المطلب الثامن: تكليم السباع والجماد للإنس من أشراط الساعة التي أخبر بها الرسول ﷺ تكليم السباع الإنس، وإخبار فخذ الرجل بما يحدث أهله بعده، وكلام النعل والسوط لصاحبهما.
عن أبي هريرة ﵁ قال: «صلى رسول الله ﷺ الصبح، ثم أقبل على الناس فقال: " بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث، فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم؟ فقال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم، وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب، فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب يا هذا: استنقذتها مني فمن لها يوم السبع؟ يوم لا راعي لها غيري! فقال الناس: سبحان الله! ذئب يتكلم؟ قال: فإني أومن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم» (١) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي، فانتزعها منه، فأقعى (٢) الذئب على ذنبه، قال: ألا تتقي الله تنزع مني رزقا ساقه الله إلي، فقال: يا عجبي! ذئب مقع على ذنبه يكلمني كلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للراعي: " أخبرهم "،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأنبياء: (٤ / ١٤٩) .
(٢) أقعى: من الإقعاء، تقول: أقعى الكلب: إذا جلس على أسته. ترتيب القاموس المحيط: (٣ / ٦٦٣) .
[ ٦٩ ]
فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ: " صدق، والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الإنس، ويكلم الرجل عذبة (١) سوطه وشراك (٢) نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده» (٣) .
قال القرطبي: وفي هذا الحديث ما يرد على كفرة الأطباء والزنادقة الملحدين، وأن الكلام ليس مرتبطا بالهيبة والبله، وإنما الباري جلت قدرته يخلقه متى شاء في أي شيء شاء من جماد أو حيوان على ما قدره الخالق الرحمن، فقد كان الحجر والشجر يسلمان عليه ﷺ تسليم من نطق وتكلم، ثبت ذلك في غير ما حديث، وهو قول أهل أصول الدين في القديم والحديث.
وثبت باتفاق حديث البقرة والذئب وأنهما تكلما على ما أخبر عنهما ﷺ في الصحيحين، قاله ابن دحية (٤) (٥) .
فهذه أخبار عن رسول الله ﷺ كلها أمارات للساعة، وإن كانت أمورا خارقة للعادة جارية على غير المألوف إلا أنه يجب الإيمان بها وتصديقها لثبوتها عنه ﷺ.
_________________
(١) العذبة: هي طرف الشيء. النهاية في غريب الحديث (٣ / ١٩٥) .
(٢) الشراك: أحد سيور النعل التي تكون على وجهها. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٤٦٧) .
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣ / ٨٣، ٨٤) والترمذي في سننه (٤ / ٤٧٦) . وقال: هذا حديث حسن غريب، وأخرجه الحاكم في المستدرك (٤ / ٤٦٨)، وقال: هذا حديث صحيح. ووافقه الذهبي.
(٤) هو مجد الدين أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي الجميل الكلبي الداني، العلامة المحدث، كان من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متفننا في الحديث والنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها، توفي سنة ٦٣٣ هـ. سير أعلام النبلاء (٢٢ / ٣٨٩ - ٣٩٤)، شذرات الذهب (٥ / ١٦٠) .
(٥) التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة ص: (٧٤٦) .
[ ٧٠ ]