المطلب الخامس: خروج الدجالين والكذابين أدعياء النبوة من أمارات الساعة وأشراطها خروج الدجالين الكذابين، الذين يدعون النبوة ويثيرون الفتنة بأباطيلهم، وقد أخبر النبي ﷺ أن عدد هؤلاء قريب من ثلاثين فقال ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله» (١) .
وقد تحققت ووقعت هذه الآية، والعلامة من علامات الساعة، فخرج كثير من أدعياء النبوة قديما وحديثا، ولا يستبعد أن يظهر دجالون آخرون إلى أن يظهر الدجال الأعور الكذاب - نعوذ بالله من فتنته - فقد خطب رسول الله ﷺ يوما فقال: «إنه والله لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابا آخرهم الأعور الكذاب» (٢) .
وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» (٣) .
" وقد ظهر من هؤلاء عدد كبير في الماضي، فادعى النبوة في آخر حياة الرسول ﷺ الأسود العنسي في اليمن حيث كانت ردته أول ردة في الإسلام على عهد رسول الله ﷺ (٤) وقد تحرك بمن معه من المقاتلين واستولى على جميع أجزاء اليمن، وبعد أن علم رسول الله ﷺ بما حدث، بعث برسالة إلى المسلمين هناك يحثهم فيها على الوقوف في وجهه ومقاتلته، فاستجابوا لذلك وقتلوه في منزله بمعاونة زوجته التي تزوجها قسرا بعد أن قتل زوجها، وقد كانت مؤمنة بالله ورسوله ﷺ، وبمقتله ظهر الإسلام وأهله، وكتبوا إلى رسول الله ﷺ، وقد أتى إليه الخبر في ليلته من السماء فأخبر أصحابه، وقد دامت فترة
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه: - كتاب المناقب - (٦ / ٦١٦) .
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٥ / ١٦) بسند صحيح.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه (١١ / ٣٢٤) والترمذي في سننه (٦ / ٤٦٦) وقال هذا حديث صحيح.
(٤) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (٣ / ١٨٥) والكامل في التاريخ (٢ / ٣٣٧) .
[ ٥٧ ]
ملك هذا الكذاب من حين ظهوره إلى أن قتل ثلاثة أشهر، وقيل أربعة أشهر " (١) .
ومنهم طليحة بن خويلد الأسدي الذي قدم على النبي ﷺ في وفد بني أسد سنة ٩ هـ وأسلموا ورجعوا إلى بلادهم وقد تنبأ طليحة هذا في حياة الرسول ﷺ فوجه إليه ضرار بن الأزور عاملا على بني أسد وأمرهم بالقيام على من ارتد، فضعف أمر طليحة حتى لم يبق إلا أخذه فضربه بالسيف، فلم يصنع فيه شيئا، فظهر بين الناس أن السيف لا يعمل فيه، فكثر جمعه، ومات النبي ﷺ وهم على ذلك، ولما قام أبو بكر الصديق ﵁ بأمر الخلافة، أرسل إليه جيشا بقيادة خالد بن الوليد ﵁ فالتقى الجيشان، فهزم جيش طليحة ففر بعدها مع زوجته إلى الشام، ثم أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، ولحق بجيش المسلمين وأبلى في الجهاد في سبيل الله بلاء حسنا واستشهد بنهاوند ﵁ (٢) .
ومنهم مسيلمة الكذاب، الذي وفد على رسول الله ﷺ في العام التاسع الهجري مع جماعة من بني حنيفة، وبعد عودة الوفد إلى اليمامة، ارتد عدو الله وتنبأ وقال: إني قد أشركت في الأمر معه - أي مع رسول الله ﷺ - وكان يزعم أن الوحي يأتيه في الظلام، وقد أرسل له أبو بكر الصديق جيشا بقيادة خالد بن الوليد ﵁، وعكرمة بن أبي جهل ﵁ وشرحبيل بن حسنة ﵁ فاستقبلهم مسيلمة بجيش كان قوامه أربعين ألف مقاتل ودارت بينهم معارك حاسمة كانت الدائرة فيها على مسيلمة وجيشه، وقتل مسيلمة بيد وحشي بن حرب ﵁ وانتصر الحق وارتفعت راية التوحيد (٣) .
_________________
(١) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (٣ / ٢٣١)، الكامل في التاريخ (٢ / ٣٣٨)، المختصر في أخبار البشر (١٥٦ - ١٥٧)، البداية والنهاية (٦ / ٣٠٧ - ٣٠٩) .
(٢) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (٣ / ٢٦١)، الكامل في التاريخ (٢ / ٣٤٣ - ٣٤٨) .
(٣) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (٣ / ٢٧٢) الكامل في التاريخ (٢ / ٣٦١، ٣٦٢)، البداية والنهاية (٦ / ٣٢٣ - ٣٢٧) .
[ ٥٨ ]
ومنهم سجاح بنت الحارث التغلبية، كانت من نصارى العرب، وقد ادعت النبوة بعد موت الرسول ﷺ فالتف حولها أناس كثير من قومها ومن غيرهم وغزت بهم القبائل المجاورة حتى وصلت إلى بني تميم، فاصطلحوا معها، وسارت حتى وصلت اليمامة والتقت بمسيلمة وصدقته وتزوجها، ولما قتل مسيلمة رجعت إلى بلادها وأقامت في قومها بني تغلب، ثم أسلمت وحسن إسلامها، ثم انتقلت بعد ذلك إلى البصرة وماتت بها (١) .
وأما في عصر التابعين وما بعده فظهر المختار بن أبي عبيد الثقفي، الذي تظاهر بالتشيع أولا فالتف حوله جماعة كثيرة من الشيعة (٢) وكان يقول بإمامة محمد بن الحنفية، وكان يدعو الناس إليه، وزعم أن جبريل ﵇ ينزل عليه، وقد استولى على الكوفة ونواحيها وقتل كل من كان بالكوفة من الذين قاتلوا الحسين بن علي بكربلاء، وقد دارت بينه وبين مصعب بن الزبير عدة معارك كانت الدائرة فيها عليه والغلبة لمصعب، فقتل المختار، وفرح المسلمون بذلك (٣) .
ومنهم الحارث بن سعيد الكذاب الذي أظهر التعبد والتنسك في دمشق ثم زعم أنه نبي، ولما علم أن الخبر وصل إلى الخليفة عبد الملك بن مروان اختفى وجهل الناس خبره، فاستطاع رجل من أهل البصرة أن يعرف مكانه وتظاهر له بالتصديق فأمر الحارث ألا يحجب منه هذا الرجل متى ما أراد الدخول عليه،
_________________
(١) انظر: تاريخ ابن جرير الطبري (٣ / ٢٧١ - ٢٧٥)، وتاريخ ابن خلدون (٢ / ٨٧٤)، والبداية والنهاية (٦ / ٣١٩ - ٣٢١) .
(٢) الشيعة: هم الذين شايعوا عليا ﵁، وقدموه على سائر الصحابة، ثم ظهرت فيها السبئية المنتسبون إلى عبد الله بيت سبأ فادعوا إمامة علي بالنص، وقالوا: بالغيبة والرجعة، ثم ساقوا الإمامة في ذريته على اختلاف بينهم، والشيعة فرق كثيرة منهم الغالي ومنهم دون ذلك، تم صار التشيع ستارا للفرق الباطنية الملحدة. انظر: مقالات الإسلاميين (١ / ٦٥)، والملل والنحل (١ / ١٤٦) .
(٣) انظر: الفرق بين الفرق (٤٥ - ٥٥)، والبداية والنهاية (٨ / ٣١١ - ٣١٤) .
[ ٥٩ ]
فاتصل هذا الرجل بعبد الملك وأخبره الخبر، فسير معه جنودا من العجم وتم القبض عليه وجيء به إلى عبد الملك، فأمر عبد الملك رجالا من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا من الشيطان، فأبى أن يقبل منهم، فصلبه عبد الملك بعد ذلك (١) .
وفي العصر الحديث قبل أكثر من قرن ظهر بالهند رجل يدعى ميرزا غلام أحمد القادياني - لعنة الله عليه - ادعى النبوة، وكان يزعم أنه يتلقى الوحي من السماء، كما زعم أن الله ﷿ أخبره بأنه سيعيش ثمانين سنة، وقد صار له أتباع وأعوان فانبرى له كثير من العلماء وردوا عليه وبينوا أنه دجال من الدجالين، وكان منهم العالم الكبير ثناء الله الأمر تسري الذي كان من أشد العلماء عليه حتى إنه في عام ١٣٢٦ هـ تحدى القادياني الشيخ ثناء الله هذا، بأن الكاذب المفتري من الرجلين سيموت، ودعا الله أن يقبض المبطل في حياة صاحبه ويسلط عليه داء مثل الهيضة والطاعون يكون فيه حتفه، وبعد ثلاثة عشر شهرا وعشرة أيام تقريبا أصيب القادياني بدعوته. وقد ذكر أبو زوجته نهايته بقوله: ولما اشتد مرضه أيقظني فذهبت إلى حضرته ورأيت ما يعانيه من الألم فخاطبني قائلا: أصبت بالكوليرا ثم لم ينطق بعد هذا بكلمة صريحة حتى مات (٢) .
وهكذا سيستمر خروج هؤلاء الكذابين الدجالين واحدا بعد الآخر، حتى تستوفي عدتهم التي أخبرنا الصادق المصدوق نبينا محمد ﷺ حتى يكون آخرهم المسيح الدجال الذي يخرج في آخر الزمان - نعوذ بالله من فتنته - وينزل عيسى ابن مريم ﵇ للقضاء عليه وعلى فتنته، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في أشراط الساعة الكبرى.
_________________
(١) انظر: تلبيس إبليس (٤٢٧ - ٤٣٠)، البداية والنهاية (٩ / ٢٧، ٢٨) .
(٢) القاديانية: لإحسان إلهي ظهير (١٥٥ - ١٥٩) .
[ ٦٠ ]