يعتبر هذا الكتاب أوسع ما كتب في هذا المجال، وقد أوضح الطحاوي رحمه الله تعالى مقصوده من تأليف هذا الكتاب فقال: "إني نظرت في الآثار المروية عنه -ﷺ- بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوو التثبت فيها،
_________________
(١) = سنة (٦٤٣ هـ) له مصنفات من أشهرها: علوم الحديث، وصيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط. [انظر: وفيات الأعيان (٣/ ٢١٢)، والسير (٢٣/ ١٤٠)، والعبر (٣/ ٢٤٦)، وتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٠)].
(٢) مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث (١٧٣)، وانظر: الرسالة المستطرفة للكتاني (١٢٣).
(٣) التقريب للنووي مطبوع مع شرحه تدريب الراوي (٢/ ١٨١).
(٤) هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير البصري ثم الدمشقي، الحافظ الكبير والفقيه الشافعي، كان كثير الاستحضار قليل النسيان جيد الفهم كثير التصنيف، صحب ابن تيمية فاستفاد منه وأكثر عنه، توفي ﵀ سنة (٧٧٤ هـ) له مؤلفات كثيرة منها: تفسير القرآن العظيم، والبداية والنهاية. [انظر: شذرات الذهب (٦/ ٢٣١)، والبدر الطالع (١/ ١٥٣)، والأعلام (١/ ١٥٣)].
(٥) اختصار علوم الحديث مطبوع مع شرحه الباعث الحثيث لأحمد شاكر (١٦٩).
(٦) هذا هو العنوان المشهور للكتاب، وهو الذي عليه الطبعة القديمة -الناقصة- وقد ذُكر للكتاب عدة أسماء متقاربة، وطبع أخيرًا كاملًا -ولأول مرة- بتحقيق شعيب الأرنؤوط، بعنوان: شرح مشكل الآثار، ويقع في ستة عشر مجلدًا.
[ ٣٦ ]
والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فوجدت فيها أشياء مما سقطت معرفتها والعلم بما فيها عن أكثر الناس، فمال قلبي إلى تأملها، وتبيان ما قدرت عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها، وأن أجعل ذلك أبوابًا أذكر في كل باب منها ما يهب الله ﷿ لي من ذلك فيها، حتى أبين ما قدرت عليه منها كذلك، ملتمسًا ثواب الله ﷿ عليه، والله أسأل التوفيق لذلك والمعونة عليه، فإنه جواد كريم وهو حسبي ونعم الوكيل" (^١).
من كلام الطحاوي هذا يظهر لنا أنه قصد في تأليفه هذا الكتاب أمورًا ثلاثة:
أحدها: بيان ما قدر عليه من مشكلها.
وثانيها: استخراج الأحكام التي فيها.
وثالثها: نفي الإحالات عنها.
وقد جاء كتابه -كما وعد- مستوفيًا لهذه الأمور الثلاثة، كما جاء كتابه متميزًا بالشمول والتنوع، فلم تقتصر مسائله على موضوع أو فنٍّ معين، بل شملت مواضيع وفنونًا متعددة: في العقائد والآداب، وفي الفقه والفرائض، وفي أسباب النزول والقراءات، وغيرها (^٢). وقد قسم كتابه إلى أبواب، وجعل لكل باب عنوانًا يدل على الإشكال الذي يريد الكلام عليه، وكثيرًا ما يُصَدِّرُ العنوان بقوله: "باب بيان مشكل ما روي عن النبي -ﷺ- " فيذكر الحديث.
وامتاز كتابه أيضًا باتصال أكثر أحاديثه التي يوردها، فهو يذكرها بسنده إلى رسول الله -ﷺ-، ممَّا يسهل الوقوف على الرواية ودرجة صحتها والحكم عليها.
_________________
(١) مشكل الآثار للطحاوي (١/ ٣).
(٢) انظر: مختلف الحديث لأسامة الخياط (٤١٣).
[ ٣٧ ]
وقد يتبع الرواية ببيان ما فيها من انقطاع، أو ضعف راوٍ، أو اشتباه في نسب، أو غير ذلك إن وجد.
ولكن مما يلاحظ على هذا الكتاب عدم الترتيب والتنظيم ممَّا يعسر معه الحصول على المطلوب، فتجد أبواب الموضوع الواحد متشتتة ومتفرقة من أول الكتاب إلى آخره، فإذا أردت البحث عن مسألة معينة لم تجد بُدًّا من استعراض جميع أبواب الكتاب.
ولذلك قال أبو المحاسن يوسف بن موسى الحنفي (^١): "وكان تطويل كتابه -بكثرة تطريقه الأحاديث وتدقيق الكلام فيه حرصًا على التناهي في البيان- على غير ترتيب ونظام، لم يتوخ فيه ضم باب إلى شكله ولا إلحاق نوع بجنسه، فتجد أحاديث الوضوء فيه متفرقة من أول الديوان إلى آخره، وكذلك أحاديث الصلاة والصيام وسائر الشرائع والأحكام، تكاد أن لا تجد فيه حديثين متصلين من نوع واحد، فصارت بذلك فوائده ولطائفه منتشرة متشتتة فيه، يعسر استخراجها منه، إن أراد طالب أن يقف على معنى بعينه لم يجد ما يستدل به على موضعه إلا بعد تصفح جميع الكتاب، وإن ذهب ذاهب إلى تحصيل بعض أنواعه افتقر في ذلك إلى تحفظ جميع الأبواب" (^٢).
وقال السخاوي رحمه الله تعالى: "وهو من أجلِّ كتبه -يعني
_________________
(١) هو القاضي يوسف بن موسى بن محمد بن أحمد الملطي ثم الحلبي، ولد ونشأ بملطية (في شمال سوريا)، واستقر بحلب، وولي قضاء الحنفية بمصر في أواخر أعوامه ولم تحمد سيرته فيه، وقد انتقده العلماء على بعض أقواله وفتاويه، توفي ﵀ سنة (٨٠٣ هـ)، وله مؤلفات منها: المعتصر من المختصر من مشكل الآثار. [انظر: شذرات الذهب (٧/ ٤٠)، والأعلام (٨/ ٢٥٤)].
(٢) المعتصر من المختصر من مشكل الآثار (١/ ٣).
[ ٣٨ ]
الطحاوي- ولكنه قابل للاختصار غير مستغن عن الترتيب والتهذيب (^١) " (^٢).