قِصَّةُ الْجَسَّاسَةِ
(١٣٢) وله١ في حديث فاطمة بنت قيس: فلما قضى رسول الله – ﷺصَلاُتَهُ جَلَس على المنبر – وهو يضحك- فقال: "ليَلْزَم كُلّ إِنْسَانٍ مُصَلاَّه". ثمّ قال: "أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُم؟ "، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "إِنِّي والله ما جَمَعْتُكُم لرَغَبِةٍ ولا لِرَهْبَةٍ، ولكن جَمَعْتُكُم، لأنّ تَميمًا الدّاري٢، كان رجلًا نَصْرَانِيًا، فجاء فَبَايَعَ وَأَسْلَم، وحدّثنِي
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب قصّة الجساسة، ص: ٨٠، وما بعدها، وفي سنن ابن ماجه، ج ٢، كتاب الفتن، باب فتنة الدّجّال، ص: ١٣٥٤. ٢ "لأنّ تميمًا الدّاري"، هذا معدود من مناقب تميم؛ لأنّ النَّبِيّ ﷺ روى عنه هذه القصة. وفيه: رواية الفاضل عن المفضول - ورواية المتبوع عن تابعه - وفيه قبول خبر الواحد.
[ ١٨٤ ]
حديثًا وافق الّذي كنت أحدِّثكم عن مسيح الدّجّال".
حدّثني: أنّه ركب فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مع ثلاثين رجلًا مِنْ لَخْم وجُذَمَ، فلعب بِهِمُ الْمَوجُ شهرًا فِي الْبَحر، ثُمّ أَرْفَؤُوا إلى جزيزة١ في البحر حين٢ مغرب الشّمس، فجلسوا في أقرب السّفينة٣، فدخلوا الجزيرة، فَلَقِيَتْهُم دَابَّةٌ أهلبٌ٤ كثير الشّعر، لا يدرون ما قبله مِنْ دُبُره، من كثرة الشّعر. فقالوا: وَيْلَكَ ما أنت؟ قالت٥: أنا الْجَسَّاسَةُ. قالوا: وما الْجَسَّاسَةُ؟ قالت:
_________________
(١) ١ "ثم ارفؤوا إلى جزيرة"، أي: التجأوا إليها، قال في اللّسان: أرفأت السّفينة إذا أدنيتها إلى الجدة، والجدّة: وجه الأرض أي: الشّطّ. ٢ في صحيح مسلم: "حتّى مغرب الشّمس". ٣ "فجلسوا في أقرب السّفينة"، الأقرب جمع قارب، على غير قياسٍ، والقياس: قوارب، وهي سفينة صغيرة تكون مع الكبيرة، كالجنيبة يتصرّف فيها ركاب السّفينة لقضاء حوائجهم. وقيل: أقرب السّفينة: أخرياتها وما قرب منها للنّزول. ٤ "أهلب"، الأهلب: غليظ الشّعر كثيره. ٥ في صحيح مسلم: "فقالت": والجساسة: سمّيت بذلك لتجسسها الأخبار للدّجّال.
[ ١٨٥ ]
أيها القوم! انطلقوا إلى هذا الرّجل في الدَّيْر؛ فإنّه إلى خبركم بالأشواق١.
قال: لمّا سَمَّت لنا رجلا ًَ فَرِقْنَا منها٢ أن تكون شيطانةً. قال: فانْطَلَقْنَا سِراعًا، حتّى دَخَلْنا الدَّيْرَ، فإذا فيه أعظم إنسانٍ٣ رأيناه قطُّ خَلْقًا. وأشدُّه وثَاقًا مَجموعة يداه إلى عنقه، ما بين رُكْبَتَيْهِ إلى كَعْبَيْه بالْحَديد٤. قلنا: ويلك! ما أنت؟ فقال٥: قد قدرتم على خبري. فَأَخْبِرُونِي ما أنتم؟ قالوا: نَحن من العرب، ركبنا في سفينةٍ بَحريَّةٍ، فصادفنا البحر
_________________
(١) ١ "فإنّه إلى خبركم بالأشواق"، أي: شديد الأشواق إلى خبركم. ٢ "فرقنا منها"، أي: خفنا. ٣ "أعظم إنسان"، أي: أكبره جثة، أو أهيب هيئة. ٤ "بالحديد" الباء متعلّق بمجموعة، "وما بين ركبتيه إلى كعبيه"، بدل: اشتمال من يداه. ٥ في صحيح مسلم: "قال".
[ ١٨٦ ]
حين اغْتَلَمَ١، فلعب بنا الموج شهرًا، ثمّ أَرْفَأْنَا إلى جَزِيْرَتِك هذه. فجلسنا في أقربِها؛ فدخلنا الْجزيرة، فَلَقِيَتْنا دابّةٌ أهلب كثير الشّعر، لا ندري٢ ما قبله من دبره من كثرة الشّعر. قلنا: ويلك! ما أنت؟ فقالت: أنا الْجَسَّاسَةُ. قلنا٣: وما الْجَسَّاسَةُ؟ قالت: اعمدُوا إلى هذا الرّجل في الدّير؛ فإنّه إلى خَبَرِكُم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعًا. وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانةً. قال٤: أخبروني عن نخل بيسان٥. قلنا: عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبِر؟ قال: [هل فيها ماءُ؟ قالوا: هي كَثِيْرَةُ الماء. قال] ٦: أسألكم عن نَخْلِها
_________________
(١) ١ "صادفنا البحر حين اغتلم"، أي: هاج وجاوز حدّه المعتاد. قال الكسائي: "الاغتلام: أن يتجاوز الإنسان ما حدّ له من الخير والمباح. ٢ في صحيح مسلم: "لا يدرى" بالبناء للمجهول. ٣ في صحيح مسلم: "فقلنا" بالفاء. ٤ في صحيح مسلم: "فقال" بالفاء. ٥ "نخل بيسان"، هي: قرية بالشّام. ٦ ما بين القوسين لا يوجد في مسلم، والظّاهر أنّه خطأ من النّاسخ.
[ ١٨٧ ]
هل يثمر؟ قلنا له: نعم. قال: أمّا إنّه يُوْشِكُ ألاّ يثمر. قال: أَخْبِرُونِي عن بًحَيْرَة الطَّبَريّة١. قلنا: عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أمَا إن ماءها يوشك أن يذهب. قال: أخبروني عن عين زَغَرَ٢. قالوا: عن أيِّ شأنها تَسْتَخْبِرُ؟ قال: هل في العين ماءٌ؟ وهل يَزْرَعُ أهلها بماء ذلك٣ العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الأُمَّتَيْن. ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكّة ونزل بيثرب٤. قال: قاتله٥ العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صَنَعَ بِهُم؟ فَأَخْبَرْنَاه أنّه قد ظهر على من يليه من
_________________
(١) ١ "بحيرة الطّبرية"، هي: بحر صغير معروف بالشّام. ٢ "عين زغر"، هي: بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشّام. ٣ في صحيح مسلم: "بماء العين" بدون اسم الإشارة. ٤ في صحيح مسلم: "ونزل يثرب"، بدون الجارّ. ٥ في صحيح مسلم: "أقاتله" بهمزة الاستفهام لفظًا.
[ ١٨٨ ]
العرب وأطاعوه. قال١: قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إنّ ذلك٢ خير لهم أن يطيعوه، وإنِّي مخبركم عنِّي: إنِّي أنا المسيح الدّجّال٣، وإنِّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فَأَسِيْر في الأرض، فلا أدع قرية إلاّ هَبَطتها في أربعين ليلة، غير مكّة وطيبة٤، فهما مُحَرَّمَتَان عليّ، كلتاهما كلّما أرادت أن أدخل واحدة منهما٥، اسْتَقْبَلَنِي ملك بيده السّيف صلتًا٦ يصدّني عنها، وأنّ على كلّ نقب منها ملائكة يَحْرُسُونَها. قال٧ رسول الله - ﷺ- وطعن بمخصرته في المنبر "هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ"، يَعْنِي: المدينة. "ألا هلْ كنْتُ حَدَّثْتُكم ذلك؟ ".
_________________
(١) ١ في صحيح مسلم لا توجد: "قال الأولى". ٢ في صحيح مسلم: "أما إنّ ذاك"، بدون اللام. ٣ في صحيح مسلم لا توجد كلمة: "الدّجّال". ٤ "طيبة" هي: المدينة، ويقال لها أيضًا: طابة. ٥ في صحيح مسلم: "أن أدخل واحدة أو واحد منهما". ٦ "صلتا" بفتح الصّاد وضمّها، أي: مسلولًا. ٧ في صحيح مسلم: "قالت: قال رسول الله ﷺ.
[ ١٨٩ ]
فقال النّاس: نعم. "فإنّه أعْجَبَنِي حديث تَمِيم: لأنّه١ وفق الّذي كنتحدّثتكم٢ عنه وعن المدينة ومكّة ألا إنّه في بحر الشّام، أو بَحْر الْيَمَن؛ لا بل من قبل الْمَشْرِق، ما هو، من قبل٣الْمَشْرِقِ ما هو، من قبل الْمَشْرِقِ ما هو، وأومأ بيده إلى الْمَشْرِقِ قالت: فحفظت هذا من رسول الله– ﷺ.
(١٣٣) وله٤ عن أنس. قال رسول الله– ﷺ:
"ما من٥ بلدٍ ألاّ سَيَطَؤُهُ الدّجّال إلاّ مكّة والْمدينة
_________________
(١) ١ في صحيح مسلم: "أنّه وافق" بدون اللام. ٢ في صحيح مسلم: "كنت أُحَدِّثُكم عنه". ٣ "ما هو" قال القاضي: "لفظة: ما هو، زائدة، صلة للكلام ليست بنافية: والمراد إثبات أنّه في جهات المشرق. ٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج١٨،كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص: ٨٥. وصحيح البخاري بشرح الفتح ج ٩، ص: ٩٥، مع اختلاف في اللّفظ. ٥ في صحيح مسلم: "ليس من بلدٍ".
[ ١٩٠ ]
وليس نقب من نقابها١، إلاّ عليه الملائكة صافين تحرسها، فينْزل بِالسَّبْخَة٢، فترجف المدينة ثلاث رَجْفَاتٍ يَخرج٣ إليه منها كلّكافرٍ ومُنَافِقٍ".
وفي لفظٍ٤: فيأتي سَبْخَةَ الْجُرُفِ فَيَضرب رواقةُ٥.
(١٣٤) وله٦ عنه أنّ رسول الله – ﷺقال:
"يتبع الدّجّال من يَهُود أَصْبَهَان، سبعون ألفًا. عليهم الطَّيَالِسَة"٧.
_________________
(١) ١ في صحيح مسلم: "من أنقابها". ٢ بالسّبخة، في القاموس: السّبخة: محركة ومسكنة، أرض ذات نزّ وملح. ٣ في صحيح مسلم: "يخرج إليه منها كل كافرٍ ومنافقٍ" بالبناء للمعلوم. ٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، نفس الصّفحة. ٥ "فيضرب رواقه"، أي: يَنْزل هناك، ويضع ثقله. ٦ صحيح مسلم بشرح النّووي نفس الصّحيفة. ٧ "الطّيالسة" جمع طيلسان، والطّيلسان أعجمي معرَّب، قال في معيار اللّغة: ثوب يلبس على الكتف، يحيط بالبدن ينسج للبس، خالٍ من التّفصيل والخياطة.
[ ١٩١ ]
(١٣٥) وله١ عن أم شريك أنّها سمعت رسول الله – ﷺ- يقول:
"لَيَفِرَّنَّ النّاسُ من الدّجّال في الْجبال"، قالت: يا رسول الله! فأين الْعَرَبُ يومئذٍ؟
قال: "هُمْ قَلِيلٌ".
(١٣٦) وله٢ عن عمران سَمِعتُ رسولَ الله – ﷺ- يقول:
"ما بَيْنَ خَلْق آدم إلى قيام السّاعة خلق أكبر من الدّجّال"٣.
(١٣٧) وله٤ عن أنس قال رسول الله – ﷺ:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن، ص: ٨٦. ٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨،كتاب الفتن وأشراط السّاعة، ص:٨٦. ٣ "خلق أكبر من الدّجال"، أي: أكبر فتنةً وأعظم شوكة. ٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة باب ذكر الدّجّال ص: ٥٩.
[ ١٩٢ ]
"ومَا من نَبِيٍّ إلاّ وقد أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ ألا إنّه أعورُ – وإنّ ربّكم – عزّ وجلّ١ – ليس بأعور، ومكتوبٌ بَيْنَ عينيه: ك. ف. ر".
وفي روايةٍ٢: بعد الْحُرُوفِ: أي: كَافرٌ.
وفي رواية٣: ثمّ تَهَجَّاهَا: ك. ف. ر. "وَيَقْرَؤُهُ كل مسلم"٤.
_________________
(١) ١ لا توجد هذه الجملة في صحيح مسلم. ٢ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن، وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال ص: ٥٩. ٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب ذكر الدّجّال، ص: ٦٠، ولفظ الحديث: "الدّجّال ممسوح العين، مكتوب بين عيْنيه كافر"، ثم تهاجاها الحديث. ومعنى ممسوح العين: الممسوحة هي الطّافئة بالهمزة التي لا ضوء فيها، وهي أيضًا موصوفة في الرّواية الأخرى بأنّها ليست مجراء ولا ناتئة. والصّحيح الذي عليه المحقّقون: أنّ هذه الكتابة على ظاهرها، وأنّها كتابة حقيقية، جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بفكره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكلّ مسلمٍ، كاتب وغير كاتبٍ، ويخفيها عمَن أراد شقاوته وفتنته ولا امتناع في ذلك. ٤ في صحيح مسلم: "يقرؤه كلّ مسلم" بدون الواو.
[ ١٩٣ ]
(١٣٨) وله١ عن حذيفة: قال رسول الله – ﷺ:
"الدّجّالُ أَعْورُ الْعَيْن الْيُسَرَى، جُفَالُ الشَّعَر٢، معه جَنَّةٌ ونَارق" ٣.
(١٣٩) وله٤ عنه قال رسول الله– ﷺ:
لأنا أعلم مع الدّجّال منه. معه نَهْرَان يَجْرِيَان؛ أحدهما رأي العين، ماء أبيض، والآخر رأي العين
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجال، ص: ٦٠، ٦١. ٢ "جفال الشّعر"، أي: كثيره. ٣ تتمة الحديث في صحيح مسلم: "فناره جنة، وجنته نار". قال العلماء: هذا من جملة فتنة، امتحن الله تعالى به عباده، ليحق الحقّ ويبطل الباطل، ثم يفضحه ويظهر للنّاس عجزه. ٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، بنفس الباب ص: ٦١.
[ ١٩٤ ]
نارٌ تَأَجَّجُ. فإمّا أدركن أحد١. فليأت النّهر الّذي يراه٢ نارًا، ولْيُفَصِحَنَّ، ثُمَّ ليُطَأْطِيءْ رأسه فَيَشْرَبَ منه؛ فإنّه ماء بارد، وإنّ الدّجّال ممسوح العين. عليها ظَفرَةٌ غَلِيظَةٌ٣ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عينيه كافرٌ. يَقْرؤُه كل مؤمن، كاتبٌ وغير كاتبٍ.
(١٤٠) وله٤ عن أبي هريرة. قال رسول الله ﷺ:
"ألا أُخْبِرُكُم عن الدّجّال حديثًا ما حدّثه نَبِيٌّ قومه: إنّه أَعْوَرُ، وإنّه يَجِيءُ معه مثل الجنّة والنّار، فالتي
_________________
(١) ١ "فإمّا أدركن أحد"، هكذا هو في أكثر النّسخ "أدركن"، وفي بعضهم: "أدركه"، وهذا الثّاني ظاهر، وأمّا الأوّل: فغريب من حيث العربية؛ لأنّ هذه النّون لا تدخل على الفعل الماضي. ٢ "يراه" بفتح الياء وضمّها. ٣ "ظفرة غليظة"،هي جلدة تغشي البصر، وقال الأصمعي: لحمة تنبت عن المآقي. ٤ صحيح مسلم بشرح النّووي ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال، ص: ٦٢، ٦٣.
[ ١٩٥ ]
يقول إنّها الْجنّة، هي النّار. وإنِّي أنذركم١ كما أنذر به نوح قومه".
(١٤١) وله٢ عن نافع:
"ألاَ إنّ المسيح الدّجّال أعور العين اليمنى؛ كَأَنَّ عينه عنبة طَافِئَةٌ"٣.
(١٤٢) وله٤ عن أبي سعيد قول ابن صَيَّادٍ له:
_________________
(١) ١ في صحيح مسلم: "وإنّي أنذرتكم به". ٢ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن أشراط السّاعة، باب ذكر الدّجّال ص: ٥٨، ٥٩. ولفظ الحديث: عَن نَافِع عَن ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذَكَرَ الدَّجَّالَ بَيْن ظَهْرانِي النَّاسِ فَقَالَ: "إنّ الله تعالى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلاَ وَأَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الحديث". ٣ "كأنّ عينه عنبة طافئة"، أمّا طافئة: فرويت بالهمز وتركه، وكلاهما صحيح. فالمهموزة هي التي ذهب نورها، وغير المهموزة التي نتأت وطفت مرتفعة وفيها ضوء. والعور في اللّغة: العيب، وعيناه معيبتان عوراوان، وإنّ إحداهما طافئة (بالهمزة) لا نور فيها، والأخرى طافية (بلا همز) ظاهرة ناتئة. ٤ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد ص: ٥٠.
[ ١٩٦ ]
أَلَسْتَ سَمِعْتَ رسولَ الله – ﷺ- يقول:
"إنّه لاَ يُولَدُ لَه؟ "، قلت: بلى. قال: فقد ولد لي. أو ليس سَمِعتَ رسولَ الله – ﷺيقول: "لا يدخل الْمدينةَ ولا مكّة"؟ قلت: بلى. قال: فقد وُلدتُ بِالْمَدينة، وهَأَنَا أريد مكّة١. ألم٢ يقل نَبِيُّ الله – ﷺ-: "إِنّه يَهُودِي"، وقد أسلمت؟ الخ.
_________________
(١) ١ في صحيح مسلم: "وهذا أنا أريد مكّة". وتتمة هذه الرّواية عند مسلم بعد لفظ: أريد مكّة: "قال: ثُمَّ قال في آخر قولِهِ: أَمَا الله إِنِّي لأعْلَمُ مَوْلِدَهُ وَمَكَانَه، وَأَيْنَ هُوَ؟ قال: فَلَبِسَني"، ومعنى: لبسنِي بالتخفيف؛ جعلني ألتبس في أمره وأشكّ فيه. ٢ ألم يقل نَبِيّ الله ﷺ: "إنّه يهودي"، هذا اللّفظ من رواية أخرى عند مسلم عن أبي سعيد أيضًا في نفس الصّفحة ونصّها: (عن أبي سعيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: لي ابْن صائد - وأخذَتْنِي مِنْهُ ذَمَامَةٌ، هذا عَذَرْتُ النَّاسَ، مَا لي وَلَكُم يا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ؟ أَلَمْ يَقُلْ نَبِيُّ الله ﷺ: "إنّهُ يَهُودِيٌّ؟ "، وقد أَسْلَمْتُ. قال: "وَلاَ يُولَدُ لَهُ"، وقد وُلِدَ لِيَ، وقال: إِنّ الله حَرَّم عَلَيهِ مَكَّة" وقَدْ حَجَجْتُ، قال: فَمَا زَالَ حَتَّى كّادَ أن يَأْخُذَ فِيَّ قَوْلُهُ. قال: فَقَالَ لَهُ، أَمّاَ والله إِنِّي لأعْلَمُ الآن حَيْثُ هُوَ وَأَعْرَفُ أباهُ وَأُمُّهُ. قال: وقيل لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ الرَّجُلُ؟ قال: فَقَال: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ". وذمامة: بذال معجمة مفتوحة ثم ميم مخفّفة، أي: حياء وإشفاق من الذّمّ واللّوم. ومعنى: "حتّى كاد أن يأخذ في قوله"، بتشديد ياء فيَّ. وقوله: مرفوع، وهو فاعل يأخذ، أي: يؤثّر فيَّ وأصدقه في دعواه.
[ ١٩٧ ]
(١٤٣) وله١ قول حَفْصَةَ لابن عمر: ما تريد إليه؟ ألم تعلم أنّه قد قال:
"إنَّ أَوَّلَ مَا يَبْعَثُهُ على النّاس غَضَبٌ يَغْضَبُهُ".
(١٤٤) وله٢ عن أبي الدّرداء، أنّ نبيّ الله – ﷺقال:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر ابن صياد، ص: ٥٨. قالته أم المؤمنين - حفصة ﵂ لعبد الله بن عمر - تذكيرًا له، وقد فعل مع ابن صياد ما أغضبه. انظر الحديث بأكمله في مسلم. ٢ صحيح مسلم، بشرح النّووي، ج ٦، فضل سورة الكهف ص: ٩٢.
[ ١٩٨ ]
"مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ١ مِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ من الدّجّال ".
وفي رواية٢: "مِنْ آخر الْكَهْفِ".
(١٤٥) وله٣ عن عمرو بن ثابت: عن الصّحابة مرفوعًا:
"تَعَلَّمُوا٤ أَنَّه لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِّنْكُم رَبَّه حَتَّى يَمُوتَ".
_________________
(١) ١ في صحيح مسلم: "مَن حفظ عشر آيات من أوّل سورة الكهف) بزيادة لفظ: أوّل. ٢ ذكرها النّووي في شرحه للحديث السّابق ج ٦، ص: ٩٣. قيل: سبب ذلك ما في أوّلها من العجائب والآيات، فمَن تدبّرها لم يفتن بالدّجّال، وكذا في آخرها قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾، [الكهف، من الآية: ١٠٢] . ٣ صحيح مسلم بشرح النّووي، ج ١٨، كتاب الفتن، باب ابن صياد، ص: ٥٥، والرّاوي للحديث عمر ثابت، لا عمرو، ولفظ الحديث: أنّ رسول الله ﷺ قال يوم حَذَّرَ النَّاسَ الدَّجَّالَ: "أنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ مَن كَرِهَ عَمَلَهُ، أو يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وقال: تَعَلَّمُوا أنَّهُ " الحديث. ٤ "تعلَموا"، اتّفق الرّواة على ضبط تعلموا بفتح العين واللام المشدّدة، قالوا: ومعناه: اعلموا. (وبعدها كلمة مطموسة) .
[ ١٩٩ ]
(١٤٦) وله١ عن ابن عمر عن النّبيّ – ﷺقال:
"لتقاتلنّ اليهود، فَلْتَقْتُلَنَّهم حتّى يقول الْحَجَرُ: يا مسلم! هذا يَهُودِيٌّ، فتعال فَاقْتُلْهُ".
وفي رواية: "إلاّ الْغَرْقَدَ٢؛ فَإِنَّهُ من شجر اليهود". رواه من حديث أبي هريرة.
(١٤٧) وقال ابن ماجه٣: ثنا عليُّ بن محمّد ثنا عبد الرّحمن الْمَحَارِبِيّ عن إسْمَاعيلَ بن رافعٍ أبي رافعٍ، عن أبي عمرو الشّيبانِي – زرعة٤، عن أبي أُمَامة٥.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النّووي، كتاب الفتن، ج ١٨، باب لا تقوم السّاعة حتّى يمرّ الرّجل بقبر الرّجل فيتمنّى أن يكون مكانه، ص: ٤٤. ٢ "الفرقد"، نوع من شجر الشّوك، معروف ببلاد بيت المقدس. وقال أبو حنيفة الدّينوري: إذا عظمت العوسجة صارت غرقدة. ٣ سنن ابن ماجه، ج ٢، كتاب الفتَن، باب فتنة الدّجّال، ص: ١٣٥٩، وما بعدها، ٤ في سنن ابن ماجه: عن أبي زرعة الشّيباني، يحيى بن أبي عمر. ٥ في سنن ابن ماجه: "عن أبي أمامة الباهلي".
[ ٢٠٠ ]
قال: خطبنا رسول الله – ﷺ- فكان أكثر خطبته حديثًا حدّثناه١ وحذرناه، وكَانَ مِنْ قوله أنّ قال: "إنّه لَمْ تَكُن٢ فِتْنَةٌ فِي الأرض مُنْذُ ذَرَأَ الله آدم - صلّى الله عليه وسلّم٣- أعظم من فِتْنَةِ الدَّجَّال، وإنّ الله ﷿ ـ٤ لم يبعث نبيًّا إلاّ حذّر أمّته الدّجّال. وأنا آخر الأَنْبِيَاء. وأنتم آخر الأمم، وهو خارج عليكم٥ لا مَحَالَة؛ فإن٦ يَخرج وأنا بَيْن ظَهْرانَيْكم فأنا حجيجُ كلِّ مسلم٧، وإن يَخرج من بعدي فكلٌّ حجيجٌ بنفسه٨، والله خليفتِي على كلّ مسلم، وإنّه يَخرج من خلّة بين الشّام والعراق، فَيعيثُ يَمِينًا ويَعِيث
_________________
(١) ١ في سنن ابن ماجه: "حدّثناه عن الدّجّال". ٢ في سنن ابن ماجه: "إنّه لم تكن فتنة"، بالتّاء بدل الياء. ٣ في سنن ابن ماجه: "منذ ذرأ الله ذريّة آدم". ٤ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه. ٥ في سنن ابن ماجه: "وهو خارج فيكم". ٦ في سنن ابن ماجه: "وإن يخرج" بالواو. ٧ في سنن ابن ماجه: "فأنا حجيج لكّ مسلمٍ". ٨ في سنن ابن ماجه: "فكلّ امرئٍ حجيج نفسه".
[ ٢٠١ ]
شَمالًا. يا عباد اللهَ! أيّها النّاس١! فاثبتوا؛ فإنِّي سَأَصِفُهُ لكم صِفَةً. لَمْ يَصِفْهَا إِيَّاه نَبِيُّ قبلي إنّه يبدأ فيقول: أنا نِبِيٌّ وإنه لا نَبِيَّ بعدي٢. ثمّ يَنْثَنِي٣ فيقول: أنا ربّكم ولا ترون ربّكم حتّى تَمُوتوا، وإنّه أعور. وإنّ ربّكم – ﷿٤ ليس بأعور، وإنّه مكتوبٌ بَيْن عينيه: كافرٌ، يقرؤه كلّ مُؤْمِنٍ: كاتبٌ وغير كاتبٍ٥، وإنّ مِن فِتْنَته أنَّ مَعَهُ جَنَّةً ونارًا٦، فَمَنْ ابْتُلِيَ بِنَارِهِ فَلْيَسْتَعِذْ٧ بالله، وليقرأ فَوَاتِيحَ الْكَهف؛ فتكون عليه بردًا وسلامًا. كما كانت٨ على إبراهيم – ﵇–٩ وإنّ مِنْ فِتْنَته: أنْ يقُولَ لأعْرَابِيٍّ:
_________________
(١) ١ لا توجد جملة: "أيها النّاس"، في سنن ابن ماجه. ٢ في سنن ابن ماجه: "ولا نَبِي بعدي"، بدون لفظ: إنّه. ٣ في سنن ابن ماجه: "ثم يثني فيقول". ٤ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه. ٥ في سنن ابن ماجه: "كاتب أو غير كاتبٍ)، بأو بدل الواو. ٦ في سنن ابن ماجه: "بعد هذه الجملة: "فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُه نارٌ". ٧ في سنن ابن ماجه: "فليستغث". ٨ في سنن ابن ماجه: "كما كانت النّار على إبراهيم". ٩ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
[ ٢٠٢ ]
أَرَأَيْتَ إن بَعَثت لك أَبَاكَ وأُمُّكَ، أَتَشْهَدُ أنِّي ربُّك؟ فيقول: نَعَم. فَيَمْثُل١ له شيطانان في صورة أبيه وأمِّه، فيقولان: يا بُنَيّ! اتَّبِعهُ، فإنّه ربّك. وإنّ من فتنته أن يسلِّط على نفسٍ واحدةٍ يقتلها ينشرها بِالْمِنْشَار٢؛ حتّى يُلْقَي شَقَّتَيْن، ثُمّ يقول: انظروا إلى عبدي: فإنّه أبعثه الآن٣، ثمّ يَزْعمُ أن له ربًّا غيري. فبعثه الله تعالى فيقول له الخبيث: من ربّك فيقول: ربِّي الله، وأنت عدو الله، أنت الدّجّال، والله ما كنت بعد أشدّ بصيرة بك منِّي الْيَومَ".
قال أبو الحسن الطَّنَافَسِي: فحدثنا الْمَحَارِبِي. ثنا عبيد الله بن الوليد الوصّافيّ عن عطيّة عن أبي سعيد قال: قال رسول الله – ﷺ: "ذلك الرَّجُلُ أَرْفَعُ أُمَّتِي دَرَجَةً فِي الْجَنَّة ".
_________________
(١) ١ في سنن ابن ماجه: "فيتمثل له شيطانان". ٢ في سنن ابن ماجه: "فيقتلها وينشرها بالمنشار". ٣ في سنن ابن ماجه: "انظروا إلى عبدي هذا، فإنّي أبعثه الآن".
[ ٢٠٣ ]
قال أبو سعيد: ما كنّا١ نُرَى ذلك الرّجل إلاّ عُمر ابن الخطّاب – رضي الله عنه٢ – حتّى مضى لسبيله.
قال الْمحاربيّ: ثمّ رجعنا إلى حديث أبي رافع قال:
وإنّ مِنْ فِتْنَته أَن يَأْمُرَ السَّمَاءَ أنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، ويَأْمُرَ الأرضَ أنْ تُنْبِتَ فَتَنْبِتَ.
وإنّ من فتنته أن يَمُرَّ بِالْحَيِّ فَيكَذِّبُوهُ٣، فَلاَ تَبقَى لَهُم سَائمَةٌ إِلاَّ هَلَكَت.
وَإِنَّ مِن فِتْنَتِهِ أَن يَمُرَّ بِالْحَيِّ فيصدِّقوه٤، فيَأْمُرُ السّماءَ أَنْ تُمْطرِ فَتُمطر، والأرض٥ أن تُنْبت فَتُنْبت؛ حتّى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت
_________________
(١) ١ في سنن ابن ماجه: "والله ما كنا نرى"، بزيادة القسم. ٢ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه. ٣ في سنن ابن ماجه: "وإن من فتنته أن يمر بالحيّ فيكذبونه! ". ٤ في سنن ابن ماجه: "فيصدّقونه" بالنّون. ٥ في سنن ابن ماجه: "ويأمر الأرض".
[ ٢٠٤ ]
وأعظمه، وأمّده خواصر، وأدرّه ضروعًا، وإنّه لا يبقى شيء من الأرض إلاّ وَطِئَه وَظَهَر عليه إلاّ مكّة والْمدينة؛ فإنّه لا١ يَأْتِيهما من نَقْبٍ مِنْ نقَابِهما إلاّ لَقِيَتْهُ الْمَلائكةُ بالسُّيُوفِ صَلْتَةً٢؛ حتّى يَنْزِلَ عند الظّريب٣ الأَحْمَر، عند منْقَطَع السَّبْخَة٤. فَتَرجفُ٥ الْمَدينة بأهلها ثلاث رَجْفَاتٍ، فلا يَبْقَى منافقٌ، ولا مُنَافِقَةٌ إلاّ خَرج إليه فَتَنْفِي الْخَبَثَ٦ منها كما ينفي الكيْرُ خَبَثَالْحديدِ، ويدعى ذلك اليوم يوم الْخَلاَص".
_________________
(١) ١ في سنن ابن ماجه: "لا يأتيهما من نقب"، بدون لفظ: فإنّه، والنّقب: الطّريق بين جبلين. ٢ "صلته"، أي: مجرّدة، يقال: أصلت السّيف، إذا جرّده من غمده، وضربه بالسّيف صَلْتًَا وصُلْتًا. ٣ "الظّريب"، تصغير ظربٍ، بوزن كتف، والظّراب: الجبال الصّغار. ٤ "السّبخة"، هي: الأرض التي تعلوها الملوحة، ولا تكاد تنبت إلاّ بعض الشّجر. ٥ "فترجف"، أصل الرّجف: الحركة والاضطراب، أي: تتزلزل وتضطرب. ٦ "الخبث" هو: ما تلقيه النّاس من وسخ الفضّة والنّحاس وغيرهما إذا أُذيبا.
[ ٢٠٥ ]
فقالت أم شريك بنت أبي العَكَر: يا رسول الله! فأين العرب يومئذ؟ قال: "هُمْ قَلِيلٌ، وجلّهم ببيت المقدس، وإمامهم رجلٌ صالحٌ، قد١ تقدّم يصلِّي بِهم الصّبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم الصّبح. فرجع ذلك الإمام ينكص٢: يمشي الْقَهْقَرَى، ليتقدّم عيسى – ﵇٣ يصلِّي بالنّاس. فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثمّ يقول له: تقدّم فصلِّ. فإنّها لك أقيمت. فيصلِّي بهم إمامهم. فإذا انصرف، قال عيسى – ﵇- افتحوا الباب، فيفتح، ووراءه الدّجّال، معه سبعون ألف يهوديٌّ. كلّهم ذو سيف محلّى وساجٍ٤؛ فإذا نظر إليه الدّجّال ذاب
_________________
(١) ١ في سنن ابن ماجه: "فبينما إمامهم قد تقدّم يصلّي بهم". ٢ "ينكص" النّكوص: الرّجوع إلى الوراء، وهو القهقري. ٣ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه. ٤ "وساج" السّاج: هو الطّيلسان الأخضر، وقيل: الطّيلسان المقور، ينسج كذلك.
[ ٢٠٦ ]
كما يذوب الملح في الماء، وانطلق١ هاربًا، ويقول عيسى – ﵇: إنّ لي فيك ضربة لن تَسبِقَنِي بها٢، فيدركه عند باب لُدٍّ٣ الشّرقي فيقتله، ويهزم الله اليهود، ولا يبقى شيء٤ ممّا خلق الله يتوارى به يهوديٌّ إلاّ أنطق الله ذلك الشّيء، لا حجر ولا شَجَر ولا حَائِطَ ولا دَابَّة "إلاّ الْغَرْقَدَ فَإنَّه مِنْ شَجَرِهم لا ينطق) ٥ إلاّ قال: يا عبد الله المسلم! هذا يهوديٌّ؛ فتعال فأقتله" ٦.
قال رسول الله – ﷺ:
"وإنَّ أَيَّامَهُ
_________________
(١) ١ في سنن ابن ماجه: "وينطلق هاربًا" بالمضارع. ٢ "لن تسبقنِي بها"، أي: لن تفوّتها عليَّ. ٣ في سنن ابن ماجه: "باب اللّدّ الشّرقي"، في النّهاية: لدّ، موضع بالشّام، وقيل: بفلسطين. ٤ في سنن ابن ماجه: "فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيءٌ"، بالفاء في الجملتين. ٥ في سنن ابن ماجه: "إلاّ الغرقدة، فإنّها من شجرهم لا تنطق". بالتّأنيث. والغرقدة: هو ضرب من شجر العضاة وشجر الشّوك. ٦ في سنن ابن ماجه: "فتعال اقتله" بدون الفاء مع لفظ: اقتله.
[ ٢٠٧ ]
أربعون سنة، السّنة كنصف السّنة، والسّنة كالشّهر، والسّنة١ كالْجمعة. وآخر أيّامه كالشَّرَرَةِ٢، يصبح أحدكم على باب الْمدينة، فلا يبلغ بابها الآخر حتى يُمْسِيَ"، فقيل له: يا رسولَ الله! كيف نصلِّي في تلك الأيّام القِصَار؟ قال: "تُقَدِّرُون فيها الصّلاةَ، كما تُقَدِّرُونَها في هذه الأيام الطِّوال، ثُمّ صَلُّوا".
قال رسول الله – ﷺ:
"فَيَكُونُ عيسى٣ – ﵇ – في أمّتي حكمًا٤ عدلًا، وإمامًا مُنْشِطًا: يَدُقُّ٥ الصَّلِيبَ، ويَذْبَحُ الْخِنْزِيرَ٦
_________________
(١) ١ في سنن ابن ماجه: "والشّهر كالجمعة". ٢ "كالشّررة": واحدة الشّرر، وهو ما يتطاير من النّار. ٣ في سنن ابن ماجه: "فيكون عيسى بن مريم ﵇". ٤ "حكمًا أي: حاكمًا بين النّاس ومقسطًا"، أي: عادلًا في الحكم. ٥ يدقّ الصّليب، أي: يكسره بحيث لا يبقى من جنس الصّليب شيءٌ. ٦ "ويذبح الخنْزير"، أي: يحرم أكله أو يقتله بحيث لا يوجد في الأرض ليأكله أحدٌ، والحاصل أنّه يبطل دين النّصارى.
[ ٢٠٨ ]
ويضع الْجِزْيَةَ١. ويَتْرُكُ الصَّدَقَةَ٢، فلا يسعى على شارةٍ ولا بعير، وتُرْفَعُ الشَّحنَاءُ والتَّبَاغُض، وتَنْزع حمَة٣ كلِّ ذات حمة، حتّى يدخل الْوليد يده في الْحَيَّة، فلا تضرّه، وتُفرُّ٤ الوليدة الأسد، فلا يضرها، ويكون الذِّئب في الغنم كأنّه كلبها. وتُمْلأُ الأرض مِنَ السِّلْمِ كَمَا يُمْلأُ الإِنَاءُ من الْمَاءِ، وتكون الْكَلْمَةُ واحِدَةً، فلا يعبد إلاّ الله، وتَضَعُ الْحَربُ أَوْزَارَها، وتُسْلَب قريشٌ ملْكَها، وتكون الأرض كَفَاثُور٥ الفضّة، تنبت نباتها بعهد آدم – ﵇ ـ٦
_________________
(١) ١ "ويضع الجزية"، أي: لا يقبلها من أحدٍ من الكفرة، بل يدعوهم إلى الإسلام. ٢ "ويترك الصّدقة"، أي: الزّكاة، لكثرة الأموال، فلا يسعى. قال في النّهاية: أي: يترك زكاتها فلا يكون لها ساعٍ. ٣ "حمة" بالتّخفيف: السّمّ، ويطلق على إبرة العقرب للمجاورة؛ لأنّ السّمّ منها يخرج. ٤ "وتفرّ" أي: تحمله على الفرار. ٥ "كفاثور الفضّة"،الفاثور: الخوان، وقيل: هو طست أو جام من فضّةٍ أو ذهبٍ. ٦ لا توجد هذه الجملة في سنن ابن ماجه.
[ ٢٠٩ ]
حتّى يَجْتَمِعَ النَّفَر على الْقِطف١ من الْعِنَب فَيشْبعَهُم، ويَجْتَمِع النَّفَر على الرُّمَّانَة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا: من المال، وتكون الَفَرس بالدُّرَيْهِمَاتِ".
قيل: يا رسول الله! وما يرخص الفرس؟ قال:
"لا تركَب لِحَرٍب أَبَدًا" فقيل له: وما٢ يغلي الثّور؟ قال: "تُحرثُ الأرض كُلُّها. وإنَّ قبلَ خُروجِ الدّجّال ثلاثَ سَنَواتٍ شِدَاٍد، يصيب النّاس فيها جُوعٌ شَدِيدٌ، فيأمر٣ الله السّماء في السّنة الأولى أن تَحْبِسُ ثُلُثَ مَطَرِها، ويأمر الأرض أن٤ تَحْبِسُ ثُلُثَ نَبَاتِها، ثُمّ يأمر الله السّماء في السّنة الثّانية٥، فتَحْبِسُ ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتَحْبِسُ ثلثي نباتِها، ثمّ يأمر الله السّماء في السّنة
_________________
(١) ١ "القطف" العنقود، وهو اسم لكلّ ما يقطف. ٢ في سنن ابن ماجه: "فما يغلي" بالفاء. ٣ في سنن ابن ماجه: "يأمر الله السّماء"، بدون الفاء. ٤ في سنن ابن ماجه: "ويأمر الأرض فتحبس" بدون لفظ أن. ٥ في سنن ابن ماجه: "ثم يأمر السّماء في الثّانية) بدون لفظي: الله، السّنة.
[ ٢١٠ ]
الثّالثة، فتَحْبِسُ مطرها كلّه، فلا تقطر قطرة١، ويأمر الأرض فتَحْبِسُ نباتِها٢، فلا تنبت خضراء، ولا يَبْقَى ذات ظلْفٍ إلاّ هلك٣، إلاّ ما شاء الله".
فقيل: فما يعيش النّاس في ذلك الزّمان؟ قال: "التَّهْلِيل والتَّكْبِير والتَّسْبِيح والتَّحْمِيد، ويَجري ذلك عليهم مجري الطّعام.
قال ابن ماجه: سمعت أبا الحسن الطّنافسيّ يقول: سمعت عبد الرّحمن الْمحاربِيّ يقول: ينبغي أن يدفع هذا الحديث إلى المؤدِّب، حتّى يعلِّمه الصِّبيان في الكتّاب.
_________________
(١) ١ "فلا تقطر قطرة" في المصباح، يتعدّى، ولا يتعدى، هذا قول الأصمعي. وقال أبو زيد: لا يتعدى بنفسه، بل بالألف. ٢ في سنن ابن ماجه: "فتحبس نباتها كلّه"، بزيادة لفظ التّأكيد. ٣ في سنن ابن ماجه: "فلا تبقى ذات ظلفٍ إلاّ هلكت"، بالتّأنيث. والظّلف: هو لما اجتر من الحيوانات كالبقرة والظّبي، بِمَنْزلة الحافر للفرس.
[ ٢١١ ]