المسألة الرابعة: الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇ متواترة سبق ذكر بعض الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇، وهي تدل دلالة واضحة على ثبوت نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان، ولا حجة لمن ردها أو قال: إنها أحاديث آحاد لا تقوم بها الحجة أو أن نزوله ليس عقيدة من عقائد المسلمين التي يجب عليهم أن يؤمنوا بها؛ لأنه إذا ثبت الحديث وجب الإيمان به وتصديق ما أخبر به الصادق المصدوق ﷺ ولا يجوز لنا رد قوله لكونه حديث آحاد؛ لأن هذه حجة واهية؛ لأن حديث الآحاد إذا صح وجب تصديق ما فيه، وإذا قلنا إن حديث الآحاد ليس بحجة، فإننا نرد كثيرا من أحاديث رسول الله ﷺ، ويكون ما قاله ﵊ عبثا لا معنى له، كيف والعلماء قد نصوا على تواتر الأحاديث في نزول عيسى ﵇.
_________________
(١) لوامع الأنوار البهية (٢ / ٩٩) .
(٢) الإشاعة ص (٣٠٤) .
(٣) سورة الزخرف، الآية: ٦١.
(٤) انظر: الدر المنثور: (٦ / ٢٠) .
[ ١١٨ ]
قال الإمام أحمد بن حنبل - ﵀ - " أصوله السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة ثم ذكر جملة من عقيدة أهل السنة ثم قال: والإيمان أن المسيح الدجال خارج مكتوب بين عينيه " كافر"، والأحاديث التي جاءت فيه، والإيمان بأن ذلك كائن، وأن عيسى ينزل فيقتله بباب لد " (١) . وقال أبو الحسن الأشعري (٢) - ﵀ - في سرده لعقيدة أهل الحديث والسنة " الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله وما رواه الثقّات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئا ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى يقتله، ثم قال في آخر كلامه: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول: وإليه نذهب " (٣) .
وقال ابن جرير الطبري بعد ذكره الخلاف في معنى وفاة عيسى ﵇، " وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: معنى ذلك: إني قابضك من الأرض ورافعك إلي؛ لتواتر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال " (٤) ثم ساق بعض الأحاديث الواردة في نزوله.
وقال ابن كثير " تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه أخبر بنزول عيسى
_________________
(١) طبقات الحنابلة (١ / ٢٤١ - ٢٤٣) .
(٢) هو الإمام العلامة أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري البصري، نشأ في حجر زوج أمه أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره، وقد تتلمذ عليه واعتنق مذهبه، ما يقارب من أربعين سنة، ثم هداه الله إلى مذهب أهل السنة والجماعة بعد مروره بمذهب الكلابية، فأعلن أنه على مذهب أحمد بن حنبل، وله مصنفات كثيرة، ومن أشهرها: مقالات الإسلاميين، وكتاب اللمع، والوجيز، وغيرها، وكان آخر ما ألف كتابه: الإبانة عن أصول الديانة، توفي سنة ٣٢٤ هـ. تبيين كذب المفتري: (٣٤) وسير أعلام النبلاء (١٥ / ٨٥) والبداية والنهاية (١١ / ١٨٦)، وشذرات الذهب (٢ / ٣٠٣ - ٣٠٥) .
(٣) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (١ / ٣٤٥) .
(٤) تفسير الطبري ٣ / ٢٩١.
[ ١١٩ ]
﵇ قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا " (١) . وقال صديق حسن خان "والأحاديث في نزوله ﵇ كثيرة، ذكر الشوكاني منها تسعة وعشرين حديثا ما بين صحيح وحسن وضعيف منجبر، منها ما هو مذكور في أحاديث الدجال. . . ومنها ما هو مذكور في أحاديث المنتظر، وتنضم إلى ذلك أيضا الآثار الواردة عن الصحابة فلها حكم الرفع؛ إذ لا مجال للاجتهاد في ذلك، ثم ساقها وقال: جميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع " (٢) .
وقال الغماري: " وقد ثبت القول بنزول عيسى ﵇ عن غير واحد من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء من سائر المذاهب على ممر الزمان إلى وقتنا هذا (٣) وقال: تواتر هذا تواترا لا شك فيه بحيث لا يصح أن ينكره إلا الجهلة الأغبياء كالقاديانية ومن نحا نحوهم؛ لأنه نقل بطريق جمع عن جمع حتى استقر في كتب السنة التي وصلت إلينا تواترا بتلقي جيل عن جيل " (٤) . وممن جمع الأحاديث في نزول عيسى ﵇ الشيخ محمد أنور شاه الكشميري (٥) في كتابه " التصريح بما تواتر في نزول المسيح " فذكر أكثر من سبعين حديثا.
وقال صاحب عون المعبود شرح سن أبي داود: " تواترت الأخبار عن النبي ﷺ
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٧ / ٢٢٣.
(٢) الإذاعة ص ١٦٠.
(٣) عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى ﵇ ص ١٢.
(٤) المصدر السابق ص: ٥.
(٥) هو العلامة المحدث محمد أنور شاه الكشميري الهندي، له عدة مؤلفات منها: فيض الباري على صحيح البخاري في أربعة مجلدات، والعرف الشذي على جامع الترمذي وغيرهما. توفي في ديوبند سنة ١٣٥٢ هـ. انظر ترجمته في مقدمة كتاب التصريح لعبد الفتاح أبو غدة محقق الكتاب.
[ ١٢٠ ]
في نزول عيسى ابن مريم ﷺ من السماء بجسده العنصري إلى الأرض عند قرب الساعة، وهذا هو مذهب أهل السنة " (١) .
وقال الشيخ أحمد شاكر: " نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان مما لم يختلف فيه المسلمون لورود الأخبار الصحاح عن النبي ﷺ بذلك. . . وهذا معلوم من الدين بالضرورة لا يؤمن من أنكره " (٢) .
وقال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: " اعلم أن أحاديث الدجال، ونزول عيسى ﵇ متواترة، يجب الإيمان بها، ولا تغتر بمن يدعي فيها أنها أحاديث آحاد، فإنهم جهال بهذا العلم، وليس فيهم من تتبع طرقها ولو فعل لوجدها متواترة كما شهد بذلك أئمة هذا العلم كالحافظ ابن حجر وغيره، ومن المؤسف حقا أن يتجرأ البعض على الكلام فيما ليس من اختصاصهم لا سيما والأمر دين وعقيدة " (٣) .