المطلب الثاني: فتنة المسيح الدجال لفظ الدجال على وزن فعال بفتح أوله والتشديد من الدجل وهو التغطية، وأصل الدجل معناه: الخلط، يقال: دجل إذا لبس وموه، وجمع دجال: دجالون، ودجاجلة.
وسمي الدجال دجالا؛ لأنه يغطي الحق بباطله، أو لأنه يغطي على الناس كفره بكذبه وتمويهه وتلبيسه عليهم (١) .
المراد بالدجال هنا: الدجال الأكبر الذي يخرج قبيل قيام الساعة في زمن المهدي وعيسى ﵇.
وخروجه من الأشراط العظيمة المؤذنة بقيام الساعة، وفتنته من أعظم الفتن والمحن التي تمر على الناس، ويسمى مسيحا؛ لأن إحدى عينيه ممسوحة أو لأنه يمسح الأرض في أربعين يوما، ولفظة المسيح تطلق على الصديق، وهو عيسى ﵇، وعلى الضليل الكذاب وهو الأعور الدجال (٢) .
قال القرطبي: " واختلف في لفظة المسيح لغة على ثلاثة وعشرين قولا، ذكرها الحافظ أبو الخطاب بن دحية في كتابه مجمع البحرين، وقال: لم أر من جمعها قبلي ممن رحل وجال ولقي الرجال " (٣) .
والمقصود بالمسيح هنا مسيح الضلالة الذي يفتن الناس بما يجري على يديه من الآيات، كإنزال المطر وإحياء الأرض، وبما يظهر على يديه من عجائب وخوارق للعادات، وأما مسيح الهدى فهو عيسى ابن مريم ﵇ الذي سيأتي الكلام عليه.
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث: (٢ / ١٠٢)، ولسان العرب (١١ / ٢٣٦)، وفتح الباري لابن حجر (٢ / ٣١٨) .
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث: (٤ / ٣٢٦)، ولسان العرب (٢ / ٥٩٤) .
(٣) التذكرة للقرطبي: (٢ / ٦٧٩ - ٦٨٣) .
[ ٩٣ ]
وقد تواترت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في ذكر خروج الدجال في آخر الزمان والتحذير منه، حيث وصفه الرسول ﷺ لأمته وصفا دقيقا لا يخفى على ذي بصيرة، كما حذر منه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله أممهم ووصفوه لهم أوصافا ظاهرة.
ومن الأحاديث الواردة في ذلك حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - قال: «قام رسول الله ﷺ في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: " إني لأنذركموه، وما من نبي إلا وقد أنذر قومه، ولكني سأقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه، إنه أعور، وان الله ليس بأعور» (١) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: «قال رسول الله ﷺ: " ألا أخبركم عن الدجال حديثا ما حدثه نبي قومه؟ إنه أعور، وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول إنها الجنة هي النار، وإني أنذرتكم به كما أنذر به نوح قومه» (٢) .
وعن عبد الله بن عمر - ﵄ -: «أن رسول الله ﷺ ذكر يوما بين ظهراني الناس الدجال فقال: " إن الله تعالى ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية» (٣) " (٤) .
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، (٨ / ١٠٣) ومسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة، (٤ / ٢٢٤٨) .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٠) .
(٣) قال الخطابي: " كان هذا الحديث عندي من الواضح الذي يستغنى بظاهره عن تفسيره، وقد بقيت زمانا أحسبه أراد بالعنبة الطافية: الحبة من العنب تطفو على متن الماء، وذلك لأن الحدقة العوراء القائمة في المقلة الناتئة من أشبه شيء بها، حتى أخبرني مخبر عن أبي عمر صاحبنا قال: سئل أبو العباس ثعلب عن هذا القول فقال: الطافية: العنبة التي خرجت عن حد نبتة أخواتها، فعلت ونتأت وظهرت، يقال. طفا الشيء: إذا علا وظهر. غريب الحديث للخطابي (١ / ٦٦٧) .
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٠) .
[ ٩٤ ]
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «حدثنا رسول الله ﷺ يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان فيما يحدثنا به أنه قال: " يأتي الدجال، وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ (١) التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه» (٢) .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما بعث نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب (٣) بين عينيه ك. ف. ر» (٤) .
وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: «ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة، فخفض فيه ورفع، حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه، عرف ذلك فينا، فقال: " ما شأنكم؟ " قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال الغداة، فخفضت فيه ورفعت، حتى ظنناه في طائفة النخل، فقال: " غير الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم، إنه شاب قطط (٥) عينه طافئة، كأني
_________________
(١) السباخ: بكسر المهملة جمع سبخة محركة ومسكنة، وهي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر، النهاية في غريب الحديث (٢ / ٣٣٣) .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، (٨ / ١٠٢)، ومسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٦)، واللفظ لمسلم.
(٣) قال الإمام النووي - ﵀ -: والصحيح الذي عليه المحققون أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقية جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم كاتب وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك. شرح صحيح مسلم للنووي: (١٨ / ٦٠) .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن - (٨ / ١٠٣)، ومسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٤٨) .
(٥) (قطط) أي صاحب الشعر الشديد الجعودة. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٨١) .
[ ٩٥ ]
أشبهه بـ (عبد العزى بن قطن) فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، إنه خارج خلة بين الشام والعراق، فعاث يمينا، وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا. قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: يا رسول الله فذاك اليوم الذي كسنة: أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره، قلنا: يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: كالغيث استدبرته الريح، فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كان ذرا وأسبغه ضروعا، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم فيدعوهم، فيردون عليه قوله. قال: فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين (١) ليس بأيديهم شيء من أحوالهم، ويمر بالخربة، فيقول لها: أخرجي كنوزك، فيتبعه كنوزها كيعاسيب (٢) النحل، ثم يدعو رجلا ممتلئا شبابا، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين، رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل، ويتهلل وجهه يضحك، فبينما هو كذلك، إذ بعث الله المسيح ابن مريم ﵇، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين (٣) واضعا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ (٤) فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى
_________________
(١) (ممحلين): الممحل: الذي أجدبت أرضه وقحطت وغلت أسعاره. لسان العرب (١٧ / ٦١٧) .
(٢) (يعاسيب النحل): جمع يعسوب، واليعسوب أصله فحل النحل، والمعنى هنا: أي تظهر له وتجتمع عنده كما تجتمع النحل على يعاسيبها. النهاية في غريب الحديث (٣ / ٢٣٥) .
(٣) (مهرودتين) روي بالدال وبالذال، مفردها: مهرودة، وهو الثوب الذي صبغ، والمعنى أنه لابس ثوبين مصبوغين بالورس ثم بالزعفران. النهاية في غريب الحديث (٥ / ٢٥٨) .
(٤) (جمان كاللؤلؤ): أي ينحدر منه الماء على هيئة اللؤلؤ في صفائه، والجمان حبات من الفضة تصنع على هيئة اللؤلؤ الكبار. النهاية في غريب الحديث (١ / ٣٠١) .
[ ٩٦ ]
يدركه بباب لد، فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوما قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله ﷿ إلى عيسى ابن مريم: إني قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرا من مائة دينار، فيرغب نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف (١) في رقابهم فيصبحون فرسى، كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى ﵇ وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (٢) ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة (٣) ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ كل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها (٤) ويبارك في الرسل، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس، فبينما هم كذلك، إذ بعث الله ريحا طيبا، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن ومسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة» (٥) .
_________________
(١) (النغف) هو دود يكون في أنوف الإبل والغنم. واحدتها نغفة. النهاية في غريب الحديث (٥ / ٨٧) .
(٢) (زهمهم): أي دسمهم وريحهم المنتنة، وأراد أن الأرض تنتن من جيفهم. المصدر السابق (٢ / ٣١٣) .
(٣) (الزلفة): بالتحريك جمعها زلف: مصانع الماء، أراد أن المطر يغدر في الأرض فتصير كأنها مصنعة من مصانع الماء، وقيل الزلفة: المرآة، شبهها بها لاستوائها ونظافتها. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٣٠٩) .
(٤) بقحفها: أي قشرها تشبيها بقحف الرأس، وهو الذي فوق الدماغ، وقيل: هو ما انفلق من جمجمته وانفصل. المصدر السابق (٤ / ١٧) .
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٥٥) .
[ ٩٧ ]
قال الخطابي - ﵀ -: " هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى، من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا، والخصب معه، وجنته وناره ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا غيره، ويبطل أمره ويقتله عيسى ﷺ ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنظار، خلافا لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج (١) والجهمية (٢) وبعض المعتزلة (٣) وخلافا للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود، ولكن الذي يدعي مخارق وخيالات لا حقائق لها. وزعموا أنه لو كان حقًّا لم يوثق بمعجزات الأنبياء ﷺ
_________________
(١) الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ عام ٣٧ هـ، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي - ﵄ - كما أجمعوا - عدا النجدات منهم - على تكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار إذا مات مصرا عليها، وقد ورد في ذمهم والترغيب في قتالهم أحاديث صحيحة مرفوعة، وقد افترقوا على نحو عشرين فرقة، ومن أسمائهم أيضا الحرورية. انظر: مقالات الإسلاميين (١ / ١٦٧)، وتلبيس إبليس ص (٩)، والملل والنحل (١ / ١١٤) .
(٢) الجهمية هم أتباع الجهم بن صفوان الذي قال: بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات لها، وزعم أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط وأن الكفر هو الجهل به، وزعم أيضا أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان. انظر: مقالات الإسلامين (١ / ٣٣٨)، الفرق بين الفرق ص (٢١١)، والملل والنحل (١ / ٧٦) .
(٣) المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد - من رؤسائهم - مجلس الحسن البصري لقولهما بأن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر، وقيل سموا معتزلة لاعتزالهم منهج أهل السنة والجماعة، ومن عقائدهم إنكار جميع صفات الله، والقول بأن القرآن محدث، وأن الله لا يرى في الآخرة، وتصل فرقهم إلى حوالي عشرين فرقة، انظر: مقالات الإسلاميين (١ / ٢٣٥)، الفرق بين الفرق ص (١١)، البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان ص (٤٩) .
[ ٩٨ ]
، وهذا غلط من جميعهم؛ لأنه لم يدع النبوة فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه ونقص صورته وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه، ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفا من أذاه؛ لأن فتنته عظيمة جدا تدهش العقول وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأرض فلا يمكث بحيث يتأمل الضعفاء حاله، ولهذا حذرت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين من فتنته ونبهوا على نقصه ودلائل إبطاله. وأما أهل التوفيق فلا يغترون ولا يخدعون بما معه لما ذكرناه من الدلائل المكذوبة له مع ما سبق لهم من العلم بحاله، ولهذا يقول الذي يقتله ثم يحييه: ما ازددت فيك إلا بصيرة " (١) .
وقد دلت الأحاديث علي أن المسيح الدجال يدخل كل بلد إلا مكة والمدينة، فعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات فيخرج الله كل كافر ومنافق» (٢) .
قال الحافظ ابن حجر - ﵀ -: " قوله ﷺ: «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال» هو على ظاهره وعمومه عند الجمهور، وشذ ابن حزم (٣) فقال: المراد: إلا يدخله بعثه وجنوده، وكأنه استبعد إمكان دخول الدجال جميع البلاد لقصر مدته، وغفل عما ثبت في صحيح مسلم أن بعض أيامه يكون قدر سنة " (٤) .
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٨ / ٥٨ - ٥٩) .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن (٨ / ١٠٢) .
(٣) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، المحدث الفقيه، كان شافعيا ثم تركه إلى القول بالظاهر، له مؤلفات كثيرة منها: المحلى، الفصل في الملل والأهواء والنحل، توفي سنة ٤٥٦ هـ. وفيات الأعيان (٣ / ٣٢٥)، سير أعلام النبلاء (١٨ / ١٨٤) .
(٤) فتح الباري (٤ / ٩٦) .
[ ٩٩ ]
وقد بين الرسول ﷺ مدة مكثه في الأرض بعد خروجه، وأن قتله يكون على يد عيسى ابن مريم ﵇ كما في حديث النواس بن سمعان ﵁، وقد سبق ذكره (١) .
فظهور الدجال - أخسأه الله وأخزاه - وشدة فتنته وهوله وبلاء الناس به، وبما يجري على يديه من علامات الساعة العظيمة وأشراطها الجسيمة، وقد سبق إيراد الأحاديث النبوية في شأنه والخبر عنه وبيان وصفه ونعته والتحذير منه، وكان النبي ﷺ يستعيذ في صلاته وغيرها من فتنة الدجال وشره وأمر أمته بذلك.
فعن ابن عباس - ﵄ - «أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: " اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (٢) .
وعن زيد بن ثابت ﵁ قال: «بينما النبي ﷺ في حائط بني النجار على بغلة له ونحن معه إذ حادت به فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة فقال: " من يعرف أصحاب هذه الأقبر "؟ فقال رجل أنا: قال: " متى مات هؤلاء "؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: " إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر "، قالوا: نعوذ بالله من النار، قال: " تعوذوا بالله من عذاب القبر "، قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: " تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن "، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: " تعوذوا بالله من فتنة المسيح الدجال "، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال» (٣) .
_________________
(١) تقدم ذكره وتخريجه ص ١١٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة (١ / ٤١٣) .
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صفة الجنة (٤ / ٢١٩٩ - ٢٢٠٠) .
[ ١٠٠ ]
وقد أرشد رسول الله ﷺ المؤمنين إلى ما يعصمهم من فتنة المسيح الدجال كما جاء في حديث أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال» .
قال مسلم: قال شعبة: من آخر الكهف، وقال همام: من أول الكهف (١) .
قال المناوي مبينا سبب العصمة: " وذلك لما في قصة أهل الكهف من العجائب، فمن علمها لم يستغرب أمر الدجال فلا يفتن، أو لأن من تدبر هذه الآيات وتأمل معناها حذره فأمن منه أو هذه خصوصية أودعت في السورة " (٢) .
فسورة الكهف لها شأن عظيم وفيها من العجائب والآيات الباهرات التي من تدبرها عصم من فتنة الدجال، وقد ورد الحث على قراءتها وخاصة في يوم الجمعة، كما في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين» (٣) .
فينبغي على المسلم أن يحرص على قراءة هذه السورة وحفظها وخاصة في يوم الجمعة.
وقبل الانتهاء من الكلام على الدجال أحب أن أشير إلى مسألتين لهما علاقة بالكلام على موضوع الدجال وهما:
١ - هل ابن صياد (٤) هو الدجال؟ .
٢ - الحكمة من عدم ذكر الدجال في القرآن.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها (١ / ٥٥٥) .
(٢) فيض القدير: (٦ / ١١٨) .
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٢ / ٣٦٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
(٤) ابن صياد: هو رجل من يهود المدينة، وقيل: إنه من الأنصار، واسمه " صاف " بمهملة وفاء وزن باع، وقيل: اسمه " عبد الله "، ذكره الذهبي في كتابه تجريد أسماء الصحابة (١ / ٣١٩) فقال: عبد الله بن صياد أورده ابن شاهين، وقال هو ابن صائد كان أبوه يهودياَ فولد عبد الله أعور مختونا، وهو الذي قيل إنه الدجال ثم أسلم، فهو تابعي له رؤية، وقال الحافظ ابن حجر بعد أن ذكر كلام الذهبي السابق في الإصابة (٣ / ١٣٣): ومن ولده عمارة بن عبد الله بن صياد، وكان من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن مالك، روى عنه مالك وغيره، وقال الحافظ بن كثير في النهاية في الفتن والملاحم (١ / ١٧٣): وقد كان ابن صياد من يهود المدينة، ولقبه " عبد الله " ويقال " صاف "، وقد جاء هذا وهذا، وقد يكون أصل اسمه " صاف " ثم تسمى لما أسلم بعبد الله، وقد كان ابنه عمارة بن عبد الله من سادات التابعين، وروى عنه مالك وغيره، وللمزيد انظر: مشكل الآثار للطحاوي (٤ / ٩٦ - ١٠٣)، وتهذيب التهذيب (٧ / ٤١٨، ٤١٩) .
[ ١٠١ ]
أما المسألة الأولى - وهي: هل ابن صياد هو الدجال؟ - فقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا شديدا، واضطربت فيه الروايات والآراء، وقبل الدخول في ذكر أقوال العلماء في ذلك أحب أن أشير إلى بعض الروايات الواردة في شأنه، من ذلك: رواية عبد الله بن عمر - ﵄ - «أن عمر بن الخطاب ﵁ انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط قبل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده، ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: " أتشهد أني رسول الله "؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد لرسول الله ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله ﷺ وقال: " آمنت بالله وبرسله "، ثم قال له رسول الله ﷺ: " ماذا ترى "؟ قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال له رسول الله ﷺ: " خلط عليك الأمر "، ثم قال له رسول الله ﷺ: " إني خبأت لك خبيئا " فقال ابن صياد: هو الدخ (١) فقال له رسول الله ﷺ: " اخسأ فلن تعدو قدرك ". فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله أن أضرب عنقه، فقال له رسول الله ﷺ: " إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله» (٢) .
وقال سالم بن عبد الله: سمعت عبد الله بن عمر يقول: «انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ وأبي بن كعب الأنصاري إلى النخل التي فيها ابن صياد حتى
_________________
(١) الدخ: هو الدخان، وفسر في الحديث أنه أراد بذلك يوم تأتي السماء بدخان مبين. النهاية في غريب الحديث (٢ / ١٠٧) .
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٤٤) .
[ ١٠٢ ]
إذا دخل رسول الله ﷺ النخل طفق يتقي بجذوع النخل وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراش في قطيفة له فيها زمزمة (١) فرأت أم ابن صياد رسول الله ﷺ وهو يتقي بجذوع، فقالت لابن صياد: يا صاف (وهو اسم ابن صياد) هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ " لو تركته بين» (٢) " (٣) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «لقيه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر - يعني ابن صياد - في بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله ﷺ: " أتشهد أني رسول الله "؟ فقال هو: أتشهد أني رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: " آمنت بالله وملائكته وكتبه، ما ترى "؟ قال: أرى عرشا على الماء، فقال رسول الله ﷺ: " ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى "؟ قال: أرى صادقين وكاذبا - أو كاذبين وصادقا - فقال رسول الله ﷺ: " لبس (٤) عليه، دعوه» (٥) .
وعنه أيضا: «خرجنا حجاجا أو عمارا ومعنا ابن صياد، قال: فنزلنا منزلا، فتفرق الناس وبقيت أنا وهو. فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر شديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة. قال: ففعل، قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بعس (٦) فقال: اشرب أبا سعيد! فقلت: إن الحر شديد واللبن حار، ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده - أو قال آخذ عن يده - فقال: أبا سعيد! لقد هممت أن آخذ
_________________
(١) الزمزمة: هي الصوت الخفي الذي لا يكاد يفهم، أو لا يفهم. النهاية في غريب الحديث (٢ / ٣١٣) .
(٢) قوله ﷺ: (لو تركته بين) أي لو لم تخبره ولم تعلمه أمه بمجيئنا لبين لنا من حاله ما نعرف به حقيقة أمره.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٤٥) .
(٤) لبس عليه: أي اختلط عليه الأمر.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة (٤ / ٢٢٤١) .
(٦) العس: هو القدح الكبير، وجمعه عساس وأعساس، النهاية في غريب الحديث (٣ / ٢٣٦) .
[ ١٠٣ ]
حبلا فأعلقه بشجرة ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد: من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ: هو عقيم لا يولد له، وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ: لا يدخل المدينة ولا مكة، وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ . قال أبو سعيد الخدري ﵁: حتى كدت أن أعذره، ثم قال: أما والله إني لأعرف مولده وأين هو الآن. قال: قلت له: تبا لك سائر اليوم» (١) (٢) .
ومن أقوال العلماء في ابن صياد هل هو الدجال الأكبر أم لا، قوله البيهقي في سياق كلامه على حديث تميم الداري السابق فيه أن الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان غير ابن صياد، وكان ابن صياد أحد الدجالين الكذابين الذين أخبر ﷺ بخروجهم، وقد خرج أكثرهم، وكأن الذين يجزمون بأن ابن صياد هو الدجال لم يسمعوا بقصة تميم، وإلا فالجمع بينهما بعيد جدا؛ إذ كيف يلتئم أن يكون من كان في أثناء الحياة النبوية شبه محتلم، ويجتمع به النبي ﷺ ويسأله أن يكون في آخرها شيخا كبيرا مسجونا في جزيرة من جزائر البحر موثقا بالحديد يستفهم عن خبر النبي ﷺ هل خرج أو لا؟ فالأولى أن يحمل على عدم الاطلاع، أما عمر فيحتمل أن يكون ذلك منه قبل أن يسمع قصة تميم ثم لما سمعها لم يعد إلى الحلف المذكور، وأما جابر فشهد حلفه عند النبي ﷺ فاستصحب ما كان اطلع عليه من عمر بحضرة النبي ﷺ (٣) .
وقال النووي: قال العلماء: وقصته مشكلة وأمره مشتبه في أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره، ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة. قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوصف إليه بأنه المسيح الدجال ولا
_________________
(١) تبا لك سائر اليوم: خسرانا وهلاكا لك في باقي اليوم، وهو منصوب بفعل مضمر.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن وأشراط الساعة: (٤ / ٢٢٤٢، ٢٢٤٣) .
(٣) نقلا عن فتح الباري لابن حجر (١٣ / ٣٢٦ - ٣٢٧) .
[ ١٠٤ ]
غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر ﵁: إن يكن هو فلن تستطيع قتله. وأما احتجاجه هو بأنه مسلم والدجال كافر، وبأنه لا يولد للدجال وقد ولد له هو، وأنه لا يدخل مكة والمدينة وأن ابن صياد دخل المدينة وهو متوجه إلى مكة، فلا دلالة له فيه؛ لأن النبي ﷺ إنما أخبر عن صفاته وقت فتنته وخروجه في الأرض، ومن اشتباه قصته وكونه أحد الدجاجلة الكذابين قوله للنبي ﷺ: أتشهد أني رسول الله؟ ودعواه أنه يأتيه صادق وكاذب، وأنه يرى عرشا فوق الماء، وأنه لا يكره أن يكون هو الدجال، وأنه يعرف موضعه، وقوله: إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، وانتفاخه حتى ملأ السكة، وأما إظهاره الإسلام وحجه وجهاده وإقلاعه عما كان عليه فليس بصريح في أنه غير الدجال " (١) .
أقوال العلماء في ابن صياد:
قال أبو عبد الله القرطبي: " الصحيح أن ابن صياد هو الدجال بدلالة ما تقدم، وما يبعد أن يكون بالجزيرة في ذلك الوقت، ويكون بين أظهر الصحابة في وقت آخر " (٢) .
ويفهم من كلام النووي والقرطبي السابق أنهما يرجحان كون ابن صياد هو الدجال.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - في معرض كلامه على الأحوال الشيطانية: " وهذا بخلاف الأحوال الشيطانية مثل حال عبد الله بن صياد الذي ظهر في زمن النبي ﷺ، وكان قد ظن بعض الصحابة أنه الدجال، وتوقف النبي ﷺ في أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال، لكنه من جنس الكهان " (٣) .
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (١٨ / ٤٦، ٤٧) .
(٢) التذكرة (٢ / ٨٢٢) .
(٣) الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص (١٦٦) .
[ ١٠٥ ]
وقال الحافظ ابن كثير - ﵀ - بعد أن ساق الأحاديث الواردة في ابن صياد وهل هو الدجال الأكبر أم لا، قال: وقد قدمنا أن الصحيح أن الدجال غير ابن صياد وأن ابن صياد كان دجالا من الدجاجلة ثم تاب بعد ذلك فأظهر الإسلام، والله أعلم بضميره وسيرته (١) .
ولعل ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ - والحافظ ابن كثير - ﵀ - هو الراجح في ابن صياد، وأنه دجال من الدجاجلة وليس هو الدجال الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان - والله أعلم.
وأما المسألة الثانية: وهي الحكمة من عدم ذكر الدجال في القرآن صراحة، فقد أجاب على ذلك الحافظ ابن حجر - ﵀ - بقوله: اشتهر السؤال عن الحكمة في عدم التصريح بذكر الدجال في القرآن مع ما ذكر عنه من الشر، وعظم الفتنة به، وتحذير الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه حتى في الصلاة، وأجيب بأجوبة:
أحدها: أنه ذكر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] (٢) فقد أخرج الترمذي وصححه عن أبي هريرة رفعه: «ثلاثة إذا خرجن لم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل: الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها» .
الثاني: قد وقعت الإشارة في القرآن إلى نزول عيسى ابن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] (٣) وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٦١] (٤) وصح أنه الذي يقتل الدجال فاكتفي بذكر أحد الضدين عن الآخر، ولكونه يلقب المسيح كعيسى، لكن الدجال مسيح الضلالة وعيسى مسيح الهدى.
_________________
(١) النهاية في الفتن والملاحم: (١ / ١٧٣) .
(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.
(٣) سورة النساء، الآية: ١٥٩.
(٤) سورة الزخرف، الآية: ٦١.
[ ١٠٦ ]
الثالث: أنه ترك ذكره احتقارا، وتعقب بذكر يأجوج ومأجوج وليست الفتنة بهم بدون الفتنة بالدجال والذي قبله، وتعقب بأن السؤال باق وهو ما الحكمة في ترك التنصيص عليه؟ وأجاب شيخنا الإمام البلقيني بأنه اعتبر كل من ذكر في القرآن من المفسدين فوجد كل من ذكر إنما هم ممن مضى وانقضى أمره، وأما من لم يجئ بعد فلم يذكر منهم أحدا، انتهى. وهذا ينتقض بيأجوج ومأجوج.
وقد وقع في تفسير البغوي (١) أن الدجال مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] (٢) وأن المراد بالناس هنا الدجال، من إطلاق الكل على البعض، وهذا إن ثبت أحسن الأجوبة فيكون من جملة ما تكفل النبي ﷺ ببيانه والعلم عند الله تعالى (٣) .
ومما سبق يتضح لنا أن خروج الدجال من أشراط الساعة الكبرى الثابتة، ومن الأخبار المتواترة التي يجب الإيمان بها، وفي ما مضى من الأدلة رد على من أنكر خروج الدجال بالكلية من الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم ممن سار على نهجهم قديما وحديثا، أو قال إن ما يأتي به الدجال خيالات لا حقيقة لها، فكل هؤلاء قد ردوا ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من غير وجه عن رسول الله ﷺ كما تقدم.
قال الحافظ ابن كثير - ﵀ - في معرض رده على هؤلاء: " وقد تقدم حديث حذيفة وغيره أن ماءه نار وناره ماء بارد، وإنما ذلك في رأي العين، وقد تمسك بهذا الحديث طائفة من العلماء كابن حزم، والطحاوي وغيرهما في أن الدجال ممخرق (٤) مموه لا حقيقة لما يبدي للناس من الأمور التي تشاهد في زمانه بل كلها خيالات عند هؤلاء ".
_________________
(١) تفسير البغوي: (٤ / ١٠١) .
(٢) سورة غافر، الآية: ٥٧.
(٣) فتح الباري (١٣ / ٩١، ٩٢) .
(٤) الممخرق: المشعوذ.
[ ١٠٧ ]
وقال الشيخ أبو علي الجبائي (١) - شيخ المعتزلة -: لا يجوز أن يكون كذلك حقيقة؛ لئلا يشتبه خارق السحر بخارق النبي، وقد أجابه القاضي عياض وغيره بأن الدجال إنما يدعي الإلهية، وذلك مناف للبشرية فلا يمتنع إجراء الخارق على يديه والحالة هذه. وقد أنكرت طوائف كثيرة من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة خروج الدجال بالكلية، وردوا الأحاديث الواردة فيه فلم يصنعوا شيئا، وخرجوا بذلك عن حيز العلماء لردهم ما تواترت به الأخبار الصحيحة من غير وجه عن رسول الله ﷺ كما تقدم، وإنما أوردنا بعض ما ورد في هذا الباب؛ لأن فيه كفاية ومقنعا، والله المستعان.
والذي يظهر من الأحاديث المتقدمة أن الدجال يمتحن الله به عباده بما يخلقه معه من الخوارق المشاهدة في زمانه، كما تقدم أن من استجاب له يأمر السماء فتمطرهم والأرض فتنبت لهم زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم وترجع إليهم سمانا، ومن لا يستجيب له ويرد عليه أمره تصيبهم السنة والجدب والقحط والعلة وموت الأنعام ونقص الأموال والأنفس والثمرات، وأنه تتبعه كنوز الأرض كيعاسيب النحل، ويقتل ذلك الشاب ثم يحييه، وهذا كله ليس بمخرقة بلِ له حقيقة امتحن الله به عباده في ذلك الزمان، فيضل به كثيرا ويهدي به كثيراَ، يكفر المرتابون، ويزداد الذين آمنوا إيمانا، وقد حمل القاضي عياض وغيره على هذا المعنى معنى الحديث «هو أهون على الله من ذلك» .
أي هو أقل من أن يكون معه ما يضل به عباده المؤمنين، وما ذاك إلا لأنه ظاهر النقص والفجور والظلم، وإن كان معه من الخوارق، وبين عينيه مكتوب كافر كتابة ظاهرة، وقد حقق ذلك الشارع في خبره بقوله: ك - ف - ر. وقد دل ذلك على أنها كتابة حسية لا معنوية، كما يقوله بعض الناس، وعينه الواحدة
_________________
(١) محمد بن عبد الوهاب الجبائي البصري أبو علي الجبائي، زعيم الطائفة الجبائية من المعتزلة، تتلمذ عليه أبو الحسن الأشعري ثم ناظره وهجره، توفي سنة ٣٠٣ هـ. لسان الميزان (٥ / ٥٧١)، شذرات الذهب (٢ / ٢٤١) .
[ ١٠٨ ]
عوراء شنيعة المنظر ناتئة، وهو معنى قوله: «كأنها عنبة طافية» أي طافية على وجه الماء، ومن روى ذلك طافئة فمعناه: لا ضوء فيها. وفي الحديث الآخر: «كأنها نخامة على حائط مجصص» أي بشعة الشكل، وقد ورد في بعض الأحاديث أن عينه اليمنى عوراء رحا (١) اليسرى، فإما أن تكون إحدى الروايتين غير محفوظة، أو أن العور حاصل في كل من العينين، ويكون معنى العور النقص والعيب.
ويقوي هذا الجواب: ما رواه الطبراني قال: حدثنا محمد بن محمد التمار وأبو خليفة قالا: حدثنا أبو الوليد، حدثنا زائدة، حدثنا سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «الدجال جعد هجان أقمر، كأن رأسه غصن شجرة، مطموس عينه اليسرى، والأخرى كأنها عنبة طافية» الحديث (٢) وكذلك رواه سفيان الثوري عن سماك بنحوه، لكن قد جاء في الحديث المتقدم: «وعينه الأخرى كأنها كوكب دري»، وعلى هذا فتكون الرواية الواحدة غلطا، ويحتمل أن يكون المراد أن العين الواحدة عوراء في نفسها، والأخرى عوراء باعتبار انبرازها، والله ﷾ أعلم بالصواب (٣) .
_________________
(١) "رحا اليسرى" أي مثلها، كأن عينيه في التماثل حجرا الرحا.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير (١١ / ٢٧٣) .
(٣) النهاية في الفتن والملاحم لابن كثير: (١ / ١٦٤ - ١٦٦) .
[ ١٠٩ ]