١ - أن الصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، فالحلم في صفات الرب تعالى أوسع من الصبر.
_________________
(١) المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي (٧/ ٢١).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٢/ ١٢٢) مادة (صبر)، ومشكل الحديث لابن فورك (٥٠٩)، وشرح النووي على مسلم (١٧/ ١٥٢).
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى (٦٥)، وانظر: النهاية في غريب الحديث (٣/ ٧)، وإيثار الحق لابن الوزير (١٧٥)، وفتح الباري (١٣/ ٣٦١).
(٤) عدة الصابرين (٤٢٥).
[ ٢٤٨ ]
٢ - أن الحلم صفة ذاتية لله تعالى لا تزول، وأما صبره تعالى فمتعلق بكفر العباد وشركهم وأنواع معاصيهم، فإذا زال متعلقه كان كسائر الأفعال التي توجد لحكمة وتزول بزوالها (^١).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وإذا أردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه، والفرق بينهما، فتأمل قوله تعالي: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
ففي الآية إشعار بأن السماوات والأرض تهم وتستأذن بالزوال، لعظم ما يأتي به العباد، فيمسكهما بحلمه ومغفرته، وذلك حبس عقوبته عنهم، وهو حقيقة صبره تعالى.
فالذي صدر عنه الإمساك هو صفة الحلم، والإمساك هو الصبر، وهو حبس العقوبة، ففرق بين حبس العقوبة، وبين ما صدر عنه حبسها، فتأمله" (^٢).
وأما أذية الله تعالى الواردة في الحديث، فقد جاء تفسيرها في آخره، وذلك بنسبة الولد له سبحانه، مع أنه الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه عظم هذا القول وشناعته فقال: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩١]
ومثل هذا الحديث ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) (^٣).
وجاء في البخاري من حديث ابن عباس -﵄-، أن النبي -ﷺ- قال: (قال الله: كذَّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي
_________________
(١) انظر: عدة الصابرين (٤٢٠ - ٤٢١).
(٢) عدة الصابرين (٤٢٢).
(٣) متفق عليه: البخاري (٤/ ١٨٢٥) ح (٤٥٤٩)، ومسلم (١٥/ ٥ - ٦) ح (٢٢٤٦).
[ ٢٤٩ ]
ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبةً أو ولدًا) (^١).
ولا يلزم من وقوع الأذية حصول الضرر، فالله تعالى يؤذيه ما يقال فيه من قبيح الكلام، وما يقابل به من سيء الأفعال، لكنه لا يتضرر بذلك، ولذا أثبت الله تعالى الأذى في كتابه، ونفى الضرر فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقال: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٦].
وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر -﵁-، عن النبي -ﷺ-، فيما روى عن الله ﵎، أنه قال: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) (^٢).
قال ابن تيمية تعليقًا على الآية السابقة: "فبيَّن سبحانه أن الخلق لا يضرونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور" (^٣).
ومما يحسن التنبيه عليه أن حصول الأذية له سبحانه، إنما يقع بمشيئته وإرادته، حسب ما تقتضيه حكمته، فلا يقع في ملكه إلا ما يشاء، لا مُكْرِه له سبحانه.
قال ابن تيمية: "وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذي مكنهم، وصبر على أذاهم بحكمته، فلم يفتقر إلى غيره، ولم يخرج شيء عن مشيئته، ولم يفعل أحد ما لا يريد" (^٤).
_________________
(١) صحيح البخاري (٤/ ١٦٢٩) ح (٤٢١٢).
(٢) مسلم (١٦/ ٣٦٨) ح (٢٥٧٧).
(٣) نقلًا عن تيسير العزيز الحميد (٦٠٧)، وانظر: القول المفيد للعثيمين (٢/ ٢٥٣، ٣٥٦).
(٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٣٦٠ - ٣٦١).
[ ٢٥٠ ]