بَابُ الدَّجَّالِ وَصِفَتِهِ وَمَا مَعَهُ
(١٢٦) ولِمسلم١: عن النَّوَّاس بن سَمْعَان. قال: ذَكَرَ رسولُ الله – ﷺ- الدَّجَّال٢ ذَاتَ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: ذكر الدّجّال وصفته وما معه، ص: ٦٣. وذكره ابن ماجه في سننه ج٢، كتاب الفتن، باب فتنة الدّجّال ص:١٣٥٦. ٢ "الدّجّال"، قال ثعلب: كلّ كذّابٍ فهو دجّال. وقيل: الدّجّال المموَّه. يقال: دجل فلان إذا مَوَّه، ودجل الحقّ بباطله، إذا غطاه. وحكى ابن فارس هذا الثّاني عن ثعلب أيضًا. اهـ. من شرح مقدمة مسلم للنّووي ص: ٧٩. وسُمِّيَ بالمسيح؛ لأنّه ممسوح العين، وقيل: لأنّه أعور، والأعور يُسَمَّى مسيحًا. وقيل: لمسحه الأرض حين خروجه. وأكثر العلماء على أنّ ضبط الاسم بفتح الميم وكسر السين، ولا فرق بينه وبين اسم عيسى ﵊ في اللّفظ، ولكن عيسى ﵊ مسيح هدى. والدّجّال مسيح ضلالة. ورواه بعض الرّواة بكسر الميم والشّين المشدّدة، وقاله غير واحدٍ كذلك. إلاّ أنّه بالخاء المعجمة. وقال بعضهم: بكسر الميم وتخفيف السّين. اهـ. شرح النّووي لمسلم ج ٢، ص: ٢٣٤. قال القاضي عياض ﵀: "هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصّة الدّجّال حجّة لمذهب أهل الحقّ في صحّة وجوده، وأنّه شخص بعينه، ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى، من: إحياء الميّت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدّنيا والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتّباع كنوز الأرض له، وأمره السّماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كلّ ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرّجل ولا غيره، ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا". هذا مذهب أهل السّنة وجميع المحدِّثين والفقهاء والنّظّار، خلافًا لِمَن أنكره وأبطل أمره - من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة - في أنّه صحيح الوجود، ولكن الذي يدّعي مخارف وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنّه لو كان حقًّا لم يوثق بمعجزات الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم ـ، وهذا غلط من جميعهم؛ لأنّه لم يدع النّبوّة فيكون ما معه كالتّصديق له، وإنّما يدّعي الألوهية، وهو في نفس دعواه مكذّب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشّاهد بكفره المكتوب بين عينيه. ولهذه الدّلائل وغيرها لا يغترّ به إلاّ رعاع من النّاس لسدّ الحاجة والفاقة، رغبة في سدّ الرمق، أو تقية وخوفًا من أذاه؛ لأنّ فتنته عظيمة جدًّا، تدهش العقول وتحير الألباب، مع سرعة مروره في الأمر، فلا يمكث بحيث يتأمّل الضّعفاء حاله، ودلائل الحدوث فيه والنّقص. فيصدّقه مَن صدّقه في هذه الحالة. ولهذا حذّرت الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - من فتنته، ونبّهوا على نقصه ودلائل إبطاله. وأمّا أهل التّوفيق فلا يغترّون به، ولا يخدعون بما معه، لما ذكرناه من الدّلائل المكذِّبة له، مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلاّ بصيرةً. هذا آخر كلام القاضي﵀اهـ. نووي ج ١٨، ص: ٥٨، ٥٩.
[ ١٦٢ ]
غَدَاةٍ فَخَفَّضَ فِيهِ ورَفَّعَ١، حتّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ، فلمّا رُحْنَا إليه عَرَفَ ذلك فَينَا. فقال: "مَا شَأْنُكُم؟ "، قلنا: يا رسولَ الله! ذَكَرْتَ الدَّجَّالَ غَدَاةَ فَخَفَّضْتَ
_________________
(١) ١ "فخفّض فيه ورفّع"، بتشديد الفاء فيهما، وفي معناه قولان: أحدهما: أنّ خفض بمعنى حقر، وقوله: رفع، أي: عظمه وفخمه. فمَن تحقيره وهوانه على الله تعالى: عوره. ومنه قوله ﷺ: "هُوَ أَهْوَنُ عَلَى الله مِن ذَلِكَ"، وأنّه لا يقدر على قتل أحدٍ إلاّ ذلك الرّجل، ثم يعجز عنه، وأنّه يضمحل أمره، ويقتل بعد ذلك هو وأتباعه. ومن تفخيمه وتعظيم فتنته والمحنة به هذه الأمور الخارقة للعادة. وأنّه ما من نَبِيٍّ إلاّ وقد أنذره قومه. والوجه الثّاني: أنّه خفض من صوته في حال الكثرة فيما تكلّم فيه. فخفض بعد طول الكلام والتّعب ليستريح، ثم رفع ليبلغ صوته كلّ أحدٍ بلاغًا كاملًا مفخمًا.
[ ١٦٤ ]
فيه وَرَفَّعْتَ. حتّى ظَنَنَّاهُ فِي طَائِفَةِ النَّخْلِ. فقال: "غَيْرُ الدَّجَّالِ أَخْوَفَنِي عَلَيْكُم١، إِنْ يَخْرجْ
_________________
(١) ١ "غير الدّجّال أخوفنِي عليكم"، بالنّون بعد الفاء، ورواه بعضهم بحذف النّون، وهما لغتان صحيحتان، ومعناهما واحد. قال شيخنا الإمام أبو عبد الله ابن مالك ﵀: الحاجة داعية إلى الكلام في لفظ الحديث ومعناه. فأمّا لفظه: فلكونه تضمّن ما لا يعتاد من إضافته أخوف إلى ياء المتكلّم مقرونة بنون الوقاية، وهذا الاستعمال إنّما يكون مع الأفعال المتعدية. والجواب: إنّه كان الأصل إثباتها، ولكنّه أصل متروك. ثم قال: ولأفعل التّفضيل أيضًا شبه بالفعل وخصوصًا بفعل التّعجّب. فجاز أن تحلقه النّون المذكورة في الحديث. هذا هو الأظهر في هذه النّون هنا. ثم قال: وأمّا معنى الحديث: ففيه أوجه: أظهرها: أنّه من أفعل التّفضيل، وتقديره: غير الدّجّال أخوف مخوفاتي عليكم، ثم حذف المضاف إلى الياء، ومنه: "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأئمةُ الْمُضِلّون"، معناه: أنّ الأشياء التي أخافها على أمّتي أحقّها بأن تخاف الأئمة المضلِّون. والثّاني: أن يكون أخوف من أخاف بمعنى: خوف، ومعناه: غير الدّجّال أشدّ موجبات خوفي عليكم. والثّالث: أن يكون من باب وصف المعاني بما يوصف به الأعيان على سبيل المبالغة، كقولهم في الشّعر الفصيح: شعر شاعر، وخوف فلان أخوف من خوفك. وتقديره: خوف غير الدّجّال أخوف خوفي عليكم، ثم حذف المضاف الأوّل، ثم الثّاني، هذا آخر كلام الشّيخ ﵀ اهـ. نووي على مسلم.
[ ١٦٥ ]
وَأَنَا فِيكُم، فَأَنَا حَجيجُهُ دُونَكُم، وإِنْ يَخْرُجُ وَلَسْتُ فَيكُم، فَاْمُرُؤُ حَجِيجُ نَفْسِهِ. والله، خلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. إنّه شابٌّ قططٌّ١، عينه طَافِئَةٌ كَأَنِّي أشبِّهُهُ بِعَبْدِ الُعُزَّى بن قَطَنٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُم فَلْيَقْرَأْ عَلَيهُ فَوَاتِحَ سُورَةَ الْكَهْفِ. إنَّهُ خَارِجٌ خُلَّةَ بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاق٢،
_________________
(١) ١ "قطط"، أي: شديد جعودة الشّعر، مباعد للجعودة المحبوبة. ٢ "إنّ خارج خلة بين الشّام والعراق"، هكذا في نسخ بلادنا: خلة: بفتح الخاء المعجمة واللام، وتنوين الهاء. وقال القاضي: "المشهور فيه: حلة، بالحاء المهملة، ونصب التّاء، يعني: غير منونة. قيل: معناه: سحت ذلك وقبالته، وفي كتاب العين: الحلة: موضع حزن وصخور. قال: ورواه بعضهم حله بضم اللام وبهاء الضمير، أي: نزوله وحلوله. قال: وكذا ذكره الحميدي في الجمع بين الصّحيحين، قال: وذكره الهروي خلة بالخاء المعجمة وتشديد اللام المفتوحتين، وفسّره بأنّه ما بين البلدين، هذا آخر ما ذكره القاضي. وهذا الذي ذكره عن الهروي هو الموجود في نسخ بلادنا. وفي الجمع بين الصّحيحين أيضًا ببلادنا. وهو الذي رجّحه صاحب نهاية الغريب، وفسّره بالطّريق بينهما. اهـ. نووي.
[ ١٦٦ ]
فَعَاثَ يَمِينًا، وَعَاثَ شِمَالًا١، يا عبَادِ الله! فَاثْبُتُوا". قلنا: يا رسول الله! وما لُبْثُهُ فِي الأرض؟ قال: "أربعون يومًا: يومٌ كَسَنَةٍ، ويَومٌ كَشَهْرٍ، ويوْمٌ كَجُمْعَةٍ٢، وسائرُ أيَّامِهِ كَأَيَّامِكُم"، قلنا: يا رسول الله! فذلك اليوم الّذي كسنةٍ أَتَكِفِينا فيه صلاةُ يومٍ؟ قال: "لا. اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ"٣. قلنا: يا رسول الله! وما إِسْرَاعُهُ
_________________
(١) ١ "فعاث يمينًا وعاث شمالًا"، العيث: الفساد، أو أشدّ الفساد والإسراع فيه. وحكى القاضي أنّه رواه بعضهم فعاثٍ بكسر الثّاء منونة اسم فاعلٍ، وهو بمعنى الأوّل. ٢ يوم كسنة ويوم كشهرٍ ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قال العلماء: هذا الحديث على ظاهره، وهذه الأيّام الثّلاثة طويلة على هذا القدر المذكور في الحديث، يدلّ عليه قوله ﷺ وسائر أيّامه كأيّامكم. ٣ "أقدروا له قدره"، قال القاضي وغيره: "هذا حكم مخصوص بذلك اليوم، شرعه لنا صاحب الشّرع، قالوا: ولولا هذا الحديث، وَوُكِلنا إلى اجتهادنا، لاقتصرنا فيه على الصّلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيّام. ومعنى "أقدروا له قدره": أنّه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين الظّهر كلّ يومٍ، فصلّوا الظّهر، ثم إذا مضى بعده قدر ما يكون بينها وبين العصر، فصلّوا العصر، وإذا مضى بعد هذا قدر ما يكون بينها وبين المغرب، فصلّوا المغرب، وكذا العشاء والصّبح، ثم الظّهر، ثم العصر، ثم المغرب، وهكذا حتّى ذلك اليوم، وقد وقع فيه صلوات سنة فرائض كلّها، مؤدّاة في وقتها. أمّا الثّاني الذي كشهر، والثّالث الذي كجمعةٍ، فقياس اليوم الأوّل أن يقدر لهما كاليوم الأوّل على ما ذكرناه.
[ ١٦٧ ]
فِي الأرض؟ قال: كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ. فيأتي على القوم فَيَدْعُوهُم، فَيُؤْمِنُون به ويَسْتَجِيبُون له، فيأْمُرُ السّماءَ فَتُمْطِرُ، والأرضَ فَتُنْبِتُ. فَتَرُوحُ عليهم سَارِحَتُهُم، أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًّا، وأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا، وأَمَدَّهُ خَوَاصر١. ثمّ يأتِي القومَ. فَيَدْعُوهم فَيَرُدُّون عليه قَوْلَهُ، فَيَنْصِرُفُ عَنْهُم. فَيَصْبِحُون مُمْلحيْنِ٢،
_________________
(١) ١ "فتروح عليهم سارحتهم " الخ، أما تروح فمعناه: ترجع آخر النّهار، والسّارحة: هي الماشية التي تسرح، أي: تذهب أوّل النّهار إلى المرعى، والذرا: الأعالي والأسنمة جمع ذروة بالضّمّ والكسر، وأسبغه: أي: أطوله لكثرة اللّبن، وكذا أمده خواصره، لكثرة امتلائها من الشّبع. ٢ "فيصبحون ممحلين"، قال القاضي: "أي: أصابهم المحل، من قلّة المطر، ويبس الأرض من الكلأ". وفي القاموس: المحل، على وزن فحل: الجدب والقحط. والأمحال كون الأرض ذات جدب وقحط، يقال: أمحل البلد، إذا أجدب.
[ ١٦٨ ]
ليس بأيديهم شيء، من أموالهم. ويَمُرُّ بالْخرْبَة، فيقول لها: أخرجي كُنُوزَك. فَتَتْبَعَهُ كنوزُها كَيَعَاسِيبِ النّحْل١، ثُمَّ يدعو رجلًا مُمْتَلِئًا شبابًا. فَيَضْرِبُه بالسّيف، فَيَقْطَعُهُ جِزْلَتَيْن، رَمْيَةَ الْغَرَض٢، ثمّ يدعوه فيُقْبَلُ ويَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ، يَضْحَكُ، فَبَيْنَمُا هو كذلك إِذْ بَعَثث الله المسيحَ ابن مريم – صلّى الله عليه٣- فَيَنْزِلُ عند الْمَنَارَةِ الْبَيضَاءِ شرقي دِمَشْقَ، بَيْنَ مَهْرُودَتَيْن٤، واضعًا كَفَّيْهِ
_________________
(١) ١ كيعاسيب النّحل: (هي ذكور النّحل)، هكذا فسّره ابن قتيبة وآخرون. قال القاضي: "المراد: جماعة النّحل، لا ذكورها خاصّة، لكنّه كنّى عن الجماعة باليعسوب، وهو أميرها؛ لأنّه متى طار تبعته جماعته. ٢ "فيقطعه جزلتين رمية الغرض": الجزلة: بالفتح على المشهور وحكى ابن دريد كسرها، أي: قطعتين ومعنى رمية الغرض: أنّه يجعل بين الجزلتين مقدار رمية. هذا هو الظّاهر المشهور. وحكى القاضي هذا، ثم قال: وعندي أنّ فيه تقديمًا وتأخيرًا، وتقديره: فيصيب إصابة رمية الغرض فيقطعه جزلتين. والصّحيح الأوّل. ٣ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم. (فينْزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين)، قال النّووي: "هذه المنارة موجودة اليوم شرقي دمشق، والمهرودتان: روى بالدّال المهملة والذّال المعجمة، والمهملة أكثر، والوجهان مشهوران للمتقدّمين والمتأخّرين من أهل اللّغة والغريب وغيرهم، وأكثر ما يقع في النّسخ بالمهملة، كما هو المشهور. ومنعنَى: لابس مهرودتين، أي: ثوبين مصبوغين بورس ثم بزعفران. وقيل: هما شقتان والشّقة نصف الملاءة.
[ ١٦٩ ]
على أَجْنِحَةِ مَلَكَيْن، إذا طَأْطَأْرأسَهُ قَطَرَ، وإذا رَفَعَهُ تَحذَّرَ منه جُمَانٌ كَاللُّؤْلُؤ١، فلا يَحِلّ لِكَافِرٍ٢. يَجِدُ ريحَ نَفْسِهِ إلاّ مَاتَ. ونَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرَفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حتّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لدٍّ٣، فَيقْتُلُه، ثُمَّ يَأْتِي عيسى - – ﷺ- قومًا٤ قَدْ عَصَمَهُمُ الله منه. فَيَسْمَحُ عَنْ وُجُوهِهم٥. ويُحَدِّثُهم بِدَرَجَاتِهم في
_________________
(١) ١ "تحدر منه جمان كاللؤلؤ"، الجمان: حبات من الفضّة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار، والمراد: ينحدر منه الماء على هيئة اللّؤلؤ في صفائه. فسمى الماء جمانًا لشبهه به في الصّفاء والحسن. ٢ "فلا يحلّ لِكَافِرٍ"، معنى لا يحلّ: لا يمكن ولا يقع، وقال القاضي: "معناه عندي: حقّ وواجب". ٣ "بباب لُدٍّ"، مصروف، بلدة قريبة من بيت المقدس. ٤ في صحيح مسلم: "قومٌ"، بالرّفع، على أنّه فاعلٌ، يأتي وجملة ﷺ لا توجد في صحيح مسلم. ٥ "فيمسح عن وجوهكم"، قال القاضي: "يحتمل أنّ هذا المسح حقيقة على ظاهره، فيمسح على وجوههم تبركًا وبرًّا، ويحتمل أنّه إشارة إلى كشف ما هم فيه من الشّدّة والخوف.
[ ١٧٠ ]
الجنّة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله – عزّ وجلّ١ – إلى عيسى- عليه السّلام٢ – إنِي قد أخرجت عبادًا لي، لا يَدَان لأحدٍ بِقِتالِهم٣، فَحَرِّزْ عبادي إلى الطُّورِ٤، ويبعث الله يأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ٥ يَنْسِلُونَ﴾، [الأنبياء، من الآية: ٩٦]، فَيَمُرُّ أَوَائِلُهم على بُحَيْرَةٍ طَبَريَّةٍ، فَيَشْرَبُون ما فيها، ويَمرُّ آخرُهم فيقولون: لقد كان بِهِذه مرَّةً مَاءٌ. ويُحْصَرُ نَبِيّ الله عيسى – عليه السّلام٦ – وأَصْحَابُهُ، حتّى يكون رأس الثّورِ لأَحَدِهِم خيرًا من مائة
_________________
(١) ١ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم. ٢ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم. ٣ "لا يدان لأحد بقتالهم"، يدان: تثنية يد، قال العلماء: منعاه: لا قدرة لا طاقة، يقال: ما لي بهذا الأمر يد، وما لي به يدان، لأنّ المباشرة والدّفع إن إنّما يكون باليد، وكأنّ يديه معدومتان لعجزه عن دفعه. ٤ "فحرز عبادي إلى الطّور"، أي: ضمّهم واجعله لهم حرزًا. يقال: أحرزت الشّيء، أحرزه، إحرازًا، إذا حفظته وضممته إليك، وصنته عن الأخذ، ووقع في بعض النّسخ حِزّبْ: أي: اجمعهم، وروى حوز، أي: نحهم وأزلهم عن طريقهم. ٥ الحدب: النّشز. قال الفراء: من كلّ أكمة، من كلّ موضعٍ مرتفع، وينسلون: يمشون مسرعين. ٦ لا توجد هذه الجمل في صحيح مسلم.
[ ١٧١ ]
دِينارٍ لأَحْدِكم الْيَومَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ الله عيسى وأَصْحَابُهُ – يعنِي إلى الله١ – فَيُرْسِلُ الله عليهم النَّغَفَ٢ في رِقَابِهم، فَيُصْبِحُون فَرْسَى٣. كَمَوتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ الله عيسى – ﵇ وأَصْحَابُهُ إلى الأرض فلا يَجِدُون فِي الأرض مَوضِعَ شبْرٍ إلاّ مَلأَهُ زَهَمُهم وَنَتنُهم٤، فَيَرْغَبُ نبي الله عيسى – عليه السّلام٥ – وأصحابه إلى الله، فَيُرْسِلُ عليهم طيرًا كأَعْنَاقِ الْبُخْت٦.
_________________
(١) ١ جملة: "يعني إلى الله"، لا توجد في صحيح مسلم. والمعنى: إلى الله، كما ذكر أو يدعو. (النّغف)، هو: دود يكون في أنوف الإبل والغنم، الواحدة: نغفة. (فرسى)، أي: قتلي، واحدهم: فريس، كقتيل وقتلى. ٤ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم في الموضعين. (زهمهم ونتنهم)، أي: دسمهم ورائحتهم الكريهة. (البحث)،قال في اللّسان: البخت والبختية دخيل في العربية، أعجمي معرَّب، وهي الإبل الخرسانية، تنتج من عربية وفالج، وهي جمال طوال الأعناق.
[ ١٧٢ ]
فَتَحْمِلُهُم فَتَطْرَحُهُم حَيْثُ شاء الله، ثُمَّ يُرْسِلُ الله مطرًا لا يَكُن١ منه بيتُ مدرٍ٢ ولا وَبَرٍ. فَيَغْسِل ُالأرض حتّى يَتْرُكَها كَالزَّلَفَةِ٣، ثمّ يقال للأرض: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ، وَرَدِّي بَرَكَتَك. فيومئذٍ تَأْكُلُ العصابةُ٤ مِنَ الرُّمَّانَة.
ويَسْتَظِلُّون بِقَحْفهَا٥، ويُبَارِكُ فِي الرِّسْلِ٦؛ حتّى إِنَّ
_________________
(١) (لا يكن)، أي: لا يمنع من نزول الماء. (مدر) هو: الطّين الصّلب. (كالزّلفة) روي: الزّلفة، بفتح الزّاي واللام والقاف. وروى: الزّلفة: بضم الزّاي وإسكان اللام وبالفاء. وروى الزّلفة: بفتح الزّاي واللام وبالفاء. قال القاضي: "روي بالفاء والقاف، وبفتح اللام وبإسكانها، وكلّها صحيحة، واختلفوا في معناه، فقال ثعلب وأبو زيد وآخرون: معناه: كالمرآة. وحكى صاحب المشارق هذا عن ابن عبّاس أيضًا. شبّهها بالمرآة في صفائها ونظافتها. وقيل: كمصانع الماء، أي: أنّ الماء يستنقع فيها حتى تصير كالمصنع الذي يجتمع فيه الماء. وقال أبو عبيد: معناه: كالأجانّة الخضراء. وقيل: كالصّفحة. وقيل: كالرّوضة". ٤ "العصابة": الجماعة. ٥ "بقحفها"، بكسر القاف، هو مقعر قشرها، شبّهها بقحف الرّأس، وهو الذي فوق الدّماغ. وقيل: ما انفلق من جمجمته وانفصل. ٦ "الرّسل" بكسر الرّاء وإسكان السّين: هو اللبن.
[ ١٧٣ ]
اللَّقْحَةَ١ مِنَ الإِبْلِ لَتَكْفِيالْفِئَامَ٢ مِنَ النّاسِ. واللَّقْحَةَ من البقر لتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النّاس. اللَّقْحَةَ من الْغَنَمِ لَتَكْفِي الْفَخْذَ من النّاس٣. بينما٤ هم كذلك بعث الله ريْحًا طيِّبة. فَتَأْخُذُهم تَحْت آباطِهِم. فَتَقْبضُ روحَ كلِّ مسلمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النّاِس، يَتَهَارَجُون فيها تَهَارُجُ الْحْمرُ٥، فَعَلَيهم تَقُومُ السّاعةُ.
_________________
(١) ١ "اللّقحة" بكسر اللام وفتحها: لغتان مشهورتان، الكسر أشهر. وهي القريبة العهد بالولادة، وجمعها: لقح، كبركة وبرك، واللّقوح ذات اللّبن، وجمعها: لقاح. ٢ "الفئام" هي الجماعة الكثيرة، هذا هو المشهور والمعروف في اللّغة وكتب الغريب. ٣ "الفخذ من النّاس"، قال أهل اللّغة: الفخذ: الجماعة من الأقارب، وهم دون البطن، والبطن دون القبيلة. قال القاضي: قال ابن فارس: الفخذ هنا بإسكان الخاء لا غير، فلا يقال إلاّ بإسكانها، بخلاف الفخذ التي هي العضو، فإنّها تكسر وتسكن. ٤ في صحيح مسلم: "فبينما" بالفاء. ٥ "يتهارجون فيها تهارج الحمر"، أي: يجامع الرّجال النّساء علانية بحضرة النّاس، كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك، والهرج، بإسكان الرّاء: الجماع يقال: هرج زوجته، أي: جامعها، يُهرِجُها، بفتح الرّاء وضمّها وكسرها.
[ ١٧٤ ]
(١٢٧) وفي رواية١ بعد قوله - لقد كان بهذا٢ مرّة ماء-: ثمّ يسيرون حتّى يَنْتَهُون٣ إلى جبل الْخَمَر٤ - وهو جبل بيت الْمقدس. فيقولون: لقد قَتَلْنَا مَنْ فِي الأرض، هَلُمَّ فَلْنَقْتُلُ مَنْ في السّماء. فيرمون بنشابهم٥ إلى السّماء، فَيَرُدُّ الله عليهم نُشَّابَهُم مَخْضُوبَةً دَمًا.
(١٢٨) وله٦ عن أبي سعيد: حدّثنا رسول الله – ﷺ- يومًا، حديثًا طويلًا عن الدّجّال، فكان فيما حدّثنا. قال:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال وصفته، وما معه، ص: ٧٠، ٧١. ٢ في صحيح مسلم: "بهذه"، بدل هذا. ٣ في صحيح مسلم: "حتّى يَنْتَهُوا" بحذف النّون للنّاصب. ٤ إلى جبل (الخمر)، هو: الشّجر الملتف الذي يستر من فيه، وقد فسّره في الحديث: بأنّه جبل بيت المقدس، لكثرة شجره، وهو بفتح الخاء المعجمة والميم المفتوحة. ٥ "بنشابهم"، أي: سهامهم، واحده: نشابة. ٦ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في صفة الدّجّال، وتحريم المدينة عليه وقتله المؤمن وإحيائه ص: ٧١-٧٢.
[ ١٧٥ ]
"يأتي، وهو مُحَرَّمٌ عليه أن يدخل نقَاب١ الْمَدينة، فينتهي إلىبعض السَّبَارخِ الّتِي تلي الْمَدينةَ، فَيَخْرُجُ إليه يومئذٍ رجلٌ هو خيْرُ النّاس أو من خيْر النّاس، فيقول٢: أشهد أنّك الدّجّال الّذي حدّثنا رسول الله– ﷺ- حديثه. فيقول الدّجّال: أَرَأَيْتْم إن قتلتُ هذا ثُمَّ أَحْيَيْتُه، أَتَشُكُّونَ فِي الأمْرِ؟ فَيَقُولُون: لاَ. فَيَقْتُلُهُ٣، ثُمَّ يُحْيِيه. فيقول حين يُحْيِيه: والله ما كنتُ فيكَ قط أشدَّ بصيْرَةً منِي الآن. قال: فيريد الدّجّال أن يقتله فلا يسلِّط عليه".
(١٢٩) وله٤ عنه: قال رسول الله – ﷺ-:
_________________
(١) ١ "نقاب المدينة"،أي: طرفها وفجاجها، وهو جمع ثقبٍ وهو: الطّريق بين جبلين. ٢ في صحيح مسلم: "فيقول له"، بزيادة الجار والمجرور. ٣ في صحيح مسلم: "قال: فيقلته". ٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في صفة الدّجّال وتحريم المدينة وقتله المؤمن وإحيائه ص: ٧٢-٧٣.
[ ١٧٦ ]
"يَخْرج الدَّجَّال فيتوجّه قِبَلَهُ رجلٌ من الْمؤمنين، فَتَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ١: مَسَالِحُ الدَّجَّالِ.
فَيَقُولُونُ له: أين تَعْمَدُ؟ فيقول: أعمد إلى هذا الّذي خرج. قال: فَيَقُولُونُ له: أَوَ مَا تُؤْمِنُ بربِّنا؟ فيقول ما بربنا خفاء. فَيَقُولُونُ: اقْتُلُوهُ. فيقول بعضهم لبعض: أَلَيْسَ قد نَهَاكم ربُّكم أن تقتلوا أحدًا دونه؟ قال: فَيَنْطِلِقُون به إلى الدّجّال، فإذا رآه الْمؤمن قال: يا أيّها النّاس! هذا الدّجّال الّذي ذكر رسول الله – ﷺ- قال: فيأمر الدّجّال به فَيُشَبَّحُ٢، فيقول: خذوه وشَجوهُ٣، فَيُوسَعُ ظَهْره وبطْنُهُ ضربًا. قال: فيقول: أما٤ تُؤْمِنُ بِي؟ قال: فيقول: أنت الْمَسِيحُ الكذّاب. قال:
_________________
(١) ١ "المسالح": قوم معهم سلاح؛ يرقبون في المراكز كالخفراء، سُمُّوا بذلك لحملهم السّلاح. ٢ "فيشبح"، بشين معجمة ثم باء موحّدة ثم حاء مهملة، أي: مدّوه على بطنه. ٣ "شجوه"، بالجيم المشدّدة من الشّجّ وهو الجرح في الرّأس. ٤ في صحيح مسلم: "أو ما تؤمن بي"، بزيادة الواو بعد الهمزة.
[ ١٧٧ ]
فَيُؤْمَر به فَيُؤشَّر بالْمِئْشَار١: من مَفْرَقَة٢ حتّى يُفَرَّقَ بيْنَ رجلَيْهِ. قال: ثُمَّ يَمْشِي٣ بَيْن الْقطْعَتَيْن. ثُمَّ يقول له: قُمْ فَيَسْتَوي قَائِمًا. قال: ثمّ يقول له: أَتُؤْمِنُ بِي؟ فيقول: ما ازْدَدْتُ فيكَ إلاّ بَصِيْرَةً. قال: ثُمَّ يقول: يا أيّها النّاس! إنّه لا يفعل بَعْدِي بِأَحدٍ من النّاس. قال: فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيُجْعَل ما بَيْنِ رَقَبَتِه إلَى تَرْقُوَته نُحَاسًا٤. فلا يَسْتَطِيعُ إليه سبيلًا. قال: فيأخذ بيديه ورجليه فيقذف به. فيحسب النّاس أنّما قَذَفَهُ إلى النّا، وإنّما أُلْقِيَ في الجنّة".
فقال رسول الله – ﷺ: "هذا أعظم النّاس شَهادةً عند ربِّ الْعَالَمِين".
_________________
(١) ١ "فيؤشر بالمئشار"، هكذا الرّواية، بالهمزة فيهما، وهو الأفصح. ويجوز تخفيف الهمزة فيهما، فيجعل في الأوّل واوًا، وفي الثّاني ياء، ويجوز: المنشار بالنّون، يقال: نشرت الخشبة وعلى الأوّل يقال: أشرتها. ٢ مفرّقه مفرّق الرّأس، وسطه. ٣ في صحيح مسلم: "ثم يمشي الدّجّال بين القطعتين". ٤ "ترقوته" هي: العظم الذي بين ثغرة النّحر والعاتق.
[ ١٧٨ ]
(١٣٠) وله١ عن المغيرة. قال: ما سأل أحد النَّبِيِّ – ﷺ- عن الدّجّال أكثر مِمَّا سألته٢. فقال: "وَمَا يُنْصبُكَ مِنْهُ؟ ٣، إنّه لا يَضُرُّكَ"، قلت٤: يا رسول الله! إنّهم يَقُولُونُ: إنّ مَعَهُ الطَّعَام والأنْهَار. فقال: "هُو أَهْوَنُ على الله من ذلك"٥.
وفي رواية٦: "أَيْ بُنَي".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب في الدّجّال، وهو أهو على الله ﷿ ص: ٧٤. ٢ في صحيح مسلم: "أكثر مما سألت"، بدون الضّمير. ٣ "وما ينصبك منه"،أي: ما يتعبك من أمره، قال ابن دريد:"يقال: أنصبه المرض وغيره، ونصبه، والأوّل أفصح. قال: وهو تغيّر الحال من مرضٍ أو تعبٍ". ٤ في صحيح مسلم: "قال: قلت". ٥ "وهو أهون على الله من ذلك"، قال القاضي: "هو أهون على الله من أن يجعل ما خلقه الله تعالى على يده مُضِلًاّ للمؤمنين، ومشكِّكًا لقلوبهم، بل أنّما جعله له ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، وتثبت الحجّة على الكافرين والمنافقين ونحوهم، وليس معناه أنّه ليس معه شيء من ذلك". ٦ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، ص: ٧٥. وفي صحيح مسلم: "فقال لي: أي: بني".
[ ١٧٩ ]
(١٣١) وله١ عن ابن عمرو، وجاءه رجلٌ، فقال: ما هذا الحديث الّذي تُحدِّثه به؟ تقول: إنّ السّاعَةَ تَقُومُ إلى كذا وكذا. فقال: سبحان الله! أو: لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله. أو كلمة نحوهما. لقد هَمَمْتُ ألا أُحدِّث أحدًا شيئًا أبدًا. إنّما قلتُ: إنّكم سَتَرَونَ بَعْدَ قَلِيلٍ أمرًا عظيمًا، يحرِّك البيت، ويَكُونَ، وَيَكُونَ، ثُمَّ قال: قال رسول الله – ﷺ: "يَخرج الدّجّال في أمَّتِي فيمكث أربعين (لا أدري: أربعين يومًا، أو أربعين شهرًا، أو أربعين عامًا) .
فيبعث الله عيسى بن مريم – عليه السّلام٢ – كأنّه عرْوَة بن مَسْعُودٍ، فَيَطْلُبُهُ فَيهْلكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب في خروج الدّجّال ومكثه في الأرض ونزول عيسى، وقتله، وذهاب أهل الخيرة والإيمان، ص: ٧٥، ٧٦. ٢ "﵇"، لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم، "فيبعث الله عيسى". قال القاضي ﵀: "نزول عيسى ﵇ وقتل الدّجّال حقّ، وصحيح عند أهل السّنة للأحاديث الصّحيحة في ذلك. وليس في العقل ولا في الشّرع ما يبطله، فوجب إثباته".
[ ١٨٠ ]
النّاسُ سَبْعَ سِنِيْنَ، ليس بين اثنيْن عداوةٌ، ثُمّ يُرسل الله ريْحًا باردةً من قبل الشّام، فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرّة مِنْ خيْر أو إيْمَان إلاّ قبضته؛ حتّى لو أنّ أحدَكم دخل في كبد جبل١ لدخلته عليه، حتّى تقبضه" قال: سَمِعْتُها من رسول الله – ﷺ. قال:
"فَيبْقَى شرارُ النّاس في خِفَّة الطَّيْر وأحلام السِّباع٢ لا يعرفُونَ مَعْروفًا، ولا يُنكرون مُنكَرًا، فَيَتَمَثَّل لَهُمُ الشّيطان؛ فيقول: ألا تَسْتَجِيبُون؟ فَيَقُولُونُ: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادةِ الأوثان، وهُمْ فِي ذلك دارٌّ رزْقُهُم، حَسَنٌ عَيْشُهُم، ثُمّ يُنفخ في الصّور، فلا يسمعه أحدٌ إلاّ أَصْغَى ليتًا ورفع ليتًا٣. وأوَّلُ مَنْ
_________________
(١) ١ "في كبد جبل"، أي: وسطه وداخله، وكبد كلّ شيءٍ وسطه. ٢ "في خفة الطّير وأحلام السّباع"، قال العلماء: معناه: يكونون في سرعتهم إلى الشّرور وقضاء الشّهوات والفساد كطيران الطّير، وفي العدوان وظلم بعضهم بعضًا في أخلاق السّباع العادية. ٣ "أصغى ليتًا ورفع ليتًا"، أصغى: أمال. واللّيت: صفحة العنق. وهي جانبه. وهو بكسر اللام، آخره مثناة فوق.
[ ١٨١ ]
يَسْمَعُهُ رجلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبله١. قال: فَيُصْعَقُ وَيَصْعَقُ النّاس، ثُمّ يُرْسِل الله- أو قال: يَنْزِلُ الله – مطرًا، كأنّه الطّلّ، أو الظّلّ٢. (نُعْمَانُ الشَّاكُ) فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النّاسِ. ثُمَّ يُنْفَخُ فيه أخرى ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، [الزّمر، من الآية: ٦٨] . ثمّ يقال. يا أيّها النّاس! هلموا٣ إلى ربِّكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾، [الصّافات: ٢٤] ثمّ يقال٤: أخرجوا بعث النّار. فيقال: من كم؟ فيقال: من كلّ ألفٍ تسعمائة وتسعة وتسعين. قال:
_________________
(١) ١ "يلوط حوض إبله"، أي: يطينه ويصلحه. ٢ "كأنّه الطّلّ أو الظّلّ"، قال العلماء: الأصحّ: الطّلّ. وهو الموافق للحديث الآخر: "إنّه كمني الرّجال"، والشّكّ من الرّاوي: نعمان. ٣ في صحيح مسلم: "هلم" بالإفراد. ٤ في صحيح مسلم: "قال ثم يقال".
[ ١٨٢ ]
فذاك يومٌ ﴿يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾، [المزمل، من الآية: ١٧]، وذاك ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾، [القلم، من الآية: ٤٢] ١.
_________________
(١) ١ قال العلماء: معناه: يوم يكشف عن شدّة وهول عظيم، أي: يظهر ذلك، يقال: كشفت الحرب عن ساقها: إذا اشتدّت. وأصله: أنّ مَن جد في أمره كشف ساقه مشمرًا في الخفة والنّشاط له.
[ ١٨٣ ]