(١٥٨) ولِمسلم١ عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ: "تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ إِهَاب. أو يهَاب" ٢.
قال زُهَيْرٌ: قلت لسُهَيْلٍ: وكم٣ ذاك من الْمدينة. قال: كذا وكذا ميلًا.
(١٥٩) ولأبِي داود٤ عن ابن عمر. قال رسول الله
_________________
(١) ١ صحيح مسلم شرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب في سكنى المدينة وعمارتها قبل السّاعة ص: ٣٠. ٢ "تبلغ المساكن إهاب أو يهاب"، أمّا إيهاب فبكسر الهمزة. وأمّا يهاب فبياء مثناة تحت مفتوحة ومكسورة، والمشهور الأوّل، وهما اسم موضعٍ بقرب المدينة، يعني: أنّ المدينة تتوسع جدّا حتّى يصل مساكنها إلى ذلك الْموضع. ٣ في صحيح مسلم: "فكم ذلك". ٤ عون المعبود بشرح سنن أبي داود، ج ١١، كتاب الفتن، باب ذكر الفتن ودلائلها ص: ٣٢٠.
[ ٢٢٤ ]
ﷺ: "يوشِكُ١ الْمُسْلِمُون أن يُحَاصَرُوا إلى الْمدينة. حتّى يكون أبعد مسالِحهم سُلاحٌ" ٢.
قال الزّهريّ: وسلاحٌ قريب من خيبر.
(١٦٠) ولِمسلم٣: عن أبي هريرة: سمعت رسول الله – ﷺ- يقول:
_________________
(١) ١ "يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة"، يحاصروا بالبناء للمجهول، أي: يحبسوا ويلتجئوا إلى مدينة النَّبِيّ ﷺ لمحاصرة العدوّ إيّاهم، أو يفرّ المسلمون من الكفار ويجتمعون بين المدينة وسلاح، أو أنّ بعضهم دخل في حصن المدينة، وبعضهم ثبتوا حواليها احتراسًا عليها. ٢ "أبعد مسالحهم سلاح"، مسالح جمع مسلحة، وأصله: موضع السّلاح، ثم استعمل للثّغر، وهو المراد هنا، أي: أنّ أبعد ثغورهم هذا الموضع القريب من خيبر، وقد يستعمل لقوم يحفظون الثّغور من العدوّ، وسلاح بضم السّين وفتحها: موضع أسفل خيبر. ٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ٩، كتاب الحجّ، باب في المدينة حين يتركها أهلها ص: ١٦٠. وصحيح البخاري بشرح الفتح ج ٤، كتاب فضائل المدينة، باب مَن رغب عن الْمدينة، ص: ٨٩، مع اختلاف في اللّفظ.
[ ٢٢٥ ]
يَتْرُكُون الْمدينةَ علَى خَيْرٍ مَا كانت، لا يَغْشَاهَا إلاّ العوافي١ – يريد عوافي السِّباع والطّير- يَخرج٢ راعيان من مزينة، يريدان الْمدينة. يَنعَقَان٣ بغنمها، فيجدانِها
_________________
(١) ١ "لا يغشاها إلاّ العوافي"، العوافي، جمع عافية، وهي التي تطلب أقواتها، ويقال للذّكر: عاف. قال ابن الجوزي: "اجتمع في العوافي شيئان: أحدهما: أنّها طالبة لأقواتها من قولك: عفوت فلانًا أعفوه فأنا عاف والجمع: عفاة، أي: أثبت أطلب معروفه. والثّاني: من العفاء، وهو الموضع الخالي الذي لا أنيس به، فإنّ الطّير والوحش تقصده لأمنها على نفسها فيه. شرح الفتح. ٢ في صحيح مسلم: "ثم يخرج"، بزيادة: ثم وأمّا معنى الحديث: فالظّاهر المختار: أنّ هذا التّرك للمدينة يكون في آخر الزّمان عند قيام السّاعة، وتوضّحه قصة الرّاعيين من مزينة، فإنّهما يخران على وجوههما حين تدركهما السّاعة. وهما آخر مَن يحشر، كما ثبت في صحيح البخاري، وقد وقع عند مسلم بلفظ: "ثم يحشر راعيان". ٣ "ينعقان"، أي: يصيحان بغنمهما، فالنّعيق زجر الغنم.
[ ٢٢٦ ]
وحشًا١؛ حتّى إذا بلغا ثنيّةالوداع خرًّا على وجوههما٢.
(١٦١) وروى عمر بن٣ منبِّه عن سُلَيْمَانَ بن الوليد ابن مسلم عن ابن لَهيعة عن أبي الزّبير، عن جابر عن عمر يقول: أنّه سَمع رسول الله – ﷺ- يقول: "يَخْرجُ أَهلُ الْمدينة منها، ثمّ يَعُودُون إليها، فيعمرونَها حتّى تَمْتَلِئ. ثمّ يَخرُجون منها، فلا يَعُودُون إليها أبدًا ".
وله: من حديث أبي سعيد نحوه.
(١٦٢) وله٤: عن أبي هريرة. قال:
_________________
(١) ١ "فيجدانها وحشا"، قيل: معناه: يجدانها خلاء، أي: خلية ليس بها أحد. قال إبراهيم الحربي:"الوحش من الأرض: الخلاء، والصّحيح أنّ معناه: يجدانها ذات وحوش ويكون وحشًا بمعنى وحوشًا، وأصل الوحش: كلّ شيء توحش من الحيوان، وجمعه: وحوش، وقد يعبّر بواحده عن جميعه، كما في غيره". ٢ "خرا على وجوههما"، أي: سقطا ميتين. ٣ لم أنجده في الأصول التي بين أيدينا. ٤ لم نجده فيما بين أيدينا من أصول.
[ ٢٢٧ ]
والذي نفسي بيده لَيَكُونَنَّ بِالْمدينة مَلْحَمَةُ يُقَالُ لها الْحاَلِقَةُ، لا أقول: حَالقَةُ الشّعر، ولَكن حَالقَةُ الدِّين، فأخرجوا من الْمدينة ولو على قدر بريد".
(١٦٣) ولِمسلم١: عن أبي هريرة. قال رسول الله – ﷺ: "والّذي نَفسي بيده لا تَذْهَبَ الدُّنيا حتّى يَمُرَّ الرَّجُلُ على القبر، فَيَتَمَرَّغُ عليه، ويقول: يا ليتنِي كنت مكان هذا القبر، وليس به الدِّين إلاّ البلاء".
(١٦٤) وله٢: عنه. قال رسول الله – ﷺ:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨،كتاب الفتن، باب لا تقوم السّاعة حتّى يمر الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكان الميّت من البلاء، ص:٣٤. ٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، وأشراط السّاعة، الباب السّابق، ص: ٣٥. وصحيح البخاري بشرح الفتح، ج ٣، كتاب الحجّ، باب هدم الكعبة، ص: ٤٦٠.
[ ٢٢٨ ]
"يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْن١ من الْحَبَشَة".
(١٦٥) وللبخاري٢: عن ابن عبّاس: عن النّبيّ – ﷺ- قال: "كَأنِّي به أَسْوَدَ أَفْحَجَ٣ يَقْلَعُها حَجَرًا حَجرًا" ٤.
_________________
(١) ١ "ذو السّويقتين"، هما: تصغير ساقي الإنسان، قال القاضي: "صغّرهما لرقّتهما، وهي صفة سوق السّودان غالبًا، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾، [العنكبوت، من الآية: ٦٧]؛ لأنّ معناه: آمنًا إلى قرب القيامة وخراب الدّنيا، ولهذا وقع في رواية سعيد بن سمعان: "لا يعمر بعده أبدًا". وقد قيل: ذلك فيه من القتال وغزو أهل الشّام له إلى غير ذلك من الوقائع، وكلّ ذلك لا يعارض قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾، [العنكبوت، من الآية: ٦٧]، لأنّ ذلك إنّما وقع بأيدي المسلمين فهو مطابق لقوله ﷺ: "ولن يستحلّ هذا البيت إلاّ أهله"، فوقع ما أخبر به النَّبِيّ ﷺ، وهو من علامات نبوّته، وليس في الآية ما يدلّ على استمرار الأمن المذكور فيها". ٢ صحيح البخاري بشرح الفتح ج ٣، كتاب الحجّ، باب هدم الكعبة، ص: ٤٦٠. ٣ "أسود أفحج"، أفحج بوزن أفعل بفاء ثم حاء ثم جيم، والفحج: تباعد ما بين السّاقين. ٤ "حجرًا حجرًا"، حال، كقولك: بَوَّبْتُه بابًا بابًا.
[ ٢٢٩ ]
(١٦٦) وقال أبو١ عبيد: ثنا يزيد بن هرون عن هشام بن حسّان عن حفصة عن أبي العالية عن علي في حديث:
"اسْتَكْثِرُوا مِنَ الطَّوَافِ بِهَذا الْبَيْتِ قبل أن يُحَالَ بَيْنَكُم وَبَيْنَه، وكَأَنِّي برجلٍ من الْحَبَشَةِ أَصْعَل٢، أَصْحَم، حَمشَ السّاقَيْن٣. قاعد عَلَيها وهي تُهدِم".
قال الأصمعي: أصعل كذا يروى: فأمّا كلام الْعَرَب فهو: صعل. بغير ألفٍ. وهو صغير الرّأس.
_________________
(١) ١ ذكره ابن حجر في الفتح ج ٣، كتاب الحجّ، باب هدم الكعبة، ص: ٤٦١، نقلًا عن أبي عبيد في غريب الحديث بلفظٍ: "أصلع أو قال: أصْمع، وقال: ورواه الفاكهي من هذا الوجه بلفظٍ: أصعل بدل أصلع، وهو الموافق لما في المخطوطة. ٢ "أصعل"، الأصعل: الصّغير الرّأس، والأصمع: الصّغير الأذنين، والأصلع: مَن ذهب شعر مقدم رأسه. ٣ "حمش السّاقين"، حمش: بحاء مهملة، وميم ساكنة ثم معجمة، أي: دقيق السّاقين وهو موافق لرواية أبي هريرة السّابقة حديث رقم: (١٦٤) .
[ ٢٣٠ ]
(١٦٧) ولأبِي١ داود الطّيالسي عن أبي هريرة عن النّبيّ – ﷺ- قال:
"كَأَنِّي٢ يُبايعُ لِرَجُلٍ بينَ الرّكن والْمقَام، وأوّل من يستحلّ هذا البيت أهله، فإذا استحلّوه فلا تسأل عن هَلَكَةِ العرب، ثمّ تَجيء٣ الْحبشة فيُخَرِّبونه خرابًا، لا يعمر بعده، وهم الّذين يستخرجون كنْزه.
(١٦٨) ولِمسلم٤ عن جابر بن عبد الله، قال:
_________________
(١) ١ أبو داود الطّيالسي، الجزء العاشر، ص: ٣١٢، رقم الحديث: (٢٣٧٣)، الطّبعة الأولى طبعة الهند سنة: ١٣٣١هـ. وأوّل الحديث: "حدّثنا بن أبي ذئب، قال: أخبرني سعيد بن سمعان قال: سمعت أبا هريرة يحدّث أبا قتادة وهو يطوف بالبيت، فقال: قال رسول الله ﷺ: "يبايع لرجلٍ بين الرّكن والمقام " الحديث. ٢ لا توجد كلمة: "كأني في الطّيالسي". ٣ في الطّيالسي: "ثم يجيء" بالياء بدل التّاء. ٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكان الميّت من البلاء، ص: ٣٨.
[ ٢٣١ ]
يُوشِك١ أهل العراق ألاّ يُجْبَى إليهم قَفِيزٌ، ولا دِرْهَمٌ. قلنا: من أين٢؟ قال: من قبل الْعَجَم؟ يمنعون ذلك؟ ٣، ثمّ قال: يوشك أهل الشّام ألاّ يُجْبِى إليهم دينارٌ ولا مدي. قلنا: من أين ذلك؟ ٤. قال: من قبل الرّوم. ثمّ سكت٥ هنيّةً. ثمّ قال: قال رسول الله– ﷺ -:"يَكُونُ فِي آخر أُمَّتِي خليفةٌ يَحثُو٦ المالَ حثيًا.
_________________
(١) ١ "يوشك أهل العراق"، معناه: يسرع وقد سبق شرح ألفاظ الحديث في حدث رقم: (١٠١) . ٢ في صحيح مسلم: "من أين ذاك". ٣ في صحيح مسلم: "ذاك" بدل: ذلك. ٤ في صحيح مسلم: "ذاك" بدل: ذلك. ٥ "ثم سكت" في صحيح مسلم: "ثم أَسْكَتَ"، وذكر القاضي أنّهم ردّوه بحذف الألف كما في المخطوطة، وسكت وأسكت لغتان بمعنى: صمت. وقيل: أسكت بمعنى: أطرق. وقيل: بمعنى: أعرض. وقوله: هُنَيةً: فمعناها: قليلًا من الزّمان، وهو تصغير: هنة، ويقال: هنيهة أيضا. ٦ "يحثو المال حثيًا"، في رواية جابر هذه في صحيح مسلم: "يحثي"، بالياء، وفي رواية أبي سعيد عند مسلم: "يحثو المال حثيًا" ص: ٣٩، نفس الكتاب والباب، قال أهل اللّغة: يقال: حثيت أحثي حثيًا وحثوت أحثو حثوًا، لغتان، وقد جاءت اللّغتان في هذا الحديث. وجاء مصدر يحثي مع الفعل يحثو، وهو جائز من باب قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾، [نوح: ١٧] . والحثو: هو الحفن باليدين، وهذا الحثو الذي يفعله الخليفة يكون لكثرة الأموال والغنائم والفتوحات، مع سخاء نفسه.
[ ٢٣٢ ]
ولا يعُدُّه عدًّا"١.
قيل٢ لأبي نضرة وأبي العلا: تريان أنّه عمر بن عبد العزيز؟ قالا: لا.
(١٦٩) وله٣ عن أبي سعيد وجابر، قالا: قال رسول الله – صلّ الله عليه وسلّم:
"يَكُونُ فِي آخر الزَّمَانِ خَلِيفَةٌ، يقسم الْمَالَ، ولا يَعُدُّهُ".
_________________
(١) ١ "ولا يعدّه عدًّا"، في رواية جابر: "لا يعده"، بدون الواو، وما في المخطوطة موافق لرواية أبي سعيد في مسلم. وقوله: "عدًّا"، مخالف لكثيرٍ من النّسخ؛ إذ فيها: "عدوا". قال في المصباح: يقال: عددته عدًّا من باب قتل، والعدد بمعنى المعدود. وفي بعضها: عدا، فحينئذٍ يكون مصدرًا مؤكّدًا. ٢ في صحيح مسلم: "قال: قلت لأبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنّه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا.". ٣ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، نفس الباب ص: ٣٩.
[ ٢٣٣ ]