المسألة الثالثة: السد ويأجوج ومأجوج بنى ذو القرنين (٤) سد يأجوج ومأجوج ليحجز بينهم وبين جيرانهم الذين استغاثوا به منهم. وقد ورد في القرآن الكريم ذكر هذا السد، فقال تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا - قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ [الكهف: ٩٤ - ٩٥] (٥) .
_________________
(١) لمعة الاعتقاد لابن قدامة ص (٣٠) .
(٢) إكمال المعلم (٦ / ١١٥، ١١٦) .
(٣) لوامع الأنوار (٢ / ١١٦) .
(٤) اختلف في اسمه، فروي عن ابن عباس - ﵄ - أنه عبد الله بن الضحاك، وقيل: مصعب بن عبد الله، وقيل غير ذلك، وسمي بذي القرنين؛ لأنه قد بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشيطان ويغرب، وقيل غير ذلك، وكان ذو القرنين عبدا مؤمنا صالحا، وهو عبر ذي القرنين الإسكندر المقدوني، فإن هذا كان كافرا، وزمنه متأخر عن المذكور في القرآن الكريم وبينهما أكثر من ألفي سنة، والله أعلم. انظر: البداية والنهاية: (٢ / ١٠٢ - ١٠٦)، وتفسير ابن كثير (٣ / ١٠٠، ١٠١) .
(٥) سورة الكهف، الآيتان: ٩٤، ٩٥.
[ ١٣٤ ]
هذا ما ورد في القرآن على بناء هذا السد.
أما مكانه: ففي جهة المشرق (١) لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ [الكهف: ٩٠] (٢) .
وقد ذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - قصة عن السد ومحاولة بعض الملوك الوصول إليه فقال: وقد بعث الخليفة الواثق (٣) في دولته بعض أمرائه وجهز معه جيشا سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا، فوصلوا من بلاد إلى بلاد ومن ملك إلى ملك حتى وصلوا إليه ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس، وذكروا أنهم رأوا فيه بابا عظيما وعليه أقفال عظيمة، ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك، وأن عنده حراسا من الملوك المتاخمة له وأنه عال منيف شاهق، لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال، ثم رجعوا إلى بلادهم وكانت غيبتهم أكثر من سنتين وشاهدوا أهوالا وعجائب (٤) .
ولم يذكر الحافظ ابن كثير - ﵀ - سندا لهذه القصة، ولم يتكلم عليها بشيء.
والذي تدل عليه الآيات السابقة أن هذا السد بني بين جبلين لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣] والسدان: هما جبلان متقابلان، ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ [الكهف: ٩٦] أي حاذى به رؤوس الجبلين (٥) وذلك بزبر الحديد ثم أفرغ عليه نحاسا مذابا فكان سدّا محكما.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن كثير (٥ / ١٩٥) .
(٢) سورة الكهف، الآية: ٩٠.
(٣) هو الخليفة العباسي هارون بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، بويع له بالخلافة سنة ٢٢٨ هـ، وتوفي سنة ٢٣٢ هـ. انظر: البداية والنهاية: (١٠ / ٣٠٨) .
(٤) تفسير ابن كثير: (٣ / ٩٩) .
(٥) المصدر السابق: (٣ / ٩٨، ٩٩) .
[ ١٣٥ ]
قال الإمام البخاري - ﵀ -: «قال رجل للنبي ﷺ: رأيت السد من البرد المحبر. قال: " قد رأيته» (١) .
ويمكن أن يكون هذا السد هو السور المحيط بمدينة ترمذ (٢) الذي ذكره ياقوت الحموي (٣) في معجم البلدان، وليس هو سد ذي القرنين.
وأيضا: فإن البحث في تحديد مكان السد لا يهم كثيرا؛ ولا يحصل بعدم معرفته خلل في الاعتقاد؛ لأن المقصود بيان أن ما أخبرنا الله تعالى به، وما جاء في الأحاديث الصحيحة من أن سد يأجوج ومأجوج موجود إلى أن يأتي الوقت المحدد لدك هذا السد وخروج يأجوج ومأجوج، وذلك عند دنو الساعة بهما في قوله ﷿: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا - وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٨ - ٩٩] (٤) كل ذلك: حقيقة يجب التصديق به.
والذي يدل على أن السد موجود ولم يندك، حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في السد قال: «يحفرونه كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا، قال: فيعيده الله ﷿ كأشد ما كان حتى إذا بلغوا مدتهم وأراد الله تعالى أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم: ارجعوا فستخرقونه غدا إن شاء الله تعالى واستثنى، قال: فيرجعون وهو كهيئته حين تركوه فيخرقونه ويخرجون على الناس، فيستقون المياه ويفر الناس منهم» (٥) .
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقا في صحيحه في باب قصة يأجوج ومأجوج ٦ / ٣٨١.
(٢) (ترمذ): قال ياقوت: مدينة مشهورة من أمهات المدن راكبة على نهر جيحون من جانبه الشرقي. . . يحيط بها سور وأسواقها مفروشة بالآجر، وممن ينسب إليها الإمام محمد بن عيسى بن سَوَرة الترمذي صاحب الجامع الصحيح والعلل. معجم البلدان (٢ / ٢٦، ٢٧) .
(٣) هو أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي، أصله من الروم، الإخباري النحوي، المؤرخ، من مؤلفاته معجم البلدان، توفي سنة ٦٢٦ هـ. وفيات الأعيان (٦ / ١٢٧)، سير أعلام النبلاء (٢٢ / ٣١٢) .
(٤) سورة الكهف، الآيتان: ٩٨، ٩٩.
(٥) تقدم تخريجه ص ١٣٣.
[ ١٣٦ ]
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في الفتح: قال ابن العربي - ﵀: " في هذا الحديث ثلاث آيات: الأولى: أن الله منحهم أن يوالوا الحفر ليلا ونهارا، والثانية: منعهم أن يحاولوا الرقي على السد بسلم أو آلة فلم يلهمهم ذلك ولا علمهم إياه، الثالثة: أنه صدهم عن أن يقولوا: إن شاء الله حتى يجيء الوقت المحدد " (١) .
فخروجهم الذي هو من أشراط الساعة الكبرى في آخر الزمان لم يقع؛ لأن الأحاديث الثابتة عن رسول الله ﷺ تدل على أن خروجهم بعد نزول عيسى ﵇، وهو الذي يدعو الله ﷿ بأن يهلكهم فيهلكون ويسلم الناس من شرهم.
فيجب على كل مسلم الإيمان بما جاء في الكتاب والسنة عن السد ويأجوج ومأجوج، ولا عبرة بمن أنكر وجود يأجوج ومأجوج ووجود السد الذي بناه ذو القرنين بينهم وبين الناس بحجة ظهور دول الكفر المتقدمة في الصناعة، وأن هؤلاء استطاعوا أن يكتشفوا كل ما في الأرض ولم يتركوا منها شيئا إلا أتوا عليه، ولكنهم لم يعثروا على يأجوج ومأجوج، ولم يروا سد ذي القرنين، ولا شك أن هذا قول فاسد؛ لأنه تكذيب صريح لما جاء في كتاب الله ﷿، ولما أخبر به رسولنا ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ومن كذب بشيء جاء في كتاب الله ﷿ وسنة رسوله ﷺ فقد كفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧] (٢) .
وأما دعواهم أن الأرض اكتشفت كلها ولم يجدوا فيها يأجوج ومأجوج والسد، فهي دعوى باطلة تدل على عجز البشر وقصورهم؛ لأن معرفة جميع بقاع الأرض والإحاطة بما فيهما من المخلوقات لا يقدر عليها إلا الله ﷿ الذي
_________________
(١) فتح الباري (١٣ / ١٩٠) .
(٢) سورة العنكبوت، الآية: ٤٧.
[ ١٣٧ ]
أحاط بكل شيء علما، ولا يلزم من عدم رؤيتهم عدم وجودهم؛ لأنه قد يكون الله ﷿ صرفهم عن رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد، أو جعل بينهم وبين الناس أشياء تمنع من الوصول إليهم كما حصل لبني إسرائيل حين ضرب الله عليهم التيه في فراسخ قليلة من الأرض، فلم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه، والله ﷾ على كل شيء قدير، جعل لكل شيء أجلا ووقتا، قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ - لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٦ - ٦٧] (١) . وما عجز الأوائل عن اكتشاف ما اكتشفه المتأخرون إلا لأن الله ﷿ جعل لكل شيء أجلا (٢) .