(٢٢) وَلِمُسْلِمٍ١، عن أَنَسٍ. قال رسولُ الله – ﷺ -: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ٢ كَهَاتِيْنِ". وَضَمَّ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى.
(٢٣) ولِلْبُخَارِيِّ٣، عن أبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رسولَ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج١٨،كتاب الفتن، باب قرب السّاعة ص ٨٩. ٢ "بعثت أنا والسّاعة كهاتين" وضمّ بين السِّبابة والوسطى. وفي رواية وقرن بينهما. قال قتادة: كفضل إحداهما على الأخرى. روى بنصب السّاعة ورفعها. وأما معناه: فقيل: المراد بينهما شيء يسير، كما بين الأصبعين في الطّول. وقيل: هو إشارة إلى قرب المجاورة. ٣ صحيح البخاري بشرح الفتح ج ١٣ كتاب الفتن – ص ٨١.
[ ٤٣ ]
الله – ﷺ - قال:
"لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانَ، يَكُونُ١ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ. دَعْواهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يَبْعَثُ٢ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِيْنَ، كُلُّهُم يَزْعُمُ، أَنَّهُ رسولُ الله، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرُ الزِّلاَزِلُ٣، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرَجُ – وَهُوَ الْقَتْلُ –، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيْكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، وَحَتَّى يَهُمَّ رَبَّ٤ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وحَتَّى يَعْرِضَهُ
_________________
(١) ١ في الصّحيح "تكون" بالتّاء – وفي الصّحيح: دعوتها بالتّاء بدل الألف. ٢ "وحتّى يبعث دجالون" المراد ببعثهم: إظهارهم – لا البعث بمعنى الرسالة. ٣ "وتكثر الزلازل" قد وقع في كثير من البلاد الشمالية والشرقية والغربية كثير من الزلازل. والذي يظهر أن المراد بكثرتها: شمولها ودوامها. ٤ في صحيح مسلم "حتّى يهم"، بدون الواو – ويهم: ضبطوه بوجهين أجودهما: يُهم بضم الياء وكسر الهاء. ويكون رب المال منصوبًا مفعولًا. والفاعل: من. وتقديره: يحزنه ويهتمّ له. والثّاني: يهم. بفتح الياء وضمّ الهاء. ويكون رب المال مرفوعًا فاعلًا. وتقديره يهم رب المال من يقبل صدقته. انظر النّووي، كتاب الزّكاة ج٧ ص ٩٧. قال أهل اللّغة: يقال: أهمه: إذا أحزنه، وهمه إذا أذابه. ومنه قولهم: همك ما أهمك. أي أذابك الشّيء الذي أحزنك؛ فأذهب شحمك. وعلى الوجه الثّاني: هو من هم به إذا قصده.
[ ٤٤ ]
فَيَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لاَ أَرَبَ لِي فِيهِ١. وَحَتَّى يَتَطَاوَلُ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ. وَحِتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيُقُولَ: يِا لَيْتَنِي مَكَانَهُ. وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا. فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ، آمَنَ النَّاسُ أَجْمَعُون٢. فَذَلِكَ حِيْنَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، [الأنعام، من الآية: ١٥٨]، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلاَنِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا، فَلاَ يَتَبَايَعَانِهِ وَلاَ يَطْوِيَانِهِ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ انْصَرَفَ
_________________
(١) ١ في صحيح البخاري: (لا أرب لي به". ٢ في صحيح البخاري: "آمنوا أجمعون".
[ ٤٥ ]
الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ١، فَلاَ يَطْعَمُهُ. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ٢ حَوْضَهُ فَلاَ يَسْقِي مِنْهُ٣. وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ، فَلاَ يَطْعَمُهَا.
(٢٤) وَلِمُسْلِمٍ٤، عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ:
"لا تقومُ السّاعَةُ حتّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ٥ نِسِاءِ دَوْسٍ
_________________
(١) ١ "بلبن لقحته"اللقحة: بكسر اللام ويكون القاف بعدها مهملة: النّاقة ذات الدر. ٢ "يليط" بفتح أوّله من الثّلاثي. ويضمّ من الرّباعي. والمعنى: يصلحه بالطّين والمدر. فيسد شقوقه ليملأه ويسقي منه دوابه. ٣ في صحيح البخاري (فلا يسقى فيه) . ٤ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ كتاب الفتن وأشراط السّاعة ص ٣٢ باب لا تقوم السّاعة حتّى تعبد دوس ذي الخلصة. وأخرجه البخاري شرح الفتح جـ ١٣ كتاب الفتن – باب تغير الزّمان حتى تعبد الأوثان ص ٧٦. ٥ "أليات نساء": أليات: بفتح الهمزة واللام. أي أعجازهن. والمراد: يضطربن من الطّواف حول ذي الخلصة – والخلصة: بفتح الخاء واللام: هو بيت صنم ببلاد دوس.
[ ٤٦ ]
حول ذيالْخَلَصَةِ "، وكانت صنمًا تَعْبُدُهَا دَوْسٌ في الجاهلية بِتَبَالَة١.
(٢٥) وله ٢، عن عائشة: سمعت رسول الله – ﷺ - يقول:
"لا يَذْهَبُ اللّيلُ والنّهارُ٣ حتّى تُعْبَدَ اللاَتَ وَالْعُزَّى"، فقلت: يا رسول الله: إن كنت لأَظُنُّ حين أنزل الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، [التّوبة: ٣٣، والصّف: ٩] .
أنّ ذلك تامًّا. قال: "إنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذلك مَا شَاءَ الله".
_________________
(١) ١ "بتبالة" بمثناة فوقية مفتوحة ثمّ باء موحدة مخففة. وهي موضع باليمن. وليست تبالة التي يضرب بها المثل. ويقال: أهون على الحجّاج من تبالة؛ لأنّ تلك بالطّائف؟ ٢ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ كتاب الفتن وأشراط السّاعة – باب لا تقوم السّاعة حتّى تعبد دوس ذا الخلصة ص ٣٣. ٣ "لا يذهب اللّيل والنّهار"، أي: لا ينقطع الزّمان ولا تأتي القيامة.
[ ٤٧ ]
ثُمَّ يَبْعَثُ الله رِيْحًا طَيِّبَةً، فَتَوَفَّى١ كُلّ مَنْ كَان فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ٢ مِن خَرْدَلٍ مِن إِيْمَانٍ. فَيَبْقَى مَن لا خيْرَ فيه، فَيَرْجِعُون إلى دين آبائهم.
(٢٦) ولَهما٣، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله – ﷺ - قال:
"لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى تَخْرجَ نَارٌ مِن أرضِ الْحِجَازِ، تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإبْلِ بِبصْرَى" ٤.
(٢٧) وللتِّرمذي٥: عن ابن عمر، قال رسولُ الله
_________________
(١) ١ "فتوفّى": أصله: تتوفى – حذفت إحدى التاءين؟ أي تأخذ الأنفس وافية تامّة. ٢ في صحيح مسلم "مثقال حبّة خردل من إيمان". ٣ صحيح البخاري بشرح ابن حجر جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب خروج النّار ص ٧٨. وصحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٨ – كتاب الفتن وأشراط السّاعة – باب لا تقوم السّاعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ص ٣٠. ٤ "بصرى"، بضمّ الباء: مدينة معروفة بالشّام. وهي مدينة حوران. بينها وبين دمشق نحو ثلاث مراحل. ٥ سنن الترمذي – تحفة الأحوذي جـ ٦ – أبواب الفتن – باب لا تقوم السّاعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز ص ٤٦٣.
[ ٤٨ ]
– ﷺ:
"سَتَخْرُجُ نَارٌ مِن حَضَرمَوْتَ قَبْلَ الْقِيَامةِ"١، قالوا: يا رسولَ الله، فما تَأْمُرُنَا؟ فقال: "عَلَيْكُم بالشَّامِ ".
وقال: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من حديث ابن عمر.
(٢٨) وللتِّرمذي٢، وحسّنه: عن حُذَيْفَةَ. قال رسول الله – ﷺ -:
"والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تقومُ السّاعَةُ حتّى تَقْتُلُوا
_________________
(١) ١ في سنن الترمذي: "ستخرج نار من حضر موت أو من نحو حضر موت قبل يوم القيامة تحشر النّاس". يحتمل أن تكون النّار حقيقة وهو الظّاهر. ويحتمل أن يراد بها الفتنة. "تحشر النّاس"، أي: تجمعهم النار وتسوقهم: على ما في النهاية؟ وأمرهم الرّسول – ﷺ – بأن يلزموا الشّام وفريقها؟ فإنّها سالمة من وصول النّار الحسية أو الحكمية إليها لحفظ ملائكة الرّحمة إيّاها. ٢ سنن الترمذي – تحفة الأحوذي جـ٦ أبواب الفتن – باب ما جاء في الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ص ٣٩١. وأخرجه ابن ماجة – كتاب الفتن جـ ٢ – باب أشراط السّاعة ص ١٣٤٢.
[ ٤٩ ]
ِمَامَكُم، وتَجْتَلِدُوا١ بأسيافِكم، ويَرِثَ دُنْيَاكُم شِرارُكُم"٢.
(٢٩) ولَهُ٣: عن أبي سعيدٍ، قال رسولُ الله – ﷺ -:
"والَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ: لا تقومُ السّاعَةُ حتّى يُكَلِّمَ٤ السِّباعُالإنسَ. وحتّى يُكَلِّمَ الرّجلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ٥،
_________________
(١) ١ "تجتلدوا"، أي: تتقاتلوا وتتضاربوا بها. ٢ "ويرث دنياكم شراركم"، أي: يأخذ الظّلمة الملك والمال. وإيراد هذا الحديث في باب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. إما للإشعار بأن هذه الفتنة تقع من أجل ترك الأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر. أو تنبيهًا على أن من بالمعروف ونَهى عن المنكر فهو من اللّذين وصفهم الله بِخير الأمّة. فالشرار الذين يرثون الدّنيا لا يكونون على هذا الوصف. ٣ سنن الترمذي – تحفة الأحوذي – أبواب الفتن ج ٦ – باب ما جاء في كلام السِّباع ص ٤٠٩. ٤ في سنن الترمذي: "تكلم" بالتّاء في الموضعين. وكذلك "تخبر". والسِّباع: جمع السّبع. وهو بضمِّ الباء وفتحها وسكونها: المفترس من الحيوان وتكلم السِّباع: أي سباع الوحش كالأسد. أو سباع الطّير كالبازي. ولا منع من الجمع. ٥ "عذبة سوطه" العذبة: أي طرفه. على ما في القاموس وغيره.
[ ٥٠ ]
وشِرَاكُ نَعْلِهِ١، وَيُخْبِرُهُ فَخِذُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ".
وقال: صحيحٌ غريبٌ٢، لا نَعْرِفُهُ إلاّ من حديث القاسم بن فَضْلٍ. وهُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونَ.
(٣٠) ولِمُسْلِمٍ٣: عن أبي هريرة، أنّ رسول الله – ﷺ - قال:
"لا تقُومُ السّاعَةُ حتّى يَكْثُرَ الْمَالُ ويَفِيضَ، وحتّى يُخْرِجَ٤ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ، فَلا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُها مِنْهُ، وحتّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وأَنْهَارًا"٥.
_________________
(١) ١ وشراك نعله: أحد سيور النعل: تكون على وجهها. ٢ في الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح. لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، والقاسم بن الفضل ثقة مأمون. ٣ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ٧ – كتاب الزّكاة – باب التّرغيب في الصّدقة قبل ألا يوجد من يقبلها ص ٩٧. ٤ في صحيح مسلم: "حتّى يخرج الرجل بزكاة ماله". ٥ "مروجا"، أي: رياضًا ومزارع. وقال بعضهم: المرج: هو الموضع الذي ترعى فيه الدّواب والمعنى والله أعلم – أنّهم يتركونها، ويعرضون عنها، فتبقى مهملة: لا تزرع ولا تسقى من مياهها. وذلك لقلة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب السّاعة، وقلّة الآمال وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به.
[ ٥١ ]
(٣١) وذكر ابنُ عَبْدِ البرِّ، من حديث ابن مَسْعُودٍ١: عن النَّبِيِّ – ﷺ - قال:
"إنَّ بَيْنَ يَدَي السّاعَةِ: التّسْلِيمُ عَلَى الْخَاصَّةِ٢، فُشُوُّ التِّجَارَةِ: حتّى تُعِيْنَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا عَلَى التِّجَارَةِ. وَقَطعُ الأَرْحَامِ. وَفُشُوُّ الْقَلَمِ٣ وَظُهُورُ شَهَادَةِ الزُّورِ. وَكِتْمَانُ شَهَادَةِ الْحَقِّ".
(٣١) ولابنِ الْمُبَارَكِ٤: عن ابن فضالة، عن الْحَسَنِ. قال رسولُ الله – ﷺ -:
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد جـ ١ ص ٤٠٧. والأدب المفرد للبخاري: توضيح فضل الله الجبلاني جـ ٢ ص ٥٠٥ باب من كره تسليم الخاصّ. ٢ يكره إذا لقي جماعة أن يخصّ بعضهم بالسّلام؛ لأنّ القصد بمشروعية السّلام تحصيل الألفة. وفي التّخصيص إيحاش للغير. نعم: إذا سلم على الجميع مرّة، ثمّ خصّ بعضهم فلا بأس، وفي مشكل الآثار للطّحاوي: من سلم عليه خاصّة يجوز الرّد عليه خاصّة، كما ثبت في حديث المسىء صلاتة، وحديث أبي ذر في إسلاامه. ٣ "فشوّ القلم"، ظهوره وانتشاره. وقد جاء في مسند الإمام أحمد: "ظهور القلم". وفي الأدب المفرد بلفظ: وفشوّ العلم. ٤ لم نجده فيما بين أيدينا من مصادر.
[ ٥٢ ]
"لا تَقُومُ السّاعَةُ حتّى يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَفِيضَ الْمَالُ؛ ويظْهَرَ الْقَلَمُ، وتَكْثُرَ التّجارةُ".
قال الحسن: لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمانٌ، إنّما يقال: تاجرُ بَنِي فُلاَنٍ، وكَاتِبُ بَنِي فُلانٍ. ما يكونُ في الْحَيِّ إلاّ التَّاجِرُ الوَاحِدُ، أَوِ الكاتِبُ الْوَاحِدُ.
(٣٣) وللبخاريّ١، عن مُعَاوِيَةَ٢: سَمِعْتُ رسولَ الله – ﷺ يقول:
"إنَّ مِن أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، ويَظْهَرَ الْجَهْلُ، ويَظْهَرَ الزِّنَا، ويَكْثُرَ٣ النِّساءُ، ويَقِلَّ الرِّجالُ،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري – فتح الباري جـ ١ – كتاب العلم – باب رفع العلم وظهور الجهل – ص ١٧٨ وفي غير موضع من الصّحيح. وفي صحيح مسلم بشرح النّووي جـ ١٦ كتاب العلم – باب رفع العلم وقبضه ص ٢٢١. ٢ في صحيح البخاري: عن أنس – في المواضع المتعدِّدة. ٣ في صحيح البخاري: "وتكثر النساء" بالتاء. وسبب كثرة النِّساء: أن الفتن تكثر، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنّهم أهل الحرب دون النِّساء. قال في الفتح: والظّاهر أنّها علامة محضة، لا لسبب آخر. بل يقدر الله في آخر الزّمان أن يقل من يولد من الذكور، ويكثر من يولد من الأناث، وكون كثرة النساء من العلامات: مناسبة لظهور الجهل ورفع العلم.
[ ٥٣ ]
حتّى تكونَ لِخَمْسِينَ امرأةًالْقَيِّمُ١ الْوَاحِدُ".
(٣٤) ولِمُسلمٍ٢: عن أبي موسى عن النّبيّ – ﷺ -
_________________
(١) ١ "القيم" من يقوم بأمرهن. قال القرطبي في التذكرة: يحتمل أن يراد بالقيم: من يقوم عليهم، سواءكنّ موطوآت له أم لا. ويحتمل: أن يكون ذلك يقع في الزّمان الذي لا يبقى فيه من يقول: الله. الله. فيتزوج الواحد بغير عدد جهلا بالحكم الشّرعي. وكأن هذه الأمور الخمسة خصت بالذكر؛ لكونها مشعرة باختلاف الأمور التي يحصل بحفظها صلاح المعاش والمعاد. وهي الدين؛ لأنّ رفع العلم يخل به. والعقل، لأن شرب الخمر يخل به. والنسب، لأنّ الزنا يخل به. والنّفس والمال؛ لأنّ كثرة الفتن تخل بهما. قال الكرماني: وإنّما كان اختلال هذه الأمور مؤذنًا بخراب العالم؛ لأنّ الخلق لا يتركون هملًا، ولا نبي بعد نبيينا – صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فيتعيّن ذلك. ٢ صحيح مسلم بشرح النّووي – ج٧ – كتاب الزّكاة – باب الترغيب في الصّدقة قبل ألا يجد من يقبلها ص ٩٦.
[ ٥٤ ]
"لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النّاسِ زَمَانٌ، يَطُوفُ الرّجلُ١ بِالصَّدَقَةِ من الذّهبِ٢ ثُمَّ لا يَجِدُ أحَدًا يأخذها منه. وَيُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امرأةً٣، مِن قِلَّةِ الرِّجالِ، وَكَثْرةِ النِّساءِ".
(٣٥) وللبخاريّ٤، عن ابن عمر: سَمِعْتُ رسولَ الله – ﷺ يقول:
_________________
(١) ١ في صحيح مسلم "يطوف الرّجل فيه" بزيادة لفظ: فيه. ٢ هذا يتضمن التنبيه على ما سواه؛ لأنّه إذا كان الذّهب لا يقبله أحد، فكيف الظّنّ بغيره. وقوله ﷺ: "يطوف"، إشارة إلى أنّه يتردّد بها بين الناس، فلا يجد من يقبلها. فتحصل المبالغة والتّنبيه على عدم قبول الصّدقة: بثلاثة أشياء: كونه يعرضها، ويطوف بها، وكونها من ذهب. وفي هذا الحثّ على المبادرة بالصّدقة، واغتنام إمكانها قبل تعذرها. ٣ في صحيح مسلم: بعد هذه الجملة: "يلذن به". ومعنى يلذن به. أي ينتمين إليه؛ ليقوم بحوائجهنّ، ويذب عنهن وهو من لاذ به. يلوذ. لوذًا ولياذا: إذا التجأ إليه واستغاث. ٤ صحيح البخاري بشرح الفتح جـ ١٣ – كتاب الاعتصام بالسّنة – باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس – ص ٢٨٢.
[ ٥٥ ]
"إنَّ الله لا يَنْزَعُ الْعِلْمِ١، أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا. وَلَكِن يَنْتَزِعُهُ مِنْهُم مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِم ٢. ويَبْقَى ناسٌ جُهاَّلٌ: يُسْتَفتُون فَيُفْتُون بِرَأْيِهم، فَيَضِلُّون ويُضِلُّون".
(٣٦) ولأبِي داود٣: عَنْ سَلاَّمَةَ بِنْتِ الْحُرِّ، أُخْتِ خَرْشَةَ بن الْحُرِّ الْفَزَازِيّ، مرفوعًا.
قالت: سَمِعتُ رسولَ الله – ﷺ - يقول:
"إنّ مِن أشراط السّاعِةِ: أن يَتَدَافَعَ أهْلُ الْمَسجِدِ
_________________
(١) ١ في صحيح البخاري: "لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه"، بزيادة لفظ بعد. ٢ "ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم". التقدير: ينتزعه بقبض العلماء مع علمهم. ففيه بعض قلب. وفي رواية: "ولكن يقبض العلماء، فيرفع العلم معهم". وأخرى: "ولكن يقبض العلم بقبض العلماء". ٣ سنن أبي داود – عون المعبود جـ ٢ ص ٢٨٩ كتاب الصّلاة – باب في كراهية التّدافع عن الإمامة.
[ ٥٦ ]
الإِمَامَةَ١ فَلاَ يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِم".
(٣٧) ورَوَى٢ يزيدُ بن هَارُون: أَنَا٣ عبدُ الْمَلِكِ بن قُدَامَةَ عن الْمَقْبُرِيِّ عن أبِي هُرَيْرَةَ عن النَّبِيِّ - ﷺ- قال:
"سَيَأْتِي على النّاسِ زَمَانٌ: سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ٤ يُصَدَّقُ
_________________
(١) ١ في سنن أبي داود: "أن يتدافع أهل المسجد"، بدون ذكر لفظ "الإمامة". ومعنى "يتدافع"، أي: يدرأ كل من أهل المسجد الإمامة عن نفسه. ويقول: لست أهلًا لها؛ لما ترك تعلم ما تصحّ به الإمامة – ذكره الطيبي. أو يدفع بعضهم بعضًا إلى المسجد، أو المحراب؛ ليؤم بالجماعة فيأبى عنها؛ لعدم صلاحيته لها؛ لعدم علمه بها. ٢ سنن ابن ماجه جـ ٢ – كتاب الفتن – باب شدّة الزّمان ص ١٣٣٩ – تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي طـ عيسى الحلبي. ولم تنسبه المخطوطة. ٣ في سنن ابن ماجه: "ثنا عبد الملك بن قدامة الجُمَحِيُّ: عن إسحاق بن أبي الفرات: عن المقبري". وما في المخطوطة: أنا. رمز لأخبرنا – وما في السنن: ثنا رمز لحدثنا. ٤ في سنن ابن ماجه: "سيأتي على النّاس سنوات خداعات"، بدون لفظ "زمان". والخداع: المكر والحيلة. ووصف السّنوات بالخداعات مجاز والمراد: أهل السّنوات. قال في النِّهاية: سنون خداعة. أي: تكثر فيها الأمطار، ويقل الريع فذلك خداعها؛ لأنها تطعمهم في الخصب بالمطر، ثمّ تخلف. وقيل: الخداعة القليلة المطر من خدع الريق إذا جف.
[ ٥٧ ]
فِيهَا الكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصّادِقُ، ويُؤْتَمَنُ فيها الْخَائِنُ، ويُخَوَّنَ فِيهَا الأَمِينُ، ويَنْطِقُ فيهَا الرُّوَيْبِضَةُ"١، قِيلَ: يا رسولَ الله، وما الرُّوَيْبِضَةُ؟ قال: "الرّجلُ التَّافِهُ يَنْطِقُ٢ فِي أَمْرِ العَامّةِ".
(٣٨) وفي حديث٣ جِبْرِيْلَ:
"أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا٤. وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعَرَاةَ
_________________
(١) ١ "الرويبضة"، تصغير رابضة، وهو العاجز الذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، وتاؤه للمبالغة. ٢ في سنن ابن ماجه، قال: "الرّجل التافه في أمر العامّة". بدون لفظ: "ينطبق". ٣ صحيح مسلم بشرح النّووي جـ١ – كتاب الإيمان – باب أمارات السّاعة ص ١٥٨ – من حديث طويل. ٤ "وأن تلد الأمة ربتها"، وفي الرواية الأخرى: "ربها"، على التذكير وفي الأخرى: "بعلها". وقال: يعني: السراري. ومعنى ربها، أو ربتها: سيدها ومالكها، وسيدها ومالكتها. قال الأكثرون من العلماء: - هو إخبار عن كثرة السّراري وأولادهن؛ فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها؛ لأنّ مال الإنسان صائر إلى ولده. وقد يتصرّف فيه في الحال تصرف المالكين، إما بتصريح أبيه له بالإذن، وإما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال. وقيل معناه: أن الإماء يلدن الملوك، فتكون أمة من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته. وقيل معناه: أنّه تفسد أحوال النّاس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزّمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين، حتى يشتريها ابنها ولا يدري. والصّحيح في معنى البعل: أنّه المالك أو السّيد، فيكون بمعنى ربها على ما ذكر. وقيل: المراد بالبعل في الحديث: الزّوج. ومعناه كما تقدم: أنّه يكثر بيع السّراري حتى يتزوج الإنسان أمه وهو لا يدري. والأول أظهر؛ لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى. والله أعلم.
[ ٥٨ ]
الْعَالَةَرِعَاءَ١ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ". رواه مسلم.
_________________
(١) ١ "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان" أما العالة: فهم الفقراء. والعائل: الفقير. والعيلة: الفقر. والرعاء: بكثر الرّاء والمد. ويقال فيهم: رعاة بضم الراء وزيادة الهاء. ومعناه: أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة: تبسط لهم الدّنيا حتى يتباهون في البنيان. والله أعلم. النووي على مسلم.
[ ٥٩ ]
(٣٩) وللتِّرمذي١: عن عليّ قال رسول الله – ﷺ -:
"إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشَرَ٢ خِصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلاَءْ"، قيل: وما هي يا رسولَ الله. قال: إذا كان الْمَغْنَمُ دُوَلًا٣، والأَمَانَةُ مَغْنَمًا٤، والزّكاةُ مَغْرَمًا٥،
_________________
(١) ١ تحفة الأحوذي شرح الترمذي جـ ٦ – أبواب الفتن – باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف ص ٤٥٤. ٢ في سنن الترمذي "خمس عشرة" وهو الصّواب. ٣ "إذا كان المغنم دولًا"، أي: إذا كانت الغنيمة دولًا: بكسر الدال وضمها مع فتح الواو جمع دولة بالضّم والفتح. وهو ما يتداول من المال. فيكون لقوم دون قوم. أي: إذا كان الأغنياء وأصحاب المناصب يستأثرون بحقوق الفقراء. أو يكون المراد منه: أن أموال الفيء تؤخذ غلبة وأثرة صنيع أهل الجاهلية وذوي العدوان. ٤ "والأمانة مغنمًا" أي: بأن يذهب النّاس بودائع بعضهم وأماناتهم، فيتّخذونها كالمغانم يغنمونها. ٥ "والزّكاة مغرمًا"،أي: بأن يشق عليهم أداؤها، بحيث يعدون إخراجها غرامة.
[ ٦٠ ]
وأَطَاعَ الرّجُلُ زَوْجَتَهُ١، وَعَقَّ أُمَّهُ. وَبَرَّ صَدِيقَهُ، وجَفَا أَبَاهُ، وَارْتَفَعْتِ الأَصْواتُ فِي الْمَسَاجَدِ٢، وكان زَعِيمُ الْقَومِ أَرْذَلَهُم٣، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ٤، وشُرِبَتِ الْخُمُورُ٥، وَلُبِسَ الْحَرِيرُ٦، واتُّخِذَتِ الْقَيْنَاتُ،
_________________
(١) ١ "وأطاع الرّجل زوجته"، أي: فيما تأمره وتهواه مخالفًا لأمر الله. "وعقّ أمه"، أي: خالفها فيما تأمره وتنهاه "وبر صديقه"، أي: أحسن إليه وأدناه وحباه "وجفا أباه"، أي: أبعده وأقصاه. وخص عقوق الأم بالذكر، وإن كان عقوق كل واحد من الأبوين معدودًا من الكبائر لتأكد حقّها، أو لكون قوله: "وأقصى أباه"، بمنْزلة: وعق أباه. ٢ "وارتفعت الأصوات في المساجد"، أي: علت أصوات الناس في المساجد، بنو الخصومات والمبايعات واللهو واللعب. ٣ "وكان زعيم القوم أرذلهم"، الزّعيم: الكفيل، وسيد القوم، ورئيسهم، والمتكلم عنهم. وأرذلهم: الدّون الخسيس، أو الرديء من كل شيء. قاموس. ٤ "وأكرم الرجل مخافة شره"، أي: عظم الناس الإنسان خشية من تعدي شره إليهم. ٥ "وشربت الخمور" جمعها لاختلاف أنواعها. أي أكثر الناس من شربها. أو تجاهروا به. ٦ "ولبس الحرير"، أي: لبسه الرجال بلا ضرورة.
[ ٦١ ]
وَالْمَعَازِفُ١، ولَعِنَ آخرُ هَذِهِالأمّةِ أَوَّلَهَا٢، فَلْيَرْتَقِبُوا عَنْدَ ذَلِكَ رِيْحًا حَمْرَاءَ، وَخْسفًا وَمَسْخًا٣") .
وقال: غريب، وفي إسناده: فَرَجُ بن فُضَالَةَ، ضُعِّفَ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.
وأَخْرَجَهُ من حديث أبِي هرَيْرَةَ أيضًا. وقال: غريب، لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه.
_________________
(١) ١ "واتخذت القينات والمعازف"، في سنن الترمذي: واتخذت. "القيان"، مفردة: قينة: وهي الأمة غنت أو لم تغن، وكثيرًا ما تطلق على المغنية من الإماء. ومنه الحديث: "نهى عن بيع القينات"، أي: الإماء المغنيات. والمعازف: هي الدفوف وغيرها مما يضرب. النهاية. ٢ "ولعن آخر هذه الأمة أولها"، أي: اشتغل الخلف بالطّعن في السّلف الصّالحين، والأئمة المهديين. ٣ في السنن: "أو خسفًا"، بأو بدل الواو. والخسف: الذهاب في الأرض، والغور بهم فيها. والمسخ: أي قلب خلقه من صورة إلى أخرى.
[ ٦٢ ]
(٤٠) ولابن مَاجَهَ١: عن أبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ: قال رسولُ الله – ﷺ -:
"لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِن أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهِا، يُضْرَبُ٢ عَلَى رُؤُوسِهِم بِالْمَعَازِفِ وَالْقَيْنَاِت، فَخَسَفَ٣ الله بِهِم الأرضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ والْخَنَازِيرَ".
(٤١) وللبخاريّ٤: عن أبي عامر بن أبِي مَالِكِ الأَشْعَرِيِّ٥: سَمِعَ النَّبِيَّ – ﷺ يقول:
"لَيُكُونَنَّ نَاسٌ مِن أُمَّتِي٦ يَسْتَحِلُّون الْخَمْرَ والْحَرِيرَ
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه جـ٢ – كتاب الفتن – باب العقوبات- ص ١٣٣٣. ٢ في السنن: "يعزف". ٣ في السنن: "يخسف الله بهم". ٤ صحيح البخاري بشرح الفتح جـ١٠ – كتاب الأشربة – باب ما جاء فيمن يستحلّ الخمر ويسميه بغير اسمه – ص٥١. ٥ في صحيح البخاري: "حدّثنِي أبو عامر، أو أبو مالك الأشعري". ٦ في صحيح البخاري: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون: الحر، والحرير والخمر"، بزيادة لفظ: "الحر"، وهو بالحاء المهملة المكسورة: الفرج.
[ ٦٣ ]
وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوامٌ إلِى جَنْبِ عِلْمٍ١، يَروحُ عَلَيْهُم بِسَارِحَةٍ لَهُم٢، تَأْتِيهُم لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا. فَيُبَيِّتُهُمُ الله٣، وَيَضَعُ الْعِلْمَ٤، وَيَمْسَخُ آخرين وخَنَازِيرَ إلَى يَومِ الْقِيَامَةِ".
(٤٢) وَرُوِيَ٥ عن أَبِي أُمَامَةَ؛ مَرْفُوعًا:
"يكون في أُمَّتِي فَزِعَةٌ، فَيَصيْرُ النّاسُ إلَى عُلَمَائِهِم، فإذا هم قِرَدَة وَخَنَازِير".
_________________
(١) ١ العلم: بفتحتين: الجبل العالي. وقيل: رأس الجبل. ٢ السارحة: الماشية التي تسرح بالغداة إلى رعيها. وتروح أي ترجع بالعشي إلى مألفها. ٣ فيبيتهم: أي يهلكهم. والبيات هجوم العدو ليلًا. ٤ "ويضع العلم"، أي: يوقعه عليهم. ٥ نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول، لأبي عبد الله محمد الحكيم الترمذي طبعة المكتبة العلمية بالمدينة المنورة، الأصل المائة والخمسون في أن من غير الحق من العلماء يمسخ، وسر ما يمسخون به. ص١٩٣. وقال: وإنما حلّ بهم المسخ؛ لأنهم غيروا الحق عن جهته وحرفوا الكلام عن موضعه، فمسخوا قلوب الخلق وأعينهم عن رؤية الحق، فمسخ الله تعالى صورهم، وبدل خلقتهم كما بدلوا الحقّ باطلًا.
[ ٦٤ ]
(٤٣) وعن حُذَيْفَةَ١. قال: حدّثنا رسولُ الله – ﷺ - حديثين. قد رأيت أَحْدَهُما. وأنا أَنْتَظِرُ الآخرَ حدّثنا:
"أنَّ الأَمَانَةَ٢ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ٣ قُلُوبِ الرِّجال. ثمّ نَزَلَ الْقُرْآنُ. فَعَلِمُوا من الْقُرْآنِ، وَعَلِمُوا مِنَ السّنةِ".
ثمّ حدّثنا عن رَفْعِ الأَمَانَةِ قال:
"يَنَامُ الرّجلُ النَّوْمَةَ فَيُقْبْضُ٤ الأَمَانَةُ مِن قَلْبِهِ،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري بشرح الفتح جـ ١٣ – كتاب الفتن – باب إذا بقي في حثالة من الناس ص ٣٨ وصحيح مسلم بشرح النووي جـ٢ – كتاب الأيمان – باب رفع الأمانة والأيمان من بعض القلوب ص ١٦٧. ٢ "الأمانة"، الظّاهر: أن المراد بالأمانة: التكليف الذي كلف الله تعالى به عباده، والعهد الذي أخذه عليهم. وقال صاحب التحرير: الأمانة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ﴾، [الأحزاب، من الآية: ٧٢]، وهي عين الإيمان. فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد قام حينئذ بأداء التكاليف، واغتنم ما يرد عليه منها، وجدّ في إقامتها. (جذر قلوب الرجال) الجذر: بفتح الجيم وكسرها: لغتان. قال في الفائق: الجذر بالفتح، والكسر: الأصل. ٤ في الصحيحين: "فتقبض الأمانة"، بالتاء بدل الياء.
[ ٦٥ ]
فَيَظَلُّ، أَثَرُهَا مِثْلَ الْوَكْتِ١، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ٢، فَيَظَلُّ أَثَرُهُا مِثْل الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجَتْهُ عَلَى رِجْلِكِ، فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا٣، وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ (ثُمَّ أَخَذَ
_________________
(١) ١ في صحيح البخاري: "فيظلّ أثرها مثل أثر الوكت". وما في المخطوطة موافق لما في مسلم. والوكت هو: الأثر اليسير. كما قاله الهروي. وقال غيره: هو سواد يسير. وقيل: هو: لون يحدث مخالف للون الذي كان قبله. ٢ بعد هذه الجملة في صحيح مسلم: "فيقبض الأمانة من قلبه. فيظل أثرها مثل المجل". وكذلك في البخاري مع اختلاف يسير. والمجل: بإسكان الجيم وفتحها لغتان، حكاهما صاحب التّحرير. والمشهور الإسكان. والمجل: هو: التنفط الذي يصير في اليد؛ من العمل بفأس أو نحوها. ويصير كالقبة فيه ماء قليل. ٣ "فتنفط فتراه منتبرًا"، نَفِطَ من باب تَعِبَ. إذا صار بين الجلد واللحم ماء. وتذكير الفعل المسند للرجل. وكذا قوله: "فتراه منتبرًا" مع أن الأرجل مؤنثة، باعتبار معنى العضو. و(منتبرا) مرتفعا. وأصل هذه اللفظة: الارتفاع. ومنه المنبر؛ لارتفاعه، وارتفاع الخطيب عليه. قال صاحب التحرير: إنّ الأمانة تزول عن القلوب شيئًا فشيئًا، فإذا زال أول جزء منها زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت. وهو اعتراض لون مخالف للون الذي قبله. فإذا زال شيء آخر، صار كالمجل، وهو أثر محكم، لا يكاد يزول إلاّ بعد مدة. وهذه الظلمة فوق التي قلبها. ثمّ شبه زوال ذلك النّور بعد وقوعه في القلب، وخروجه بعد استقراره فيه، واعتقاب الظلمة إياه، بجمر يدحرجه على رجله، حتّى يؤثر فيها، ثمّ يزول الجمر ويبقى التّنفط. وأخذ الرسول – ﷺ – الحصاة، ودحرجته إياها: أراد بها زيادة البيان وإيضاح المقصود.
[ ٦٦ ]
حَصَاةً١ فَدَحْرَجَهَا عَلَى رِجْلِهِ) . فَيُصْبِحُ النّاسُ يَتَبَايِعُون، لا يَكَادُ أَحْدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلاَنٍ رَجُلًا أَمِينًا. حَتَّى يُقَالَ للرَّجُلِ: مَا أَجْلَدَهُ! مَا أَظْرَفَهُ! مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ من إِيْمانٍ".
وَلَقَدْ أَتَى عليَّ زَمَانٌ مَا أُبَالِي أَيُّكُم بَايَعْتُ٢ لَئِنْ
_________________
(١) ١ في صحيح مسلم: "ثمّ أخذ حصى فدحرجه على رجله". ٢ "ولقد أتى عليّ زمان ما أبالي أيكم بايعت". معنى المبايعة هنا: البيع والشِّراء المعروفان. ومراده: أني كنت أعلم أن الأمانة لم ترتفع، وأن في الناس وفاء بالعهود، وكنت أقدم على مبايعة من أنفق، غير باحث عن حاله، وثوقًا بالنّاس وأمانتهم؛ فإنّه إن كان مسلمًا، فدينه وأمانته تمنعه من الخيانة، وتحمله على أداء الأمانة، وإن كان كافرًا فساعيه، وهو الوالي عليه، كان أيضًا يقوم بالأمانة في ولايته، فيستخرج حقي منه. وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة، فما بقي لي وثوق بمن أبايعه، وَلاَ بِالسَّاعِي في أدائهما الأمانة، فما أبايع إلاّ فلانًا وفلانًا. يعني أفرادًا من النّاس، أعرفهم وأثق بهم.
[ ٦٧ ]
كَانَ مُسْلِمًا لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ دينه.
وَلَئِنْ كان يَهُودِيًّا أو نَصْرَانَيًّا لَيَرُدَّنَّه عَلَيَّ سَاعِيهِ. وأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أَبَايِعُ مِنْكُم إِلاَّ فُلاَنًا وفُلاَنًا.
أخرجاه.
(٤٤) وقال ابْنُ ماجه١: أنا٢ أبو بكر بن أبِي شَيْبَةَ: ثنا وكيعُ: ثنا الأَعْمَشُ: عن سالِم بن أبِي الْجَعْدِ: عن زَيَادِ بن لَبِيدٍ. قال: ذكر النَّبِيُّ – ﷺ - شيئًا. فقال:
"ذَلِكَ عَنْدَ أَوَانِ ذِهَابِ الْعِلْمِ"، قُلْتُ: يا رسولَ الله: وكيف يَذْهَبُ الْعِلْمُ، ونَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، ونُقْرِؤُهُ
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه جـ٢ – كتاب الفتن – باب ذهاب القرآن والعلم ص ١٣٤٤. وفي الزوائد: هذا إسناده صحيح ورجاله ثقات. إلأّ أنّه منقطع. قال البخاري في التاريخ الصّغير: لم يسمع سالم بن أبي الجعد من زياد بن لبيد – وتبعه على ذلك الذّهبي في الكاشف وقال: ليس لزياد عند المصنف سوى هذا الحديث، وليس له شيء في بقية الكتب. ٢ هذا رمز لأخبرنا – وثنا رمز لحدثنا.
[ ٦٨ ]
أَبْنَاءَنَا، ويُقْرِؤُهُ أَبْنَاؤُنا أَبْنَاءَهُم إِلَى يَومِ الْقَيَامَةِ؟!.
فقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا زِيادُ١. إِنْ كُنْتُ لأَرَاكَ مِن أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوَ لَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ والنَّصَارَى يَقْرَؤُون التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ، لاَ يَعْلَمُون بِشَيْءٍمِنْهَا؟! "٢.
(٤٥) وخرّجه التِّرمذي٣: عن جُبَيْر بن نُفَيْرٍ عن أبِي الدَّرْدَاءِ. قال: كنّا مع النَّبِيِّ – ﷺ - فَشَخَصَ بَصَرُهُ إلِى السَّمَاءِ. ثمّ قال:
"هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ، حَتَّى لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ٤ مِنْهُ".
_________________
(١) ١ في السنن: "ثكلتك أمك زياد"، بدون حرف نداء. وثكلتك: أي فقدتك. وهو دعاء عليه بالموت ظاهرًا. والمقصود العتب من الغفلة عن مثل هذا الأمر. ٢ في سنن ابن ماجه: "لا يعملون بشيء مما فيهما"، أي: ومن لا يعمل بعلمه هو والجاهل سواء. ٣ تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي جـ٧ – أبواب العلم – باب ما جاء في ذهاب العلم ص: ٤١٢. ٤ في الترمذي: "حتّى لا يقدروا منه على شيء".
[ ٦٩ ]
فقال زيادُ بن لَبِيدٍ الأَنْصَارِيُّ: كَيْفَ يُخْتَلَسُ منّا، وقَدْ قَرَأْنَا الْقُرآنَ، فوالله لَنَقْرَأَنَّه، وَلَنُقْرِؤُنَّهُ نَسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا؟ فقال:
"ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا زيادُ! إِن كُنْتُ لأَعُدُّكَ مِن فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ هَذِهِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجيْلُ عَنْدَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فَمَاذَا تُغْنِي عَنْهم"؟!
قال جُبَيْرُ: فَلَقِيْتُ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ. قُلْتُ أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَخْوكَ أبُو الدّرداءِ؟ فَأَخْبَرْتُهُ١. قال: صَدَقَ أبو الدّرداء. إِنْ شِئْتَ لأُحَدِثِّنَّك بِأَوَّلِ عِلْمٍ يُرفَعُ مِنَ النّاسِ: الْخُشُوعُ. يُوشِكُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَ جَمَاعِةٍ٢، فَلاَ تَرَى فِيهِ رَجُلًا خَاشِعًا٣.
وقال: حَسَنٌ غَرِيْبٌ.
_________________
(١) ١ في الترمذي: "فأخبرته بالذي قال أبو الدرداء". ٢ في الترمذي: "أن تدخل مسجد الجامع". ٣ الخشوع: في الصوت والبصر كالخضوع في البدن.
[ ٧٠ ]
(٤٦) وذكر ابنُ ماجه١، مِن مُسْنَدِ زيادٍ، بإِسْنَادٍ صَحيحٍ كما تَقدَّمَ، وقال:
حدّثنا عليّ بن محمّدٍ ثنا أبو معاوية عن أبي مالك الأشجعي عن ربعي بن خراشٍ عن حذيفة: قال رسولُ الله - ﷺ:
"يَدْرُسُ٢ الإسلامُ كمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوبِ. حَتَّى لاَ يُدْرىَ مَا صِيَامٌ، وَلاَ صَلاَةٌ، ولاَ نُسُكٌ ولاَ صَدَقَةٌ.
وَيُسْرى٣ عَلَى كِتَابِ الله تعالى فِي لَيْلَةٍ، فلا تَبْقَى٤ منه فِي الأرض آيةٌ. وَتَبْقَى طَوائِفُ مِنَ النّاسِ: الشّيخُ
_________________
(١) ١ سنن ابن ماجه – جـ٢ – كتاب الفتن – باب ذهاب القرآن والعلم. ص ١٣٤٤. في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات. رواه الحاكم وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم. ٢ "يدرس الإسلام"، من درس الرسم دروسًا، إذا عفا وهلك. ومن درس الثّوب درسًا إذا صار عتيقًا. ووشى الثّوب: نقشه. ٣ في سنن ابن ماجه: "وليسرى على كتاب الله". والمعنى يذهب باللّيل. ٤ في سنن ابن ماجه: "فلا يبقى منه" بالياء "بدل التاء".
[ ٧١ ]
الْكَبِيْرُ وَالْعَجُوزُ، يَقُولُون: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هِذِهِ الكِلْمَةِ: لا إله إلاّ الله. فَنَحْنُ نَقُولُها".
فقال له صِلَةُ: ما يُغْنِي عِنْهم: لا إله إلاّ الله، وَهُمْ لا يَدْرُون، مَا صَلاَةٌ، وَلاَ صِيَامٌ، وَلاَ نُسُكٌ، وَلاَ صَدَقَةٌ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حُذَيْفَةُ، ثُمَّ رَدَّهَا عَلَيهِ ثَلاثًا. كلّ ذلك يُعْرِضُ عنه حذيفة. ثمّ أقبل حذيفة فقال: يَا صِلَةُ! تُنَجِّيهُم مِنَ النّار. ثلاثًا
[ ٧٢ ]