إن الواجب على كل مسلم تجاه نصوص الكتاب والسنة الصحيحة أن يؤمن بها كلها، محكمها ومتشابهها، ويعمل بما استبان له منها، ويكل ما اشتبه عليه إلى الله تعالى، وهو ما نص عليه كثير من السلف، كابن عباس (^٣) وعائشة (^٤) والحسن (^٥) وقتادة والضحاك (^٦)
_________________
(١) تأويل مشكل القرآن (١٠١ - ١٠٢)
(٢) انظر: أنواع التصنيف المتعلقة بتفسير القرآن الكريم للدكتور مساعد الطيار (٩٥، ١٠٨).
(٣) انظر: جامع البيان للطبري (٣/ ١٨٦)، والإتقان للسيوطي (٢/ ٦٤٤).
(٤) انظر: الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦٤٤).
(٥) هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، كان من سادات التابعين وكبرائهم، جمع كل فن من علم وزهد وورع وعبادةِ، وكان أبوه مولى زيد بن ثابت -﵁-، نشأ بالمدينة، وحفظ القرآن في خلافة عثمان، وسمعه يخطب مرات، وروى عن عمران بن حصين والمغيرة بن شعبة وجمع من الصحابة -﵃- توفي ﵀ سنة (١١٠ هـ). [انظر: وفيات الأعيان (٢/ ٥٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٧١)، والسير (٤/ ٥٦٣)، وشذرات الذهب (١/ ١٣٦)].
(٦) انظر: جامع البيان (٣/ ١٨٦)، والضحاك هو: ابن مزاحم الهلالي الخراساني =
[ ٦٤ ]
وغيرهم (^١).
قال الحسن عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]، "يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه" (^٢).
وقال قتادة في آية آل عمران: "آمنوا بمتشابهه، وعملوا بمحكمه" (^٣).
وقال ابن تيمية: "ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه" (^٤).
ومن طريقة السلف أيضًا: أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه ويبينه.
قال ابن القيم بعد أن ذكر أن من طريقة المخالفين للسلف: أنهم يتمسكون بالمتشابه في رد المحكم: "وأما طريقة الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، كالشافعي والإمام أحمد (^٥)،
_________________
(١) = أبو محمد، وقيل: أبو القاسم، صاحب التفسير، كان من أوعية العلم، حدث عن ابن عباس وابن عمر وأنس وطائفة من الصحابة -﵃-، وليس بالمجوِّد لحديثه، وهو صدوق في نفسه، وثقه الإمام أحمد وغيره، وكان يؤدب الأطفال، ورد أنه كان فقيه مكتبٍ عظيم فيه ثلاثة آلاف صبي، وكان يركب حمارًا ويدور عليهم إذا عيي، توفي ﵀ سنة (١٠٢ هـ). [انظر: السير (٤/ ٥٩٨)، والعبر (١/ ٩٤)، وشذرات الذهب (١/ ١٢٤)، والأعلام (٣/ ٢١٥)].
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٨٦).
(٣) جامع البيان (١/ ٥٦٨).
(٤) جامع البيان (٣/ ١٨٦).
(٥) التدمرية (٩٦).
(٦) هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي، إمام المحدثين وناصر الدين، والمناضل عن السنة، والصابر في المحنة، قدمت أمه بغداد وهي حامل به فولدته، ونشأ بها، وطلب العلم وسمع من شيوخها، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة فكتب عن =
[ ٦٥ ]
ومالك (^١) وأبي حنيفة (^٢)، وأبي يوسف (^٣) والبخاري وإسحاق (^٤) فعكس هذه
_________________
(١) = علمائها، كان إمامًا في الحديث وضروبه، إمامًا في الفقه ودقائقه، إمامًا في السنة وطرائقها، إمامًا في الورع وغوامضه، إمامًا في الزهد وحقائقه، قاله الذهبي، توفي ﵀ سنة (٢٤١ هـ) له مؤلفات منها: السنة، والرد على الجهمية. [انظر: تاريخ بغداد (٥/ ١٧٨)، ووفيات الأعيان (١/ ٨٧)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٤٣١)، والعبر (١/ ٣٤٢)، وتقريب التهذيب (١/ ٤٤)].
(٢) هو شيخ الإسلام وإمام دار الهجرة وحجة الأمة أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث، طلب العلم وهو حدث فأخذ عن نافع وسعيد المقبري وابن المنكدر والزهري وغيرهم كثير، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة وله إحدى وعشرون سنة، وقصده طلبة العلم من الآفاق وازدحموا عليه في خلافة الرشيد وإلى أن مات سنة (١٧٩ هـ)، وله مؤلفات ورسائل من أهمها: كتاب الموطأ. [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ٣)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٧)، والسير (٨/ ٤٨)، وشذرات الذهب (١/ ٢٨٨)].
(٣) هو النعمان بن ثابت بن زوطا التيمي مولاهم الكوفي، إمام أصحاب أهل الرأي، وفقيه أهل العراق، أحد الأئمة الأربعة المشهورين، كان إمامًا ورعًا عالمًا عاملًا متعبدًا كبير الشأن، لا يقبل جوائز السلطان، بل يتَّجر ويتكسب، أُريد على القضاء فأبى فضُرب لذلك، توفي ﵀ ببغداد مسجونًا -لتمنعه على القضاء- سنة (١٥٠ هـ) على الأصح. [انظر: تاريخ بغداد (١٣/ ٣٢٥)، ووفيات الأعيان (٤/ ٥٧٦)، وتذكرة الحفاظ (١/ ١٦٨)، والعبر (١/ ١٦٤)، وشذرات الذهب (١/ ٢٢٧)].
(٤) هو الإمام المجتهد العلامة المحدث فقيه العراقيين، القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي، صاحب أبي حنيفة، حيث لازمه وتفقه عليه، وهو أنبل تلامذته وأعلمهم، حدث عنه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما، سكن بغداد، وولي القضاء، وهو أول من دُعي بقاضي القضاة في الإسلام، توفي ﵀ سنة ثنتين وثمانين ومائة (١٨٢ هـ). [انظر: تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٥)، ووفيات الأعيان (٥/ ٣٢٤)، والسير (٨/ ٥٣٥)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٢٩٢)، والعبر (١/ ٢١٩)].
(٥) هو إسحاق بن إبراهيم بن مَخلَد بن إبراهيم أبو يعقوب الحنظلي المروزي المعروف بابن راهويه، كان أحد أئمة المسلمين وعَلَمًا من أعلام الدين، اجتمع =
[ ٦٦ ]
الطريق، وهي أنهم يردون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يفسر لهم المتشابه، ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتُوافق النصوص بعضها بعضًا، ويصدق بعضها بعضًا، فإنها كلها من عند الله، وما كان من عند الله فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره" (^١)، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وقال ابن كثير: "فمن رد ما اشتبه إلى الواضح منه، وحكَّم محكمه على متشابهه عنده، فقد اهتدى، ومن عكس انعكس" (^٢).