ثمَّ اعْلَم أَن مَا اخْتَارَهُ الْفَخر الرَّازِيّ وَتَبعهُ السُّيُوطِيّ فِي أَن أَبَا ابراهيم ﵇ لم يكن كَافِرًا فَسَاد عَظِيم فِي الدّين وتشكيك لعقيدة أَرْبَاب الْيَقِين وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا يَدعِي أَنه من المجددين بل يَصح أَن يُقَال إنَّهُمَا من الْمُحدثين لما ورد أَنه من أحدث فِي أمرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رد من بَين الْمُجْتَهدين
وَبَيَانه أَن الْمُسلمين من أهل الشرق والغرب أَجْمَعِينَ يقرؤون الْقُرْآن الْعَظِيم ويتلون الْفرْقَان الْكَرِيم فَإِذا رَأَوْا فِيهِ نصا على انتساب الْكفْر إِلَى أبي إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ التَّحِيَّة وَالتَّسْلِيم فهم يُؤمنُونَ ويعتقدون
[ ١٣٤ ]
ذَلِك حَيْثُ لم يكن صَارف عَن حمله على الْحَقِيقَة هُنَالك وَلَا يَدْرُونَ أَن إخباريا يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا ذكر أَن المُرَاد بِأَبِيهِ عَمه قَاصِدا بذلك الطعْن فِي دين النَّبِي ﷺ وَكتاب ربه
ف هَل يحكم بِبُطْلَان هَذَا القَوْل الَّذِي هُوَ مُخَالف لظَاهِر الْكتاب ومعارض لما قدمْنَاهُ فِي هَذَا الْبَاب أَو بِحكم بِفساد اعْتِقَاد جَمِيع الْمُسلمين من أهل الْبر وَالْبَحْر أَجْمَعِينَ إِلَّا من اعْتقد اعْتِقَاد الرَّازِيّ والسيوطي مَعَ أَنَّهُمَا قبل وُصُول هَذَا القَوْل الْبَاطِل إِلَيْهِمَا لم يَكُونَا شاكين فِي أَن ابا إِبْرَاهِيم ﵇ مَا كَانَ على الدّين القويم وَالطَّرِيق الْمُسْتَقيم فَلَمَّا حققا ذَلِك وَصِنْفًا بَيَان مَا هُنَالك رجعا عَن اعتقادهما الْبَاطِل على زعمهما إِلَى الِاعْتِقَاد الْحق عِنْدهمَا حَتَّى قلدهما ابْن حجر الْمَكِّيّ وَبَالغ حَتَّى قَالَ
وَهَذَا هُوَ الْحق فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال
وَالله سُبْحَانَهُ يصلح الْأَحْوَال
ثمَّ انْظُر إِلَى مَا قَالَه السُّيُوطِيّ من الِاسْتِدْلَال السقوطي وَهُوَ أَنه قد وَجه من حَيْثُ اللُّغَة بِأَن الْعَرَب تطلق لفظ الْأَب على الْعم إطلاقا شَائِعا وَإِن كَانَ مجَازًا
فَفِي التَّنْزِيل ﴿أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ حضر يَعْقُوب الْمَوْت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبدُونَ من بعدِي قَالُوا نعْبد إلهك وإله آبَائِك إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق﴾
[ ١٣٥ ]
صلى الله عَلَيْهِم
فَأطلق على إِسْمَاعِيل لفظ الْأَب وَهُوَ عَم يَعْقُوب ﵇ كَمَا أطلق على إِبْرَاهِيم ﵇ وَهُوَ جده
أخرج أبن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس ﵄
أَنه كَانَ يَقُول الْجد أَب وَيَتْلُو ﴿نعْبد إلهك وإله آبَائِك﴾ الْآيَة
وَأخرج عَن أبي الْعَالِيَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وإله آبَائِك إِبْرَاهِيم﴾ ﵉ قَالَ
سمى الْعم ابا
وَأخرج عَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ
الْخَال وَالِد وَالْعم وَالِد وتلا هَذِه الْآيَة
فَهَذِهِ أَقْوَال السّلف من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي ذَلِك
قلت هَذِه طنطنة مضرية لَيْسَ تحتهَا فَائِدَة قَوِيَّة إِذْ نفس الْآيَة الشَّرِيفَة يُسْتَفَاد مِنْهَا عِنْد كل عَاقل للإنباء أَنه لَا يَصح إِطْلَاق جمع الْآبَاء حَقِيقَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى وَاحِد من الْأَبْنَاء لَا شرعا وَلَا عرفا على عُمُوم الْجَزَاء
[ ١٣٦ ]
بِأَن يُقَال المُرَاد بِالْآبَاءِ الأسلاف كَمَا قَالَه الْأَئِمَّة الْحَنَفِيَّة أَو على اسْتِعْمَال اللَّفْظ بالاشتراك بَين الْحَقِيقَة وَالْمجَاز كَمَا اخْتَارَهُ الشَّافِعِيَّة
فَإِذا عرفت ذَلِك فَهَل ترى أَن تكون هَذِه الْآيَة نَظِير الْآيَات الدَّالَّة على أَن المُرَاد بِأبي إِبْرَاهِيم أَبوهُ حَقِيقَة وَلَا يَصح أَنه أَرَادَ عَمه مجَازًا حَيْثُ لَا دَلِيل من جِهَة الْعقل الصَّرِيح وَلَا من طَريقَة النَّقْل الصَّحِيح مَا يصلح أَن يكون مَانِعا من إِرَادَة الْحَقِيقَة وباعثا على قصد الْمجَاز