المسألة الثانية: الجمع بين الأحاديث الواردة في مكانها الجمع بين ما جاء أن هذه النار هي آخر أشراط الساعة الكبرى وما جاء أنها أول أشراطها بأن يقال: إن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات الواردة معها في حديث حذيفة، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٢٥، ٢٢٢٦) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٧ / ١٣٣) برقم (٥١٤٦) بتحقيق أحمد شاكر، وقال عنه: إسناده صحيح. والترمذي: كتاب الفتن (٤ / ٤٣١)، وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، وقد صححه الألباني. انظر: صحيح الجامع (٣ / ٢٠٣) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء (٦ / ٤١٧ - ٤١٨) .
[ ١٦٣ ]
أمور الدنيا أصلا، بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور بخلاف ما ذكر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة، فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا (١) .
أما ما جاء في بعض الروايات بأن خروجها يكون من اليمن، وفي بعضها الآخر أنها تحشر الناس من المشرق إلى المغرب فيجاب عن ذلك بأجوبة:
١ - أنه يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن كون النار تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها، والمراد بقوله ﷺ: «تحشر الناس من المشرق إلى المغرب» إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب.
٢ - أن النار عندما تنتشر يكون حشرها لأهل المشرق أولا، ويؤيد ذلك أن ابتداء الفتن دائما من المشرق، وأما جعل الغاية المغرب فلأن الشام بالنسبة إلى أهل المشرق مغرب.
٣ - يحتمل أن تكون النار المذكورة في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة التي أثارت الشر العظيم والتهبت كما تلتهب النار، وكان ابتداؤها من قبل المشرق حتى خرب معظمه وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام ومصر وهما من جهة الغرب، كما شوهد ذلك مرارا في عهد التتر والمغول وغيرهم، وأما النار التي في حديثي حذيفة بن أسيد وابن عمر فهي نار حقيقية، والله أعلم (٢) .