أما القول الأول: وهو الذي ذهب إليه ابن خزيمة (^٢) وغيره، والذي
_________________
(١) = وهذا الحديث يفيد أن الله تعالى قد يُرى في المنام، لكن ليس على حقيقته التي هو عليها الآن سبحانه وتعالي. قال الدارمي في النقض على المريسي (٢/ ٧٣٨): "وفي المنام يمكن رؤية الله تعالى على كل حال وفي كل صورة". وقد نقل القاضي عياض اتفاق العلماء على جواز رؤية الله في المنام وصحتها. [انظر: إكمال المعلم (٧/ ٢٢٠)، ومسلم بشرح النووي (١٥/ ٣١)، وفتح الباري (١٢/ ٣٨٧)]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد يَرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحًا لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه، ورؤيا المنام لها حكم غير رؤيا الحقيقة في اليقظة، ولها تعبير وتأويل لما فيها من الأمثال المضروبة للحقائق". [مجموع الفتاوى (٣/ ٣٩٠)]. وقال أيضًا: "ورؤية الله تعالى في المنام جائزة بلا نزاع بين أهل الإثبات، وإنما أنكرها طائفة من الجهمية، وكأنهم جعلوا ذلك باطلًا، وإلا فما يمكنهم إنكار وقوع ذلك". [بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٤٣١)، وانظر: (١/ ٧٣ - ٧٤) من نفس الكتاب، طبعة محمد بن قاسم، وإبطال التأويلات لأبي يعلى (١/ ١٢٧)].
(٢) بيان تلبيس الجهمية، القسم السابع (١/ ٤٠٢).
(٣) التركيز على ابن خزيمة ﵀ في هذه المسألة دون غيره ممن قال بقوله، لأنه معدود في أهل السنة، بل هو إمام من أئمتهم، فتأويله لهذا الحديث مستغرب منه، أما أهل الكلام المؤولين لهذا الحديث فغير مستغرب منهم ذلك، لأن التأويل الباطل -لنصوص الصفات- مطيتهم فهم أهله وأربابه. وجدير بالتنبيه هنا: أن ابن خزيمة ﵀ لا ينفي صفة الصورة لله تعالى بل يثبتها، فقد عقد بابًا في كتاب التوحيد (١/ ٤٥) بعنوان: "باب ذكر صورة ربنا جل وعلا"، ثم ذكر تحته ما يتصف به وجه الله تعالى -مما ورد ذكره في النصوص- من =
[ ١٤٢ ]
فيه إعادة الضمير على غير الله تعالى، ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)، قالوا: بإعادة الضمير على المضروب.
وفي حديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ) جعلوا الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇.
فيجاب عنه بجوابين أحدهما مجمل، والآخر مفصل:
أما المجمل فهو أن يقال: هذا تأويل بعيد جدًا عن ظاهر اللفظ، والأصل حمل اللفظ على ظاهره، كما أن في هذا القول موافقة لأهل الكلام المحرفين لنصوص الصفات عن ظاهرها، ولهذا عد الإمام أحمد هذا التأويل من تأويلات الجهمية وأنكره أشد الإنكار، فقال ﵀: "من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي .. ".
ولمَّا قيل له: إن فلانًا يقول في حديث رسول الله -ﷺ-: (إن الله خلق آدم على صورته): على صورة الرجل، قال: "كذب هذا، هذا قول الجهمية .. " (^١).
وعند التأمل نجد أن الشبهة التي أوقعت إمام الأئمة -ابن خزيمة- وغيره في هذا التأويل هي: توهم المشابهة، ولذلك اجتهد في تأويله وصرفه عن ظاهره، فجعل متعلق الضمير في كل حديث غيره في الحديث الآخر.
ففي حديث: (إذا قاتل أحدكم أخاه ) جعل الضمير عائدًا إلى المضروب.
_________________
(١) = السبحات والنور والجلال والإكرام، وعقد قبله (١/ ٢٤) بابًا بعنوان: "باب ذكر إثبات وجه الله"، وساق تحته بعض النصوص الدالة على إثبات هذه الصفة لله تعالى على ما يليق بجلاله، ولكن ابن خزيمة رحمه الله تعالى ينفي -هنا- مماثلة صورة آدم لصورة الله تعالى، وهذا حق، لكن ليس في حمل هذه النصوص على ظاهرها ما يقتضي التمثيل، كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله تعالى.
(٢) انظر: ص (١٢٤) من هذا البحث.
[ ١٤٣ ]
فلما أتى إلى الحديث الآخر ورأى أن هذا التأويل لا يستقيم معه -لأن النبي -ﷺ- قال ابتداءً: (خلق الله آدم على صورته) - جعل الضمير فيه عائدًا إلى آدم ﵇.
ولما أتى إلى حديث ابن عمر -﵄-: (لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن)، ورأى أنه غير قابل للتأويل جعله -على فرض صحته- من باب إضافة الخلق إلى خالقه، كل ذلك فرارًا من التشبيه.
ومما يدل على ذلك قوله -كما تقدم (^١) -: "فصورة آدم ستون ذراعًا، التي أخبر النبي -ﷺ- أن آدم ﵇ خلق عليها، لا على ما توهم بعض من لم يتحر العلم، فظن أن قوله: (على صورته): صورة الرحمن، صفة من صفات ذاته جل وعلا عن أن يوصف بالموتان والأبشار (^٢) قد نزه الله وقدس عن صفات المخلوقين، فقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] " (^٣).
وقوله أيضًا عن هذه الأحاديث: "تأولها بعض من لم يتحر العلم على غير تأويلها، ففتن عَالَمًا من أهل الجهل والغباوة، حملهم الجهل بمعنى: الخبر على القول بالتشبيه، جل وعلا عن أن يكون وجهُ خلقٍ من خلقه مثل وجهه الذي وصفه الله بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه" (^٤).
وقوله تعليقًا على لفظة: (على صورة الرحمن): "قد افتتن بهذه اللفظة التي في خبر عطاء، عالَم ممن لم يتحر العلم، وتوهموا أن إضافة الصورة إلى الرحمن في هذا الخبر من إضافة صفات الذات فغلطوا في هذا غلطًا بينًا، وقالوا مقالة شنيعة، مضاهية لقول المشبهة، أعاذنا الله وكل المسلمين من قولهم" (^٥).
_________________
(١) انظر: ص (١٢٠) من هذا البحث.
(٢) في بعض النسخ: "بالذرعان والأشبار". انظر: ص (١٢٠) من هذا البحث.
(٣) التوحيد (١/ ٩٤).
(٤) التوحيد (١/ ٨١).
(٥) التوحيد (١/ ٨٧).
[ ١٤٤ ]
فهذه النقول عن إمام الأئمة ﵀ تؤكد أنه لجأ إلى تأويل هذا الحديث؛ لتوهمه أن حمله على ظاهره يقتضي التشبيه، فأوله تنزيهًا لله تعالى عن صفات المخلوقين.
وهذه هي الشبهة التي بنى عليها أهل الكلام مذهبهم في أسماء الله تعالى وصفاته.
ولذلك عد أهل العلم هذا التأويل من ابن خزيمة زلَّة لا يجوز أن يتابع عليها، لأن فيه خروجًا عن منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وهو: إجراء نصوص الصفات على ظاهرها دون التعرض لتأويلها، وإثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وما أثبته له رسوله -ﷺ- في سنته من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تمثيل ولا تكييف، على حد قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي (^١) في كتابه الذي سماه (الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزامًا لذوي البدع والفضول) -ذكر فيه الأئمة الاثني عشر المتبوعين في العلم، وهم: الشافعي، ومالك، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرازيان (^٢) -: فأما تأويل من لم يتابعه عليه الأئمة فغير مقبول، وإن صدر
_________________
(١) هو محمد بن عبد الملك بن محمد بن عمر الفقيه الشافعي، شيخ الكُرْج وعالمها ومفتيها، إمام ورع مفتٍ محدث أديب، أفنى عمره في طلب العلم ونشره، له تصانيف في المذهب والتفسير، وله قصيدة مشهورة في السنة، نحو مائتي بيت، شرح فيها عقيدة السلف، توفي سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة (٥٣٢). [انظر: العبر (٢/ ٤٤١)، وشذرات الذهب (٤/ ١٠٠)].
(٢) أبو حاتم الرازي هو: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني، الإمام الحافظ الناقد، كان من بحور العلم، طوَّف البلاد، وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنَّف، وجرح وعدَّل، وصحح وعلَّل، وهو من نظراء =
[ ١٤٥ ]
ذلك التأويل عن إمام معروف غير مجهول نحو ما ينسب إلى أبي بكر محمد بن خزيمة تأويل الحديث: (خلق آدم على صورته)، فإنه يفسر ذلك بذلك التأويل، ولم يتابعه عليه من قبله من أهل الحديث لما روينا عن أحمد رحمه الله تعالى، ولم يتابعه -أيضًا- من بعده
قلت (^١): وقد ذكر الحافظ أبو موسى المديني (^٢) فيما جمعه من مناقب الإمام الملقب بقوام السنة أبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي صاحب كتاب: (الترغيب والترهيب)، قال: سمعته يقول: أخطأ محمد بن خزيمة في حديث الصورة، ولا يطعن عليه بذلك، بل لا يؤخذ عنه هذا فحسب.
قال أبو موسى: أشار بذلك إلى أنه قلَّ من إمام إلا وله زلة، فإذا ترك ذلك الإمام لأجل زلته، ترك كثير من الأئمة، وهذا لا ينبغي أن يفعل" (^٣).
وقال الذهبي في ترجمة الإمام ابن خزيمة: "وكتابه في (التوحيد) مجلد كبير، وقد تأوَّل في ذلك حديث الصورة، فليعذر من تأوَّل بعض الصفات، وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفوا، وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده -مع صحة
_________________
(١) = البخاري، ومن طبقته، توفي ﵀ سنة سبع وسبعين ومائتين (٢٧٧). [انظر: تاريخ بغداد (٢/ ٧٠)، والسير (١٣/ ٢٤٧)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ٥٦٧)، وشذرات الذهب (٢/ ١٧١)].
(٢) القائل: شيخ الإسلام ابن تيمية.
(٣) هو الحافظ الكبير محمد بن أبي بكر عمر بن أحمد الأصبهاني المديني، كان إمام عصره في الحفظ والمعرفة بالحديث وعلومه، وكان مع ذلك صاحب ورع وعبادة وتقى، له مصنفات عديدة منها: معرفة الصحابة، والمجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث، توفي ﵀ سنة إحدى وثمانين وخمسمائة (٥٨١). [انظر: وفيات الأعيان (٤/ ١٠٩)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٣٤)، والعبر (٣/ ٨٤)، وشذرات الذهب (٤/ ٢٧٣)].
(٤) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤١٩، ٤٢٤ - ٤٣٠)، وانظر: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٨).
[ ١٤٦ ]
إيمانه وتوخيه لاتباع الحق -أهدرناه وبدعناه، لقلَّ من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه" (^١).
ثم إن هذا الحديث ليس في حمله على ظاهره ما يقتضي التشبيه، بل نحن نثبته ونجريه على ظاهره مع نفي التشبيه.
قال قوام السنة إسماعيل التيمي: "فصل في الرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الله ﷿، وسموا أهل السنة مشبهة، وليس قول أهل السنة: إن لله وجهًا ويدين وسائر ما أخبر الله تعالى به عن نفسه موجبًا تشبيهه بخلقه، وليس روايتهم حديث النبي -ﷺ-: (خلق الله آدم على صورته) بموجبه (^٢) نسبة التشبيه إليهم، بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله -ﷺ- فهو حق، قول الله حق، وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول، ورسوله -ﷺ- أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم، وحسبنا الله ونعم الوكيل" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فإن قيل: قوله -ﷺ-: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا )، هذا الحديث إذا حمل على صورة الله تعالى كان ظاهره: أن الله طوله ستون ذراعًا، والله تعالى -كما قال ابن خزيمة- جل أن يوصف بالذرعان والأشبار
قيل: ليس هذا ظاهر الحديث، ومن زعم أن هذا ظاهره، أو حمله عليه فهو مفتر كذاب ملحد، فإن فساد هذا معلوم بالضرورة من العقل والدين كما تقدم، ومعلوم أيضًا عدم ظهوره من الحديث، فإن الضمير في قوله: (طوله) عائد إلى آدم الذي قيل فيه: (خلق آدم على صورته)، ثم قال: (طول آدم ستون ذراعًا، فلما خلقه قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧٤ - ٣٧٦).
(٢) هكذا جاءت في الكتاب ولعل الصواب (بموجبة)، والله أعلم.
(٣) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣١٠).
[ ١٤٧ ]
فهذه الضمائر كلها عائدة إلى آدم، وهذا منها أيضًا، فلفظ الطول وقدره ليس داخلًا في مسمى الصورة، حتى يقال إذا قيل: (خلق الله آدم على صورته) وجب أن يكون على قدره وطوله" (^١).
إذا تبين هذا وهو: وجوب حمل النص على ظاهره، وأن ظاهره لا يقتضي التشبيه، فما معنى كون آدم خلق على صورة الله تعالى؟
الجواب عن هذا أن يقال: الواجب إذا جاءت الآية من كتاب الله تعالى أو صح الحديث عن رسول الله -ﷺ-: الإيمان والتصديق بهما، واعتقاد ما جاء فيهما، والتسليم والانقياد لهما، ولا يجوز السؤال عن كيفية ما جاء فيهما من الصفات، فإن الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات، ولم يخبرنا عن كيفية هذه الصفات، فنَكِلُ علمها إلى الله تعالى، مع اعتقادنا أنها لا تماثل صفات المخلوقين، فالله تعالى كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.
وقد عقد الإمام ابن بطة (^٢) بابًا بعنوان: "الإيمان بأن الله ﷿ خلق آدم على صورته بلا كيف".
ثم قال: "كل ما جاء من هذه الأحاديث، وصحت عن رسول الله -ﷺ- ففرض على المسلمين قبولها، والتصديق بها، والتسليم لها، وترك الاعتراض عليها، وواجب على من قبلها وصدَّق بها أن لا يضرب لها المقاييس، ولا يتحمل لها المعاني والتفاسير، ولكن تمر على ما جاءت ولا
_________________
(١) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٥٣٤ - ٥٣٧) باختصار وتصرف يسير.
(٢) هو الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان العكبري الفقيه الحنبلي شيخ العراق، كان عبدًا صالحًا زاهدًا، سمع من خلائق لا يحصون، وكان صاحب حديث ولكنه ضعيف من قبل حفظه، توفي ﵀ سنة (٣٨٧ هـ)، وله مصنف كبير في السنة سماه: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية. [انظر: تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧٠)، والسير (١٦/ ٥٢٩)، والعبر (٢/ ١٧١)، وشذرات الذهب (٣/ ١٢٢)].
[ ١٤٨ ]
يقال فيها: لِمَ؟ ولا كيف؟ إيمانًا وتصديقًا، ونقف من لفظها وروايتها حيث وقف أئمتنا وشيوخنا، وننتهي منها حيث انتهى بنا، كما قال المصطفى نبينا -ﷺ-، بلا معارضة ولا تكذيب ولا تنقير ولا تفتيش، والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل، فإن الذين نقلوها إلينا هم الذين نقلوا إلينا القرآن وأصل الشريعة، فالطعن عليهم والرد لما نقلوه من هذه الأحاديث، طعن في الدين ورد لشريعة المسلمين، ومن فعل ذلك فالله حسبه والمنتقم منه بما هو أهله" (^١)، ثم ساق ﵀ عددًا من طرق هذا الحديث.
وقال الكرجي بعد ما ساق عددًا من أحاديث الصفات، والتي منها: (خلق الله آدم على صورته): " .. إلى غيرها من الأحاديث، هالتنا أو لم تهلنا، بلغتنا أو لم تبلغنا، اعتقادنا فيها وفي الآي الواردة في الصفات: أن نقبلها ولا نحرفها ولا نكيفها ولا نعطلها ولا نتأولها، وعلى العقول لا نحملها، وبصفات الخلق لا نشبهها، ولا نعمل فكرنا ورأينا فيها، ولا نزيد عليها ولا ننقص منها، بل نؤمن بها ونَكِلُ علمها إلى عالمها، كما فعل ذلك السلف الصالح، وهم القدوة لنا في كل علم" (^٢).
وقال الذهبي ﵀: "أما معنى حديث الصورة فنرد علمه إلى الله ورسوله، ونسكت كما سكت السلف مع الجزم بأن الله ليس كمثله شيء" (^٣).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى الحديث هو: بيان أن آدم ﵇ خلق ذا وجه متصفًا بصفة السمع والبصر والكلام، كما أن الله تعالى كذلك، فهو مخلوق على صورة الله من هذه الحيثية، ولا يلزم من ذلك المماثلة.
قال ابن القيم ﵀: "وقوله: (خلق آدم على صورة الرحمن) لم يرد
_________________
(١) الإبانة (المختار ٢٤٤)، وانظر: الشريعة للآجري (٣/ ١١٥٣).
(٢) نقل ذلك عنه: ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ١٨٥).
(٣) ميزان الاعتدال (٤/ ٩٦).
[ ١٤٩ ]
به تشبيه الرب وتمثيله بالمخلوق، وإنما أراد به تحقيق الوجه، وإثبات السمع والبصر والكلام، صفة ومحلًا والله أعلم" (^١).
وقال الشيخ ابن باز ﵀: "والمعنى والله أعلم: أنه خلق آدم على صورته ذا وجه وسمع وبصر، يسمع ويتكلم ويبصر ويفعل ما يشاء، ولا يلزم أن يكون الوجه كالوجه، والسمع كالسمع، والبصر كالبصر وهكذا لا يلزم أن تكون الصورة كالصورة" (^٢).
ومما ينبغي التأكيد عليه والتنبيه إليه -هنا- أن كون الشيء على صورة الشيء: لا يلزم منه المماثلة بينهما من كل وجه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من المعلوم أن الشيئين المخلوقين قد يكون أحدهما على صورة الآخر مع التفاوت العظيم في جنس ذواتهما وقدر ذواتهما، وقد تظهر السموات والقمر في صورة ماء أو مرآة في غاية الصغر، ويقال: هذه صورتها، مع العلم بأن حقيقة السموات والأرض أعظم من ذلك بما لا نسبة لأحدهما إلى الآخر" (^٣).
وقال الشيخ محمد العثيمين ﵀: "الذي قال: (إن الله خلق آدم على صورته) رسول الذي قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، والرسول لا يمكن أن ينطق بما يكذب المرسِل.
والذي قال: (خلق آدم على صورته) هو الذي قال: (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر) متفق عليه (^٤). فهل أنت تعتقد أن هؤلاء الذين يدخلون الجنة على صورة القمر من كل وجه؟ !
فإن قلت بالأول: فمقتضاه أنهم دخلوا وليس لهم أعين وليس لهم آناف وليس لهم أفواه، وإن شئنا قلنا: دخلوا وهم أحجار!
_________________
(١) مختصر الصواعق (٢/ ٥١٥).
(٢) مجموع فتاوى ومقالات متنوعة له، جمع د/ محمد الشويعر (٦/ ٣٥٣ - ٣٥٤).
(٣) بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٥٣٧ - ٥٣٨).
(٤) من حديث أبي هريرة: البخاري (٣/ ١١٨٧) ح (٣٠٨١)، ومسلم (١٧/ ١٧٨) ح (٢٨٣٤).
[ ١٥٠ ]
وإن قلت بالثاني: زال الإشكال وتبين أنه لا يلزم من كون الشيء على صورة الشيء أن يكون مماثلًا له من كل وجه" (^١).
وأما الجواب المفصل، فهو في الرد على كل تأويل على حِدَةٍ كما يلي:
أما التأويل الأول: وهو القول بإعادة الضمير على المضروب، والاستدلال له:
١ - بأن النبي -ﷺ- علل النهي عن ضرب الوجه بقوله: (فإن الله خلق آدم على صورته).
٢ - وكذا استدلالهم بحديث: " (إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإن الله ﷿ خلق آدم على صورته).
فهو باطل من عدة وجوه:
أحدها: أن في الصحيحين ابتداءً: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا)، وفي أحاديث أخر: (إن الله خلق آدم على صورته)، ولم يتقدم ذكر أحد يعود الضمير إليه (^٢)، وما ذكر بعضهم (^٣) من أن النبي -ﷺ-
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٠٨ - ١٠٩).
(٢) وهذا ظاهر في هذه الأحاديث، وأما ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣) - من أن حديث: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته)، وحديث: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك، ووجهًا أشبه وجهك، فإن الله خلق آدم على صورته): ليس فيها ذكر أحد يصلح عود الضمير إليه، لأنه لم يتقدم فيها ذكر مضروب، فإنه يشكل عليه، أن الحديث الأول جاء بلفظ -كما عند مسلم-: (إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه ) فقوله: (أخاه) يصلح عود الضمير إليه. وكذلك الحديث الثاني جاء بلفظ -كما عند ابن خزيمة في التوحيد (١/ ٨٢) -: (لا يقولن أحدكم لأحد: قبح الله وجهك ) فقوله: (لأحد) يصلح عود الضمير إليه. وقد بنى شيخ الإسلام ﵀ على قوله هذا ثلاثة أوجه في الرد على هذا التأويل، أعرضت عنها لهذا السبب، وفي بقية الأوجه ما يكفي ويشفي، والله أعلم.
(٣) كابن فورك في مشكل الحديث (٤٦).
[ ١٥١ ]
رأى رجلًا يضرب رجلًا ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك، فقال: (خلق الله آدم على صورته) أي: على صورة هذا المضروب، فهذا شيء لا أصل له، ولا يعرف في شيء من كتب الحديث (^١).
الوجه الثاني: أن ذرية آدم خُلِقُوا على صورة آدم، لم يُخْلَق آدم على صورهم، فالثاني المتأخر في الوجود خُلِقَ على صورة الأول المتقدم وجوده، وهذا ظاهر، ولا يجوز أن يقال: خُلِقَ الأول على صورة الثاني المتأخر في الوجود كما هو مقتضى هذا التأويل فإنه إذا قيل: خُلِقَ الولد على صورة أبيه أو على خَلْقِ أبيه، كان كلامًا سديدًا، وإذا قيل: خُلِقَ الوالد على صورة ولده أو على خَلْقِه كان كلامًا فاسدًا، بخلاف ما إذا ذكر التشبيه بغير لفظ الخلق وما يقوم مقامه، مثل أن يقال: الوالد يشبه ولده، فإن هذا سائغ لأن قوله: خلق، إخبار عن تكوينه وإبداعه على مثال غيره، ومن الممتنع أن الأول يكون على مثال من لم يكن بعد، وإنما يكون على مثال من قد كان.
الوجه الثالث: أن يقال: هب أن هذه العلة تصلح لقوله: (لا يقولن أحدكم: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك)، فكيف تصلح لقوله: (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه؟) فمعلوم أن كون صورته تشبه صورة آدم لا توجب سقوط العقوبة عنه، فإن الإنسان لو كان يشبه نبيًا من الأنبياء أعظم من مشابهة الذرية لأبيهم في مطلق الصورة والوجه، ثم وجبت على ذلك الشبيه بالنبي عقوبة، لم تسقط عقوبته لهذا الشبه باتفاق المسلمين، فكيف يجوز تعليل تحريم العقوبة بمجرد المشابهة المطلقة لآدم؟ .
الوجه الرابع: أن في ذرية آدم من هو أفضل من آدم، وتناول اللفظ لجميعهم واحد، فلو كان المقصود بالخطاب ليس ما يختص به آدم من ابتداء خلقه على صورة، بل المقصود مجرد مشابهة المضروب والمشتوم له،
_________________
(١) انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (٢٠٥).
[ ١٥٢ ]
لكان ذكر سائر الأنبياء والمرسلين بالعموم هو الوجه، وكان تخصيص غير آدم بالذكر أولى، كإبراهيم وموسى وعيسى -وإن كان آدم أباهم- فليس هذا المقام مقامًا له به اختصاص على زعم هؤلاء (^١).
الوجه الخامس: وهو قاطع أيضًا أن يقال: كون الوجه يشبه وجه آدم، مثل كون سائر الأعضاء تشبه أعضاء آدم، فإن رأس الإنسان يشبه رأس آدم، ويده تشبه يده، ورجله تشبه رجله، وبطنه وظهره وفخذه وساقه يشبه بطن آدم وظهره وفخذه وساقه، فليس للوجه بمشابهة آدم اختصاص، بل جميع أعضاء البدن بمنزلته في ذلك، فلو صح أن يكون هذا علة لمنع الضرب، لوجب أن لا يجوز ضرب شيء من أعضاء بني آدم؛ لأن ذلك جميعه على صورة أبيهم آدم، وفي إجماع المسلمين على وجوب ضرب هذه الأعضاء في الجهاد للكفار والمنافقين وإقامة الحدود، مع كونها مشابهة لأعضاء آدم وسائر النبيين دليل على أنه لا يجوز المنع من ضرب الوجه ولا غيره لأجل هذه المشابهة.
الوجه السادس: أنه لو كان علة النهي عن شتم الوجه وتقبيحه أنه يشبه وجه آدم، لَنُهِيَ -أيضًا- عن الشتم والتقبيح لسائر الأعضاء، فيقال مثلًا: لا يقولنَّ أحدكم: قطع الله يدك، ويد من أشبه يدك
الوجه السابع: أنه قد روي من غير وجه (على صورة الرحمن) (^٢)، وهذا نص صريح في عود الضمير على الله تعالى، وإبطال عوده على المضروب.
- وأما دليلهم الثالث وهو: أن حمل اللفظ على ظاهره يقتضي التشبيه، فقد تقدمت الإجابة عنه بما يغني عن إعادته.
وأما التأويل الثاني: وهو القول: بإعادة الضمير إلى آدم ﵇،
_________________
(١) انظر: إبطال التأويلات (١/ ٨٥).
(٢) انظر في هذه الوجوه: بيان تلبيس الجهمية، القسم السادس (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٩).
[ ١٥٣ ]
والاستدلال له بحديث: (خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعًا ). فقد رده ابن قتيبة ﵀ فقال: "قال قوم من أصحاب الكلام: أراد خلق آدم على صورة آدم، لم يزد على ذلك.
ولو كان المراد هذا، ما كان في الكلام فائدة، ومن يشك في أن الله تعالى خلق الإنسان على صورته، والسباع على صورها، والأنعام على صورها؟ !
وقال قوم: إن الله تعالى خلق آدم على صورة عنده، وهذا لا يجوز؛ لأن الله ﷿ لا يخلق شيئًا من خلقه على مثال" (^١).
كما رده شيخ الإسلام ابن تيمية من عدة وجوه، فقال ﵀: "وأما قول من قال: الضمير عائد إلى آدم كما ذُكر ذلك للإمام أحمد عن بعض محدثي البصرة ويذكر ذلك عن أبي ثور، فهو كما قال الإمام أحمد: هذا تأويل الجهمية، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه (^٢).
وقد زعم المؤسس (^٣) أنه أولى الوجوه الثلاثة، وليس كما ذكره، بل هو أفسد الوجوه الثلاثة، ولهذا لم يعدل إليه ابن خزيمة إلا عند الضرورة لرواية من روى (على صورة الرحمن)، ولقوله ابتداءً: (إن الله خلق آدم على صورته)، فأما حيث ظن أن التأويل الأول ممكن فلم يقل هذا.