩)، وشذرات الذهب (٢/ ١٧٦)] ..
[ ١٧٠ ]
فقد حُكي عن أبي عاصم أنه قال: "ذلك تغيّر يقع في عيون الرائين، كنحو ما يتخيل إلى الإنسان الشيء بخلاف ما هو به، فيتوهم الشيء على الحقيقة" (^١).
وقال الدارمي في رده على المريسي حين أنكر هذا الحديث واعترض عليه -مدعيًا أنه يتضمن شك المؤمنين في معبودهم؛ لأنهم يقولون: (نعوذ بالله منك)، وذلك إذا أتاهم في صورة غير صورته التي يعرفون-: "ويلك إن هذا ليس بشك وارتياب منهم، ولو أن الله تجلى لهم أول مرة في صورته التي عرفهم صفاتها في الدنيا، لاعترفوا بما عرفوا، ولم ينفروا، ولكنه يري نفسه في أعينهم، لقدرته ولطف ربوبيته في صورة غير ما عرفهم الله صفاتها في الدنيا، ليمتحن بذلك إيمانهم ثانية في الآخرة كما امتحن في الدنيا، ليثبتهم أنهم لا يعترفون بالعبودية في الدنيا والآخرة إلا للمعبود الذي عرفوه في الدنيا بصفاته التي أخبرهم بها في كتابه، واستشعرتها قلوبهم حتى ماتوا على ذلك، فإذا مثل في أعينهم غير ما عرفوا من الصفة نفروا وأنكروا، إيمانًا منهم بصفة ربوبيته التي امتحن قلوبهم في الدنيا، فلما رأى أنهم لا يعرفون إلا التي امتحن الله قلوبهم، تجلى لهم في الصورة التي عرفهم في الدنيا فآمنوا به وصدقوا، وماتوا، ونشروا عليه (^٢)، من غير أن يتحول الله من صورة إلى صورة، ولكن يمثل ذلك في أعينهم بقدرته، فليس هذا أيها المريسي بشك منهم في معبودهم، بل هو زيادة يقين وإيمان به مرتين
ويلك إن الله لا تتغير صورته ولا تتبدل، ولكن يمثل في أعينهم يومئذ، أولم تقرأ كتاب الله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤]، وهو
_________________
(١) إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى (١/ ١٥٣)، وانظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٩١).
(٢) في النسخة التى اعتمدها المحقق أصلًا: "وبشروا عليه"، وما أثبته أوضح، وهو موجود في بقية النسخ كما ذكر المحقق.
[ ١٧١ ]
الفعال لما يشاء، كما مثل جبريل ﵇ مع عظم صورته وجلالة خلقه في عين رسول الله -ﷺ- صورة دحية الكلبي، وكما مثله لمريم بشرًا سويًا، وهو ملك كريم في صورة الملائكة، وكما شبه في أعين اليهود أن قالوا: ﴿إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ﴾، فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] " (^١).
ولا ريب أن هذا تأويل باطل مخالف لظاهر هذه النصوص، ويتضح بطلانه من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن في حديث أبي سعيد المتقدم (فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وفي لفظ: (في أدنى صورة من التي رأوه فيها)، وهذا يفسر قوله في حديث أبي هريرة (فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي يعرفون)، ويبين أن تلك المعرفة كانت لرؤية منهم في صورة غير الصورة التي أنكروه فيها.
وما ذهب إليه الدارمي من جعل صورته التي يعرفون، هي التي عرَّفهم صفاتها في الدنيا، فغير صحيح، لأنه أخبر أنها الصورة التي رأوه فيها أول مرة، لا أنهم عرفوها بالنعت في الدنيا، ولفظ الرؤية صريح في ذلك.
الوجه الثاني: أنهم لا يعرفون في الدنيا لله صورة معينة، ولم يروه في الدنيا في صورة، فإن ما وصف الله تعالى به نفسه ووصفه به رسوله -ﷺ- لا يوجب لهم صورة يعرفونها، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
ولو كانوا أرادوا الصفات المخبر بها في الدنيا لذكروا ذلك، فعلم أنهم لم يطيقوا وصف الصورة التي رأوه فيها أول مرة، وقد قال النبي -ﷺ- في سدرة المنتهى: (فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرَتْ، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها)، رواه مسلم (^٢).
_________________
(١) نقض الإمام أبي سعيد على المريسي الجهمي العنيد (١/ ٣٨٦ - ٣٩١).
(٢) من حديث أنس -﵁-، صحيح مسلم (٢/ ٥٦٧) ح (١٦٢).
[ ١٧٢ ]
فالله أعظم من أن يستطيع أحد أن ينعت صورته، وهو سبحانه وصف نفسه لعباده بقدر ما تحتمله أفهامهم، ومعلوم أن قدرتهم على معرفة الجنة بالصفات -التي ذكرها الله ورسوله- أيسر، ومع هذا فقد قال -ﷺ-: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، متفق عليه (^١). فالخالق أولى أن يكونوا لا يطيقون معرفة صفاته كلها.
الوجه الثالث: أن في حديث أبي سعيد -المتقدم-: (فيرفعون رؤسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة)، وهذا نص صحيح صريح في أن الذي يتحول هو الله نفسه، لا أنه تغير في عيون الرائين، كما في هذا التأويل.
وقول الدارمي: "من غير أن يتحول من صورة إلى صورة، ولكن يمثل ذلك في أعينهم" مخالف لهذا النص.
الوجه الرابع: أنه في عدة أحاديث، كحديث أبي سعيد قال: (هل بينكم وبينه علامة؟ فيقولون: نعم، فيكشف عن ساقه فيسجدون له).
وهذا يبين أنهم لم يعرفوه بالصفة التي وصف لهم في الدنيا، بل بآية وعلامة عرفوها بالموقف.
الوجه الخامس: أن تمثيل الدارمي بقوله: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] لا يناسب تشبيهه بمجيء جبريل في صورة دحية والبشر، وذلك أن اليهود غلطوا في الذي رأوه، فلم يكن هو المسيح ولكن ألقي شبهه عليه، والذي رأته مريم، ومحمد -ﷺ- هو جبريل نفسه ولكن في صورة آدمي، فكيف يقاس ما رُئي هو نفسه في صورة على ما لم يُر هو، وإنما ألقى شبهه على غيره.
الوجه السادس: أن هذا المعنى -وهو التمثيل- إذا قصد كان مقيدًا
_________________
(١) البخاري (٣/ ١١٨٥) ح (٣٠٧٢)، ومسلم (١٧/ ١٧١) ح (٢٨٢٤).
[ ١٧٣ ]
بالرائي لا بالمرئي مثل قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٤]، فقيد ذلك بأعين الرائين، ويقال: كان هذا في عين فلان رجلًا فظهر امرأةً، وكان كبيرًا فظهر صغيرًا، ونحو ذلك، ولا يقال: جاء فلان في صورة كذا، ثم تحول في صورة كذا، ويكون التصوير في عين الرائي فقط، هذا لا يقال في مثل هذا أصلًا (^١).
* * *
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ١٩٨ - ٢٠٢)، وإبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٥٣).
[ ١٧٤ ]