من الأمور التي أخبرنا عنها رسول الله ﷺ أنها تحدث في زمن عيسى ﵇: أن الشحناء والتباغض والتحاسد ترفع من بين الناس حيث تجتمع كلمة الجميع على الإسلام، وتعم البركة، وتكثر الخيرات، حيث تنبت الأرض نبتها، ولا يرغب في اقتناء المال لكثرته، وينزع الله في ذلك الوقت سم كل ذي سم حتى يلعب الأولاد بالحيات والعقارب فلا تضرهم، وترعى
_________________
(١) سورة الأحزاب، آية: ٤٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل (٤ / ١٠٤) .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المناقب (٤ / ١٦٢) .
(٤) أخرجه الأمام أحمد في مسنده (٣ / ٣٨٧) وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١٣ / ٣٣٤) رجاله موثقون إلا أن في مجالد ضعفا.
(٥) التذكرة للقرطبي (٢ / ٧٩٢) .
[ ١٢٥ ]
الشاة مع الذئب فلا يضرها، فتملأ الأرض أمنا وسلما، وينعدم القتال بين البشر فترخص الخيل لعدم القتال، وترتفع أسعار الثور؛ لأن الأرض تحرث كلها.
ففي حديث النواس بن سمعان ﵁ السابق أن رسول الله ﷺ قال: «. . . ثم يرسل الله مطرا لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة، ثم يقال للأرض أنبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِسْل (١) حتى أن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. . .» الحديث (٢) .
ومن حديث أبي أمامة الطويل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «. . . فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكما عدلا، وإماما مقسطا يدق الصليب، ويذبح الخنزير ويضع الجزية ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتضر الوليدة الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور (٣) الفضة، تنبت نباتها بعهد آدم حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بالدريهمات. . .» (٤) .
_________________
(١) الرسل: بكسر الراء وإسكان السين هو اللبن، انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (١٨ / ٦٩)، النهاية في غريب الحديث (٣ / ٤١٢) .
(٢) تقدم تخريجه ص ٩٧.
(٣) الفاثور: الخوان، وقيل: هو طست أو جام من فضة أو ذهب، النهاية في غريب الحديث (٣ / ٤١٢) .
(٤) تقدم تخريجه ص ١٢٣.
[ ١٢٦ ]
وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «والله لينزلن عيسى ابن مريم حكما عادلا. . . وليضعن الجزية ولتتركن القلاص (١) فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد» (٢) .
قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: ومعناه أن يزهد الناس فيها، ولا يرغب في اقتنائها لكثرة الأموال وقلة الآمال وعدم الحاجة والعلم بقرب القيامة، وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل التي هي أنفس الأموال عند العرب وهي شبيهة بمعنى قول الله ﷿: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤] (٣) . ومعنى لا يسعى عليها: لا يعتني بها (٤) .