المبحث الثاني: وجوب الإيمان بكل ما أخبر به الرسول ﷺ رسالة الرسول ﷺ التي جاء بها من عند الله ﷿ أعظم نعمة أنعم الله بها على عباده أجمعين، والسعادة والفلاح والصلاح في الدنيا والآخرة لمن أطاعه ﷺ واتبع هديه وسار على نهجه، وحاجة البشر إلى هذه الشريعة التي جاء الرسول بها ﷺ أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب.
يقول ابن القيم - رحمه الله تعالى - عن الرسول ﷺ: أرسله الله رحمة للعالمين، وإماما للمتقين، وحجة على الخلائق أجمعين، أرسله على حين فترة من الرسل، فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل، وافترض على العباد طاعته وتعزيره وتوقيره ومحبته، والقيام بحقوقه، وسد دون جنته الطرق، فلن تفتح لأحد إلا من طريقه، فشرح له صدره، ورفع له ذكره، ووضع عمه وزره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره (١) وقد أوجب الله ﷾ على جميع الخلق، طاعة الرسول ﷺ فيما أمر به واجتناب ما نهى عنه، وحذرهم من مخالفة أمره، وجعل طاعته ﷾ طاعة للرسول ﷺ، ذلك أن التصديق الجازم بالرسول ﷺ يقتضي التسليم المطلق والتام لما جاء له ويستلزم طاعته فيما بلغه عن الله تعالى، وهذا من أعظم لوازم محبته ﷺ والإيمان به، وهو من مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله، وقد جاءت نصوص كثيرة في القرآن والسنة توجب طاعة الرسول ﷺ وتبين العلاقة بينها وبين طاعة الله تعالى، وتحذر من معصيته ومخالفة أمره ﵊. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢] (٢) وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] (٣) .
_________________
(١) زاد المعاد (١ / ٣٤، ٣٥) .
(٢) سورة آل عمران، الآية ١٣٢.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ٣١.
[ ٢١ ]
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢] (١) .
وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧] (٣) وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (٤) وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (٥) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] (٦) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] (٧) .
والآيات في الأمر بطاعته والتحذير من معصيته كثيرة في كتاب الله ﷿.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ -: " وقد أمر الله بطاعة رسوله ﷺ في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن، وقرن طاعته بطاعته، وقرن بين مخالفته ومخالفته، كما قرن بين اسمه واسمه فلا يذكر الله إلا ذكر معه " (٨) .
ومن الأحاديث الدالة على وجوب طاعته ﷺ، ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله» (٩) الحديث.
_________________
(١) سورة آل عمران، الآية: ٣٢.
(٢) سورة النساء، الآية: ٨٠.
(٣) سورة الفتح، الآية: ١٧.
(٤) سورة الحشر، الآية: ٧.
(٥) سورة النور، الآية: ٦٣.
(٦) سورة الجن، الآية: ٢٣.
(٧) سورة النساء، الآية: ١٤.
(٨) مجموع الفتاوى (١٩ / ١٠٣) .
(٩) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأحكام، (٨ / ١٠٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: (٣ / ١٤٦٥) .
[ ٢٢ ]
وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى " قالوا: يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: " من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى» (١) .
فهذه الآيات والأحاديث توجب طاعة الرسول ﷺ وامتثال ما جاء به، وذلك بفعل ما أمر به وتجنب ما نهى عنه، وتبين أن طاعة الرسول ﷺ هي مفتاح الجنة وسبيل النجاة، فلا فلاح ولا سعادة ولا نجاة للعبد إلا بطاعة الرسول ﷺ، فمن أطاعه فيما جاء به من الحق المبين، فقد نجا وزحزح نفسه عن النار، ومن أبى وتكبر وعصى، ولم يتبع الرسول ﷺ فيما جاء به فقد خسر خسرانا مبينا، وعرض نفسه لعذاب الله ﷿، فإنه ما من خير يوصل إلى الجنة إلا ودلنا عليه، وما من شر يوصل إلى النار إلا وحذرنا منه ﵊. فيجب على كل مسلم طاعة النبي ﷺ واتباعه، واقتفاء أثره والسير على هديه، وعدم مخالفة أمره ونهيه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] (٢) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١] (٣) .
فعبادة الله وطاعته لم تترك للأهواء والأفكار، بل هي مقيدة باتباعه ﷺ فيما شرعه لأمته، وهذا هو مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله ﷺ. وقد رتب الله ﷾ على اتباعه والاقتداء بسنته، الاهتداء والمغفرة، وجعله علامة على صدق المحبة لله تعالى، قال ﷿: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (٤) ولما ادعى اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه، أنزل آية المحبة، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ - قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣١ - ٣٢] (٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: (٨ / ١٣٩) .
(٢) سورة النساء، الآية: ٦٤.
(٣) سورة الأحزاب، الآية: ٢١.
(٤) سورة الأعراف، الآية: ١٥٨.
(٥) سورة آل عمران، الآية ٣١ - ٣٢.
[ ٢٣ ]
ولا شك أن مما يجب على العباد، محبة ربهم الذي خلقهم وأنعم عليهم، ولكن حصول هذه المحبة وقبولها متوقف على اتباع هذا النبي الكريم ﷺ، فقد جعل الله من ثواب اتباعه محبة الله تعالى لمن اتبعه ومغفرته له، ولكن علامة هذا الاتباع طاعته ﷺ والسير على نهجه، والاقتداء به في سيرته وأعماله وقرباته، وتجنب كل ما نهى عنه، والحذر من مخالفته التي نهايتها الخروج عن التأسي به؛ لأن الله ﷾ إنما تعبدنا بطاعته واتباع رسوله ﷺ بما شرع لنا من هذا الدين الكامل، ولهذا رد رسول الله ﷺ على الذين أعرضوا عن الطيبات التي أنعم الله بها على عباده وهجروها تعبدا لله وتقربا إليه، وقال لهم ﷺ: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) .
والمتأمل في حال كثير من المسلمين اليوم يرى أنهم تركوا الاتباع والاقتداء بسنة النبي ﷺ حتى أصبحت السنة عندهم أمرا مستغربا مستنكرا لجهلهم بها وبعدهم عنها، واستبدلوا ذلك بالبدع التي لا أصل لها ولا دليل عليها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فاتخذوها دينا يدينون به، فانعكست بذلك الموازين لديهم فأصبحوا يرون الحق باطلا والباطل حقا، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، وما ذلك إلا لكونهم لم يعرفوا من الإسلام إلا اسمه ولا من القرآن إلا رسمه، بسبب ما هم عليه من قلة العلم وعدم معرفتهم بالسنة، حتى وصل الحال إلى الوقوع في الشرك كما هو مشاهد في كثير من بلاد المسلمين، وذلك بصرف ما هو حق لله ﷾، لأصحاب القبور وإشراكهم مع الله فيما لا يستحقه ولا يقدر عليه إلا الله، وهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله أبدا.
ومن أصول الإيمان ولوازمه، التصديق الجازم بكل ما أخبر به النبي ﷺ والتسليم بصحة كل ما أخبر به، وبأنه بلغ الرسالة؛ لأن ما جاء به وحي من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٢) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح (٦ / ١١٧) .
(٢) سورة النجم، الآية: ٣ - ٤.
[ ٢٤ ]
وقد قال الله تعالى في الرسول ﷺ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] (١) .
وقد كان الرسول ﷺ يلقب قبل بعثته بالصادق الأمين، وكانت قريش تدعوه بذلك. لذا يجب علينا تصديقه ﷺ في كل ما أخبر به، ومن رد شيئا مما أخبر به ﵊ وكذبه فيه فهو كافر، سواء كان رده اتباعا للهوى، أو لشريعة منسوخة، أو لفلسفة موروثة، أو لعلم وضعي، والنبي ﷺ يقول: «والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (٢) فكل ما صح عن النبي ﷺ أنه أخبر بوقوعه فالإيمان به واجب على كل مسلم، وذلك من تحقيق الشهادة بأنه رسول الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] (٣) .
وكل شيء أخبر النبي ﷺ أنه سيكون بعده، فوقع الأمر فيه طبق ما أخبر به ﷺ، فهو من معجزاته وأعلام نبوته ﵊.
يقول الموفق أبو محمد المقدسي (٤) - ﵀ -: " ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ، وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا، نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه، مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة مثل: خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ وقتله له، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صح به النقل " (٥) .
_________________
(١) سورة الزمر، الآية: ٣٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان (١ / ١٣٤) .
(٣) سورة النجم، الآيتان: ٣ - ٤.
(٤) هو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، الملقب بموفق الدين، الفقيه الإمام، من الأئمة الأعلام الكبار، له مصنفات كثيرة من أشهرها: " المغني، الكافي، المقنع. . . وغيرها "، توفي سنة ٦٢٠هـ. سير أعلام النبلاء (٢٢ / ١٦٥)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢ / ١٣٣) .
(٥) لمعة الاعتقاد: ٤٣.
[ ٢٥ ]