سلك أهل السنة والجماعة في هذا الباب طريقًا واضحًا بيِّنًا لا عوج فيه ولا أمتًا، وذلك لأنهم عوَّلوا فيه -وكذا في بقية أبواب الاعتقاد- على النقل الثابت الصحيح، فسلموا من الانحراف الذي وقع فيه من اتخذ العقل أساسًا في هذا الباب وقدمه على النقل، كما هو حال أهل الكلام، علمًا أن أهل السنة يؤكدون على أن العقل الصريح لا يمكن بحال أن يخالف النقل الصحيح.
وأهل السنة وسط في هذا الباب بين الإفراط والتفريط، فلم يغلوا في الإثبات إلى درجة تصل بهم إلى التكييف أو التمثيل، كما لم يقعوا في التفريط الذي هو تعطيل الله سبحانه عن أسمائه وصفاته كلها، أو شيء منها، بل أثبتوا جميع ما صح به النقل من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به سبحانه، كالعلو والاستواء والنزول والعلم والكلام والضحك والوجه واليدين وغيرها.
والكلام على معتقدهم في هذا الباب وذكر أدلته وتفاصيل مسائله يطول، ولربما أخرج عن المقصود، ولذا فسأقتصر على بيان أهم الأصول والأسس التي بنى عليها أهل السنة والجماعة عقيدتهم في الأسماء والصفات، وهي كما يلي:
أولًا: الاعتماد على الكتاب والسنة الصحيحة، فيثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله -ﷺ- في سنته، من غير تحريف ولا
[ ١٠١ ]
تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وينفون ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله -ﷺ- في سنته مع إثبات كمال ضده (^١).
قال الإمام أحمد: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسول الله -ﷺ-، لا يُتجاوز القرآن والحديث" (^٢).
وقال ابن خزيمة: "نحن نثبت لخالقنا -جل وعلا- صفاته التي وصف الله ﷿ بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه المصطفى -ﷺ-، مما ثبت بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه" (^٣).
وقال الإسماعيلي (^٤): "اعلموا رحمنا الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث -أهل السنة والجماعة-: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى، وما صحت به الرواية عن رسول الله
_________________
(١) قال ابن تيمية: "ينبغي أن يعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل: ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالًا، ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال، فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح" [التدمرية (٥٧ - ٥٨)، وانظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٤/ ١٣٦٧)].
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ٤٥)، ولمعة الاعتقاد بشرح العثيمين (٣٥)، واجتماع الجيوش الإسلامية (٢١١ - ٢١٢).
(٣) التوحيد (١/ ٥٧).
(٤) هو الإمام الحافظ الفقيه شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الجرجاني الإسماعيلي الشافعي، كان شيخ المحدثين والفقهاء في عصره، وأجلهم في المروءة والسخاء، توفي ﵀ سنة (٣٧١ هـ) له من المصنفات: مسند عمر -﵁-، والمستخرج على الصحيح. [انظر: تذكرة الحفاظ (٣/ ٩٤٧)، والسير (١٦/ ٢٩٢)، وشذرات الذهب (٣/ ٧٢)].
[ ١٠٢ ]
﵌، لا معدل عما وردا به، ولا سبيل إلى رده ويعتقدون أن الله تعالى مَدْعُوٌّ بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي سمَّى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه -ﷺ-" (^١).
وقال قِوَامُ السنة الأصبهاني: "قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي -ﷺ- متواترة في صفات الله تعالى، موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة، والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف، وأنه ﷿ أزلي بصفاته وأسمائه، التي وصف بها نفسه، أو وصفه الرسول -ﷺ- بها، فمن جحد صفة من صفاته بعد الثبوت كان بذلك جاحدًا، ومن زعم أنها محدثة لم تكن ثم كانت، دخل في حكم التشبيه في الصفات التي هي محدثة في المخلوق، زائلة بفنائه غير باقية، وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدَّق به المصطفى -ﷺ-، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب، غير محتاج إلى تأويله" (^٢).
وقال ابن تيمية: "طريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فهذا رد علي الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المعطلة" (^٣).
ثانيًا: إمرار نصوص الصفات كما جاءت وذلك بحملها على ظاهرها دون التعرض لتعطيل شيء منها أو تأويله بما لا يتفق مع مراد الله ورسوله -ﷺ-.
_________________
(١) اعتقاد أهل السنة (٣١ - ٣٢)، وأورده الذهبي بإسناده في العلو (٢٢٩)، وفي السير (١٦/ ٢٩٥)، وانظر: مختصر العلو للألباني (٢٤٨).
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٣)، وانظر: (٢/ ٥٤٩).
(٣) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣)، وانظر: التدمرية (٧)، ومجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)، و(٦/ ٣٨).
[ ١٠٣ ]
قال الوليد بن مسلم (^١): "سألت الأوزاعي (^٢)، والثوري (^٣)، ومالك بن أنس، والليث بن سعد (^٤)، عن الأحاديث التي فيها الصفات، فكلهم قال: أمروها كما جاءت بلا تفسير (^٥) " (^٦).
_________________
(١) هو عالم أهل الشام أبو العباس الدمشقي، الحافظ الإمام، مولى بني أمية، حدث عن جمع من أهل العلم، وارتحل في هذا الشأن، وصنف التصانيف، وكان من أوعية العلم، ثقةً حافظًا، لكنه رديء في التدليس، وقد احتج به البخاري ومسلم، لكنهما ينتقيان من حديثه، ويتجنبان ما ينكر له، توفي بذي المروة راجعًا من الحج في المحرم، سنة خمس وتسعين ومائة (١٩٥ هـ). [انظر: السير (٩/ ٢١١)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٢)، والعبر (١/ ٢٤٨)، وشذرات الذهب (١/ ٣٤٤
(٢) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الأوزاعي الدمشقي إمام أهل الشام، لم يكن بالشام أعلم منه، من كبار تابعي التابعين، روى عن خلق كثير من التابعين، كان أحد الأئمة المجتهدين، والعباد المعدودين، توفي ﵀ سنة (١٥٧ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ١٠٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٧٨)، والعبر (١/ ١٧٤)، وشذرات الذهب (١/ ٢٤١)].
(٣) هو سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبد الله الثوري الكوفي شيخ الإسلام وسيد الحفاظ وأمير المؤمنين في الحديث، أجمع الناس على دينه وورعه وزهده وثقته، وهو أحد الأئمة المجتهدين، له مذهب في الفقه لكنه اندثر، كان قوَّالًا بالحق شديد الإنكار، توفي ﵀ بالبصرة -مختفيًا عن المهدي- سنة (١٦١ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٣٢٢)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٣)، والسير (٧/ ٢٢٩)، والعبر (١/ ١٨١)، وتقريب التهذيب (١/ ٣٧١)، وشذرات الذهب (١/ ٢٥٠)].
(٤) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث الفهمي مولاهم، وأصله فارسي أصبهاني، شيخ الديار المصرية وعالمها، روى عن عطاء بن أبي رباح وابن أبي مليكة ونافع، وخلق كثير، وكان إمامًا ثقةً ثبتًا حجةً فقيهًا، واسع العلم، سخيًا جوادًا، توفي ﵀ سنة خمس وسبعين ومائة (١٧٥ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٤)، ووفيات الأعيان (٣/ ٥٤٥)، والسير (٨/ ١٣٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٤)، والعبر (١/ ٢٠٦)، وشذرات الذهب (١/ ٢٨٥)].
(٥) أي: تفسير الكيفية، كما في الرواية الأخرى عن الوليد أنهم قالوا: "امضها بلا كيف".
(٦) أخرجه الآجري في الشريعة (٣/ ١١٤٦)، والدارقطني في الصفات (٧٥)، =
[ ١٠٤ ]
وسئل عبد الله بن المبارك (^١) عن أحاديث الصفات فقال: "تمر كما جاءت بلا كيف" (^٢).
وقال أبو زرعة (^٣) عن أحاديث الصفات: "هذه أحاديث متواترة عن رسول الله -ﷺ-، أَمِرُّوها كما جاءت بلا كيف" (^٤).
وهذا القول متواتر عن السلف عليهم رحمة الله، قال أبو يعلى (^٥): "روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من
_________________
(١) = واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٥٥٨)، وأورده أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٤٧)، وابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩)، وعزاه إلى الخلال في السنة، وأورده الذهبي في العلو (١٣٩ - ١٤٠).
(٢) هو الإمام العالم أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير، أخذ عن بقايا التابعين، وأكثر من الترحال والتطواف إلى أن مات في طلب العلم -﵀- سنة (١٨١ هـ). [انظر: السير (٨/ ٣٧٨)، وتقريب التهذيب (١/ ٥٢٧)، وشذرات الذهب (١/ ٢٩٤)].
(٣) إبطال التأويلات (١/ ٥٣).
(٤) هو الإمام الحافظ عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فرُّوخ القرشي مولاهم الرازي، محدث الرَيِّ، سمع من أبي نعيم والقعنبي وأحمد بن حنبل وطبقتهم، وحدَّث عنه مسلم وأبو حاتم والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبو داود وغيرهم، وكان من أفراد الدهر حفظًا وذكاءً ودينًا وعلمًا وعملا، توفي ﵀ سنة أربع وستين ومائتين (٢٦٤ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٣٢٥)، والسير (١٣/ ٦٥)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٥٧)، والعبر (١/ ٣٧٩)، وشذرات الذهب (٢/ ١٤٨)].
(٥) إبطال التأويلات (١/ ٥٣).
(٦) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد، المعروف بأبي يعلى الفراء البغدادي، شيخ الحنابلة وفقيههم، صاحب التصانيف الفريدة، كان إمامًا لا يدرك قراره، ولا يشق غباره، درَّس وأفتى وولي قضاء الحريم، توفي ﵀ سنة (٤٥٨ هـ)، ومن مصنفاته: إبطال التأويلات، وكتاب مسائل الإيمان. [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٢٥٢)، والعبر (٢/ ٣٠٩)، وشذرات الذهب (٣/ ٣٠٦)].
[ ١٠٥ ]
أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا: أَمِرُّوها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين" (^١).
وقال قِوَامُ السنة الأصبهاني: "الكلام في صفات الله ﷿، ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله -ﷺ-، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين: إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها" (^٢).
وقال ابن قدامة: "وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف -﵃-، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-" (^٣)
ومراد السلف بهذه العبارة (أمروها كما جاءت بلا كيف): إجراء نصوص الصفات على ظاهرها والأخذ بما دلت عليه من الصفات، وليس مرادهم: إمرار ألفاظها دون فهم معانيها.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "قولهم -﵃-: (أمروها كما جاءت) رد على المعطلة، وقولهم: (بلا كيف) رد على الممثلة " (^٤).
ثم قال مبينًا مراد السلف بهذه العبارة: "إنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه -على ما يليق بالله- لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا، بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.
وأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ
_________________
(١) المرجع السابق (١/ ٤٣ - ٤٤).
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٨)، وبنحوه قال الخطيب البغدادي، كما في السير للذهبي (١٨/ ٢٨٤).
(٣) لمعة الاعتقاد مع شرحها للعثيمين (٣٧).
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩).
[ ١٠٦ ]
معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.
وأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية -أو الصفات مطلقًا- لا يحتاج إلى أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.
وأيضًا: فقولهم: أمروها كما جاءت، يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّتْ كما جاءت، ولا يقال حينئذٍ: بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول" (^١).
ومما ينبغي التأكيد عليه هنا: أن عدم فهم معنى الصفة ليس مبررًا ولا مسوغًا لردها، أو تأويلها بما يخالف مراد المتكلم بها.
قال ابن تيمية: "ما أخبر به الرسول عن ربه ﷿، فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه" (^٢).
ثالثًا: عدم تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه -كما تقدم- فالله تعالى له صفات تليق به، والمخلوق له صفات تليق به، ولا يلزم من الاتفاق في الأسماء الاتفاق في المسميات (^٣).
قال أبو يعلى عن أحاديث الصفات: "الواجب حملها على ظاهرها،
_________________
(١) المرجع السابق (٥/ ٤١ - ٤٢)، وانظر: درء التعارض (٧/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٢) التدمرية (٦٥).
(٣) انظر: التدمرية (٢٠).
[ ١٠٧ ]
وأنها صفات لله تعالى، لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها" (^١).
وقال ابن تيمية: "أهل السنة والجماعة والحديث، من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، متفقون على تنزيه الله تعالى عن مماثلة الخلق، وعلى ذم المشبهة الذين يشبهون صفاته بصفات خلقه، ومتفقون على أن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله" (^٢).
رابعًا: تفويض الكيفية، وقطع الطمع عن إدراكها، وذلك لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات، ولم يخبرنا كيف هي.
والثاني: أن العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف، فإذا كنا لا نعلم كيفية ذات الله تعالى، فكذلك لا نعلم كيفية صفاته.
قال الخطيب البغدادي: "الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف" (^٣).
وقال ابن تيمية معللًا عدم العلم بكيفية الصفات: "إذ العلم بكيفية الصفة، يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له وتابع له" (^٤).
والثاك: أن الشيء لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره أو
_________________
(١) إبطال التأويلات (١/ ٤٣).
(٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٢)، وانظر: شرح العقيدة الطحاوية (٥٧).
(٣) جواب أبي بكر الخطيب عن سؤال أهل دمشق في الصفات (٦٤)، وانظر: السير (١٨/ ٢٨٤).
(٤) التدمرية (٤٤)، وانظر: مجموع الفتاوى (٣/ ٢٥).
[ ١٠٨ ]
الخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتفٍ في صفات الله تعالى (^١).
فالكيفية ثابتة لله تعالى لكنها مجهولة لنا غير معقولة، ولهذا كان شعار أهل السنة والجماعة في هذا الباب، تلك الكلمة العظيمة للإمام مالك ﵀، حيث ثبت عنه أنه لما سُئل عن كيفية الاستواء، قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" (^٢).
_________________
(١) انظر: تقريب التدمرية للعثيمين (٤٠)، وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (١/ ٣١٧).
(٢) أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (٦٦)، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤١)، والصابوني -من ثلاثة طرق- في عقيدة السلف (١٨٠ - ١٨٥)، والبيهقي -واللفظ له- في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٥) ح (٨٦٧)، وفي الاعتقاد (٥٦). وقال الذهبي في العلو (١٣٩): "هذا ثابت عن مالك". - وهو ثابت أيضًا عن ربيعة الرأي، شيخ مالك [أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٢)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٦) ح (٨٦٨)، وساقه الذهبي في العلو (١٢٩) بإسناده إلى ربيعة، وصححه الألباني في مختصر العلو (١٣٢)]. وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠): "وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن " فذكره. وقال أيضًا في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٦٥): "ومثل هذا الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك". - وروي نحوه عن أم سلمة -﵂-، [أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤٠)، والصابوني فى عقيدة السلف (١٧٨ - ١٧٩)] لكنه غير ثابت عنها من طريق صحيح. قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٦٥): "وقد روي هذا الجواب عن أم سلمة -﵂-، موقوفًا ومرفوعًا، ولكن ليس إسناده مما يعتمد عليه". وقال الذهبي في العلو (٨١): "هذا القول محفوظ عن جماعة، كربيعة الرأي، ومالك الإمام، وأبي جعفر الترمذي، فأما عن أم سلمة فلا يصح". وللدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر كتاب بعنوان: الأثر المشهور عن الإمام مالك ﵀ في صفة الاستواء، دراسة تحليلية.
[ ١٠٩ ]
وجاء عن وكيع بن الجراح (^١) أنه قال عن أحاديث الصفات: "نسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف هذا، ولِمَ جاء هذا" (^٢).
وقال أبو عبيد (^٣) -وقد ذكر بعض أحاديث الصفات-: "هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء، بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل: كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا: لا يفسر هذا، ولا سمعنا أحدًا يفسره" (^٤).
والتأكيد على هذا المعنى -وهو نفي العلم بالكيفية- كثير في كلام السلف.
قال ابن تيمية: "ومثل هذا يوجد كثيرًا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو" (^٥).
_________________
(١) هو الإمام الحافظ محدث العراق، وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي أبو سفيان الرواسي الكوفي، سمع من ابن جريج والأعمش والأوزاعي وغيرهم، وحدَّث عنه الثوري وابن المبارك وابن المديني وابن معين وغيرهم، وكان من بحور العلم وأئمة الحفظ، توفي ﵀ سنة سبع وتسعين ومائة (١٩٧ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٤٧١)، والسير (٩/ ١٤٠)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٦)، والعبر (١/ ٢٥٣)، وشذرات الذهب (١/ ٣٤٩)].
(٢) أخرجه الدارقطني في الصفات (٧١).
(٣) هو الإمام الحافظ المجتهد القاسم بن سلَّام بن عبد الله البغدادي اللغوي الفقيه، صاحب المصنفات، كان أبوه مملوكًا روميًا لرجل من أهل هَراة، وكان أبو عبيد فاضلًا في دينه وعلمه ولي قضاء الثغور مدة، قيل: إنه أول من صنف في غريب الحديث، توفي ﵀ بمكة سنة (٢٢٤ هـ)، وله مصنفات عديدة منها: كتاب الأموال، وغريب الحديث، والإيمان. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٤٨٩)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤١٧)، والسير (١٠/ ٤٩٠)، وشذرات الذهب (٢/ ٥٤)].
(٤) أخرجه الدارقطني في الصفات (٦٨ - ٦٩)، وانظر: إبطال التأويلات (١/ ٤٨).
(٥) مجموع الفتاوى (٣/ ٥٨).
[ ١١٠ ]
وقال ابن القيم: "العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: (بلا كيف) أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم.
فكيف يطمع العقل المخلوق المحصور المحدود في معرفة كيفية من له الكمال كله، والجمال كله، والعلم كله، والقدرة كلها، والعظمة كلها، والكبرياء كلها؟ " (^١).
* * *
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦).
[ ١١١ ]