_________________
(١) سورة الدخان، الآيات: ١٠ - ١٣.
(٢) تقدم تخريجه ص ١٤٨.
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٦٧) .
(٤) أخرجه ابن جرير في تفسيره عن أبي مالك الأشعري (١٥ / ١١٤) وذكره ابن كثير في تفسيره (٤ / ١٣٨) وقال: رواه ابن جرير الطبري وإسناده جيد، وذكر ابن حجر رواية الطبري عن أبي مالك وابن عمر وقال: (إسنادهما ضعيف أيضا، لكن تضافر هذه الأحاديث يدل على أن لذلك أصلا) . فتح الباري (٨ / ٤٣٦) .
[ ١٥٧ ]
لقد اختلف العلماء - ﵏ - في المراد بالدخان الوارد في الآية والأحاديث المتقدمة على قولين:
١ - فذهب بعضهم إلى أن هذا الدخان هو ما أصاب قريشا من الشدة والجوع عندما دعا عليهم النبي ﷺ حين لم يستجيبوا له، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن مسعود ﵁ وتبعه جماعة من السلف ورجحه ابن جرير الطبري ﵀ (١) .
وقد استدل هؤلاء بما جاء في حديث مسروق بن الأجدع (٢) - ﵀ - قال: «كنا جلوسا عند عبد الله بن مسعود فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصا يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء فتأخذ بأنفاس الكفار، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزكام " فقال عبد الله، وجلس وهو غضبان: " يا أيها الناس اتقوا الله، من علم منكم شيئا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، فإن الله ﷿ قال لنبيه ﷺ: " قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ " (٣) إن رسول الله ﷺ لما رأى من الناس إدبارا قال لهم: " اللهم سبع كسبع يوسف " (٤) قال: فأخذتهم سنة حصت كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوعِ، وينظر إلى السماء أحدهم فيرى كهيئة الدخان» (٥) . وقال ابن مسعود أيضا: «خمس قد مضين:
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢٥ / ١١٣، ١١٤)، وتفسير البغوي (٤ / ١٤٩ - ١٥٠)، وتفسير القرطبي (١٦ / ١٣١)، وتفسير ابن كثير (٤ / ١٢٤ - ١٢٥) .
(٢) هو مسروق بن الأجدع بن مالك الهمذاني، الوادعي، الكوفي، من كبار أئمة التابعين وفقهائهم، ثقة عابد، أخرى له الستة، توفي سنة ٦٣ هـ. سير أعلام النبلاء (٤ / ٦٣)، تهذيب التهذيب (ص ١٠ / ١٠٩) .
(٣) سورة ص، الآية: ٨٦.
(٤) هذا دعاء من النبي ﷺ على كفار مكة بأن يبعث الله عليهم سجع سنين مجدبة كالتي في زمن يوسف ﵇ التي ذكرها الله ﷾ في القرآن.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير (٦ / ٤٠)، ومسلم في صحيحه: كتاب صفات المنافقات: (٤ / ٢١٥٦) .
[ ١٥٨ ]
اللزام (١) والروم (٢) والبطشة (٣) والقمر (٤) والدخان» (٥) .
٢ - وذهب كثير من العلماء سلفا وخلفا إلى أن الدخان هو من الآيات المنتظرة التي لم تأت بعد، وسيقع قرب يوم القيامة، وإلى هذا ذهب علي بن أبي طالب وابن عباس وأبو سعيد الخدري ﵃ وغيرهم، وكثير من التابعين.
وقد رجح الحافظ ابن كثير - ﵀ - هذا، مستدلا بالأحاديث التي سبق ذكرها عند الاستدلال على هذه الآية (آية الدخان)، وبغيرها من الأحاديث، وأيضا بما أخرجه ابن جرير وغيره عن عبد الله بن أبي مليكة (٦) قال: غدوت على ابن عباس - ﵄ - ذات يوم فقال: " ما نمت البارحة حتى أصبحت، قلت: لم؟ قال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب، فخشيت أن يكون الدخان قد طرق، فما نمت حتى أصبحت " (٧) .
قال ابن كثير - ﵀ - بعد ذكره لهذا الأثر: " وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ﵄ حبر وترجمان القرآن، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين ﵃ مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها
_________________
(١) اللزام: هو ما جاء في قوله تعالى: " فقد كذبتم فسوف يكون لزاما " سورة الفرقان، الآية ٧٧. أي يكون عذابا لازما نتيجة تكذيبهم، وهو ما وقع لكفار قريش في بدر من القتل والأسر. انظر: تفسير البغوي (٣ / ٣٨٠)، وتفسير ابن كثير (٣ / ٣٣٠)، وشرح صحيح مسلم للنووي: (١٧ / ١٤٣) .
(٢) إشارة إلى قوله تعالى: " الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ " سورة الروم، الآيات (١ - ٣) .
(٣) إشارة إلى قوله تعالى: " يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ " سورة الدخان، الآية: ١٦.
(٤) إشارة إلى قوله تعالى: " اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ " سورة القمر، الآية: ١.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التفسير، (٦ / ٤١)، ومسلم في صحيحه: كتاب صفات المنافقين (٤ / ٢١٥٧) .
(٦) هو الإمام الجليل أبو بكر عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، أحد تلامذة ابن عباس - ﵄ - كان قاضيا ومؤذنا لعبد الله بن الزبير، وكان ثقة فاضلا كثير الحديث، روى عن العبادلة الأربعة وأدرك ثلاثين من الصحابة، توفي سنة ١١٧هـ. انظر: مشاهير علماء الأمصار (٨٢)، وسير أعلام النبلاء (٥ / ٨٨) .
(٧) أخرجه ابن جرير في تفسيره (١٥ / ١١٣)، وذكره ابن كثير في تفسيره (٤ / ١٢٥) .
[ ١٥٩ ]
التي أوردوها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن، قال الله ﵎: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] أي بين واضح، يراه كل أحد، وعلى ما فسر به ابن مسعود ﵁ إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد، وهكذا قوله تعالى: ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ [الدخان: ١١] وقوله تعالى: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١١] أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا " (١) .
٣ - وقد ذهب بعض العلماء (٢) إلى الجمع بين هذه الآثار بأن قالوا هما دخانان ظهر أحدهما وبقي الآخر الذي سيقع في آخر الزمان، فأما الآية الأولى التي ظهرت فهي ما كانت قريش تراه كهيئة الدخان، وهذا الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط الساعة.
قال القرطبي - ﵀ -: قال مجاهد: كان ابن مسعود يقول: " هما دخانان قد مضى أحدهما، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض ولا يجد المؤمن إلا كالزكمة، وأما الكافر فتثقب مسامعه " (٣) .
وقال الإمام ابن جرير الطبري - ﵀ -: " وبعد فإنه غير منكر أن يكون أحل بالكفار الذين توعدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون محلا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ عندنا كذلك؛ لأن الأخبار عن رسول الله ﷺ قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما روى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رويا عن رسول الله ﷺ صحيح " (٤) .
وقال النووي رحمه الله تعالى: ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين هذه الآثار " (٥) .
ولا شك أن الجمع هو أفضل الطرق ولا منافاة بين الرأيين حينئذ - والله تعالى أعلم، ورد العلْم إليه أسلم.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤ / ١٢٥ - ١٤٠)، وانظر: النهاية في الفتن والملاحم له (١ / ١٧٢) بتحقيق د / طه زيني.
(٢) انظر: التذكرة القرطبي (٦٥٥)، وشرح صحيح مسلم (١٨ / ٢٧) .
(٣) التذكرة (٦٥٥) .
(٤) تفسير الطبري (٢٥ / ١١٤ - ١١٥) .
(٥) شرح صحيح مسلم للنووي (١٨ / ٢٨) .
[ ١٦٠ ]