تقدم بيان أن المتشابه منه ما هو كلي حقيقي، لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو ما استأثر الله بعلمه من حقائق الأشياء وكيفياتها، ومنه ما هو نسبي إضافي، يشتبه على بعض الناس دون بعض، ولأجل هذا فإنه لا يصح إطلاق القول: بأن صفات الله تعالى من المتشابه، بل لا بد من التفصيل في ذلك، فإن صفات الله تعالى لها اعتباران:
الأول: من جهة معناها: وهي بهذا الاعتبار معلومة لنا، وتقدم -قريبًا- بيان أنه لا يوجد شيء من نصوص الشرع لا يعلم معناه أحد من الناس، لأنها حينئذٍ تكون بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، وهذا ما يُنزه عنه كلام الله تعالى وكلام رسوله -ﷺ-.
وعليه فإن نصوص الصفات بهذا الاعتبار ليست من المتشابه الكلي الحقيقي الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وجعلها منه قول باطل، لا يُعرف عن أحد من سلف الأمة ولا من أئمتها المتبوعين.
نعم، قد يكون منها ما قد يشتبه على بعض الناس دون بعض، وهذا من التشابه النسبي الذي سرعان ما يزول بِرَدِّه إلى المحكم، أو إلى أهل العلم الراسخين فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].
_________________
(١) المرجع السابق (١٧/ ٣٩٩ - ٤٠٠)، وانظر: (١٧/ ٣٩٥ - ٤٠٠)، و(١٣/ ٣٠٦).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٧٢ - ٣٧٩)، و(١٣/ ١٤٤، ٢٩٤ - ٣١٣)، والتدمرية (٨٩)، وما بعدها، والصواعق المرسلة (١/ ٢١٣)، ومنهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشنقيطي (٣٢)، ومنهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد (٢/ ٤٨٨).
[ ٦٩ ]
وأما الاعتبار الثاني: فهو من جهة كيفيتها وحقيقة ما هي عليه: فهي بهذا الاعتبار غير معلومة لنا، لأنه مما استأثر الله بعلمه، كما هو الحال بالنسبة لوقت الساعة، وحقيقة ما في البرزخ والجنة والنار، وسائر أمور الغيب.
فصفات الله تعالى من هذا الوجه يصح أن يُقال عنها: إنها من المتشابه، والمراد به: التشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
وعلى هذا، فصفات الله تعالى معلومة لنا من وجه، ومجهولة لنا من وجه آخر، فالمعنى معلوم، والكيف مجهول، يوضح ذلك قوله -ﷺ-، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟) قالوا: نعم، قال: (فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم) (^١).
وقوله -ﷺ-، كما في حديث أبي هريرة أيضًا: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، متفق عليه (^٢).
ومن هنا نعلم خطأ من أطلق القول بأن صفات الله تعالى من المتشابه، ولم يفرق بين المعنى والكيف، كما فعل ابن قدامة (^٣)
_________________
(١) متفق عليه: البخاري (١/ ٢٧٧) ح (٧٧٣)، ومسلم (٣/ ٢١) ح (١٨٢).
(٢) البخاري (٣/ ١١٨٥) ح (٣٠٧٢)، ومسلم (١٧/ ١٧١) ح (٢٨٢٤).
(٣) انظر: روضة الناظر (١/ ١٨٦)، واللمعة وشروحها. وابن قدامة هو: العلامة الفقيه الحنبلي، موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي، كانت أوقاته مستغرقة في العلم والعمل، وكان إليه المنتهى في معرفة المذهب الحنبلي وأصوله، وكان مع تبحره في العلوم صاحب ورع وزهد وهيبة ووقار، وعقيدة صحيحة، توفي رحمه سنة (٦٢٠ هـ) له عدة مصنفات منها المغني والكافي والمقنع وغيرها. [انظر: العبر (٣/ ١٨٠)، وشذرات الذهب (٥/ ٨٨)، والدر المنضد في أسماء كتب مذهب الإمام أحمد لعبد الله بن حميد (٣٢)، ومختصر طبقات الحنابلة لابن شطي (٥٢)].
[ ٧٠ ]
والسيوطي (^١) وغيرهما.
ومثله من جعل نصوص الصفات من المتشابه باعتبار أن إجراءها على ظاهرها اللائق بالله تعالى يقتضي التشبيه والتمثيل، فذهب لأجل هذا إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها المراد منها، كما فعل ابن اللبان (^٢) في كتابه: (إزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات) (^٣).
_________________
(١) انظر: الإتقان في علوم القرآن (١/ ٦٤٩).
(٢) هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد المؤمن الإسعردي ابن اللبان الشافعي، كان عارفًا بالفقه والعربية، أديبًا شاعرًا، لكنه من المغالين في التأويل، المائلين إلى القول: بوحدة الوجود، له كلام في التصوف على طريقة الشاذلية، وله مؤلفات منها: ترتيب الأم للشافعي، وألفية في النحو، وإزالة الشبهات عن الآيات والأحاديث المتشابهات، توفي بمصر بمرض الطاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة (٧٤٩). [انظر: الدرر الكامنة لابن حجر (٣/ ٣٣٠)، وحسن المحاضرة للسيوطي (١/ ٣٥٩)، وشذرات الذهب (٦/ ١٦٣)، وذيل تذكرة الحفاظ (١٢١)، والأعلام (٥/ ٣٢٧)].
(٣) ظاهر هذا الكتاب: تأويل الآيات والأحاديث على منهج الأشاعرة، وفي حقيقته إشارات وتلميحات إلى بعض معتقدات غلاة الصوفية، كالقول بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود، ولهذا قال ابن حجر عن هذا الكتاب، كما في الدرر الكامنه (٣/ ٣٣١): "فيه إشارات أهل الوحدة، وهو في غاية الحلاوة لفظًا، وفي المعنى سم ناقع". وقد طبع أخيرًا بتحقيق الدكتور فريد مصطفى سلمان، وقد خدم الكتاب خدمة طيبة من حيث إخراج النص، وتخريج أحاديثه، وشرح غريبه، كما قدم له بمقدمة مختصرة، بيَّن فيها منهج المؤلف في كتابه، ثم أعقبه ببيان منهج السلف في أسماء الله وصفاته. لكن مما يحسن التنبيه عليه: أن المحقق وفقه الله ترك كثيرًا من تحريفات ابن اللبان دون رد أو تعليق، مكتفيًا بما ذكره في مقدمة الكتاب من عرض مختصر لعقيدة السلف في الأسماء والصفات، حيث يقول ص (٧٩): "منهج السلف في آيات الصفات معروف، وقد بينت هذا المنهج الأساسي في الدراسة ليتم عرض هذه الشبهات على تلك القواعد الأساسية". ولا يخفى ما في هذه الطريقة من حصول اللبس والإيهام، إذ ليس كل من قرأ =
[ ٧١ ]