وإذ تبيَّنَ زيف ما بُنِيَ عليه عدم الأخذ بخبر الواحد في العقائد؛ فالأدلَّة الّتي توجِب الأخذ به كثيرةٌ، جاءت في الكتاب والسُّنَّة، ومنها:
أمّا الأدلَّة من الكتاب، فهي كثيرة، أذكر منها:
١ - قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢].
فهذه الآية تحثُّ المؤمنين على التفقه في الدين، والطائفة تُطلق على الواحد فما فوق.
قال الإمام البخاريّ: "ويسمَّى الرَّجل طائفة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا (٩)﴾ [الحجرات: ٩]، فلو اقتتل رجلان؛ دخلا في معنى الآية" (^١).
فإذا كان الرَّجل يُؤخذ بما يخبر به من أمور دينية؛ كان هذا دليلًا على أن خبره حجةٌ، والتفقه في الدين يشمل العقائد والأحكام، بل إن التفَقُّه في العقيدة أهم من التفقُّه في الأحكام (^٢).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣١ - مع الفتح).
(٢) انظر: "العقيدة في الله" (ص ٥١).
[ ٤٧ ]
٢ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (٦)﴾ [الحجرات: ٦]، وفي قراءة: (فتثبَّتُوا)؛ من التثبُّت (^١).
ولهذا يدلُّ على الجزم والقطع بقبول خبر الواحد الثقة، وأنّه لا يحتاج إلى التثبُّت، لعدم دخوله في الفاسق، ولو كان خبره لا يفيد العلم؛ لأمر بالتثبُّت مطلقًا حتّى يحصل العلم (^٢).
٣ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ (٥٩)﴾ [النِّساء: ٥٩].
قال ابن القيم: "وأجمع المسلمون أن الردَّ إلى الرسول هو الرجوع إليه في حياته، والرجوع إلى سنته بعد مماته، واتَّفقوا على أن فرضَ هذا الردِّ لم يسقط بموته، فإن كان متواتر أخباره وآحادها لا تفيد علمًا ولا يقينًا؛ لم يكن للردِّ إليه وجهٌ" (^٣).
وأمّا الأدلَّة من السنة؛ فهي كثيرة جدًّا، أقتصر على بعضٍ منها:
١ - كان النبيُّ - ﷺ - يبعث رسله إلى الملوك واحدًا بعد واحدٍ، وكذلك أمراءه على البلدان، فيرجع النَّاس إليهم في جميع الأحكام العمليَّة والاعتقاديَّة، فبعث أبا عُبيدة عامر بن الجرَّاح ﵁ إلى أهل
_________________
(١) انظر: "تفسير الشوكاني" (٥/ ٦٠).
(٢) "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة" (ص ٧) لمحدث الشّام محمّد ناصر الدين الألبانى.
(٣) "مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطَّلة" (٢/ ٣٥٢)، للإِمام ابن القيم.
[ ٤٨ ]
نجران (^١)، وبعث معاذ بن جبل ﵁ إلى أهل اليمن (^٢)، وبعث دِحْيَة الكلبي ﵁ بكتاب إلى عظيم بُصرى (^٣) وغيرهم من الصّحابة ﵃.
٢ - وروى البخاريُّ عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: "بيَّنَّا النَّاس بقُباء في صلاة الصُّبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أُنْزِلَ عليه اللَّيلة قرآن، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة؛ فاستَقْبلوها، وكانت وجوههم إلى الشّام، فاستداروا إلى الكعبة" (^٤).
ولا يُقال: إن هذا في حكم عمليٍّ؛ لأنّ العمل بهذا الحكم مبنيٌّ على اعتقاد صحة الخبر.
٣ - وعن عمر ﵁؛ قال: "وكان رجلٌ من الأنصار إذا غاب عن رسول الله - ﷺ - وشهِدْتُهُ؛ أتيتُه بما يكون من رسول الله - ﷺ -، وإذا غِبْتُ عن رسول الله - ﷺ - وشهد؛ أتاني بما يكون من رسول الله - ﷺ - " (^٥).
_________________
(١) انظر: "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).
(٢) انظر: "صحيح البخاريّ"، كتاب الزَّكاة، باب وجوب الزَّكاة، (٣/ ٢٦١ - مع الفتح).
(٣) انظر: "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما كان يبعث النّبيّ - ﷺ - من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد، (١٣/ ٢٤١ - مع الفتح)، رواه البخاريّ معلَّقًا.
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار اللآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).
(٥) "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار اللآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).
[ ٤٩ ]
فهذا واقع الصّحابة ﵃ يرينا أن الواحد منهم كان يكتفي بخبر الواحد في أُمور دينه؛ سواء ما كان منها اعتقاديًّا، أو عمليًّا.
٤ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "نضَّرَ اللهُ امرءًا سَمِعَ منَّا حديثًا، فحفظهُ حتَّى يُبَلِّغَهُ، فربَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع" (^١).
وهذا أيضًا لا يقتصر على أحاديث الأعمال دون غيرها، بل هو عامٌّ متناولٌ لأحاديث الأعمال والأحكام الاعتقادية، فلو لم يكن الإِيمان بما يثبت عنه - ﷺ - من عقائد بأخبار الآحاد واجبًا؛ لما كان لهذا الأمر من النّبيّ - ﷺ - بتبليغ حديثه مطلقًا معنى، بل لبيَّنَ الرسول - ﷺ - أن ذلك مقصورٌ على أحاديث الأعمال دون غيرها.
هذا؛ والقول بأن أحاديث اللآحاد لا تثبت بها عقيدة قولٌ مبتَدَعٌ محدَثٌ لا أصلَ له في الدين، ولم يقلْ به واحدٌ من السَّلف الصالح رضوان الله تعالى عليهِم، ولم يُنْقَلْ عن أحدٍ منهم، بل ولا خطَرَ لهُم على بالٍ، ولو وُجِدَ دليلٌ قطعيٌّ يدلُّ على أن أحاديث اللآحاد لا تثبُتُ بها عقيدةٌ؛ لعلّمه الصّحابة، وصرَّحوا به، وكذلك مَنْ بعدَهم من السَّلَف الصالح.
ثمّ إن هذا القول المبتَدَعَ يتضمَّن عقيدةً تستلزمُ ردَّ مئات الأحاديث
_________________
(١) "مسند أحمد" (٦/ ٩٦) (ح ٤١٥٧)، تحقيق وشرح أحمد شاكر. وقد رواه الإمام أحمد بإسنادين صحيحين. وانظر: كتاب "دراسة حديث (نضَر الله امرءًا سمع مقالتي) رواية ودراية" (ص ٣٣ - وما بعدها) للشيخ عبدالمحسن بن محمّد العباد، طبع مطابع الرشيد بالمدينة المنوَّرة، الطبعة الأولى، (١٤٠١ هـ).
[ ٥٠ ]
الصَّحيحة الثابتة عن النّبيّ - ﷺ - (^١).
فالذين لا يأخذون بخبر الواحد في العقيدة يلزمهم أن يردُّوا كثيرًا من العقائد الّتي ثبتت بأحاديث اللآحاد، ومنها:
١ - أفضلية نبيِّنا محمَّدٍ على جميع الأنبياء والمرسلين.
٢ - شفاعتُه العظمى في المحشر.
٣ - شفاعته - ﷺ - لأهل الكبائر من أمَّته.
٤ - معجزاته كلها ما عدا القرآن.
٥ - كيفيَّة بدء الخلق، وصفة الملائكة والجن، وصفة الجنَّة والنار؛ ممّا لم يذكر في القرآن الكريم.
٦ - سؤال منكَر ونكير في القبر.
٧ - ضغطة القبر للميِّت.
٨ - الصراط، والحوض، والميزان ذو الكفتين.
٩ - الإِيمان بأن الله تعالى كتب على كلّ إنسان سعادته أو شقاوته، ورزقه وأجله وهو في بطن أمه.
١٠ - خصوصياته - ﷺ - الّتي جمعها السيوطيّ في كتاب "الخصائص الكبرى"، مثل دخوله في حياته الجنَّة، ورؤيته لأهلها، وما أُعِدَّ للمتَّقين فيها، وإسلام قرينه من الجن.
_________________
(١) انظر: رسالة "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة" (ص ٥ - ٦)، وكتاب "العقيدة في الله" (ص ٥٣) لعمر الأشقر.
[ ٥١ ]
١١ - القطع بأن العشرة المبشَّرين بالجنة من أهل الجنَّة.
١٢ - عدم تخليد أهل الكبائر في النّار.
١٣ - الإِيمان بكل ما صحَّ في الحديث في صفة القيامة والحشر والنشر ممَّا لم يردّ في القرآن الكريم.
١٤ - الإِيمان بمجموع أشراط السّاعة؛ كخروج المهدي، ونزول عيسى -﵇-، وخروج الدجَّال، وخروج النّار، وطلوع الشّمس من مغربها، والدَّابة، وغير ذلك.
ثمّ إنّه ليست أدلَّة جميع هذه العقائد الّتي قالوا هي ثابتة بخبر الآحاد، ليست أدلَّتها أحاديث آحاد، بل منها ما دليله أحاديث متواترة، ولكن قلة علم هؤلاء المنكرين لحجَّيَّة خبر الآحاد؛ جعلهم يردُّون كلّ هذه العقائد، وغيرها من العقائد، الّتي جاءت بها الأحاديث الصحيحة (^١).
* * * * *
_________________
(١) انظر: رسالة "وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة" (ص ٣٦ - ٣٩)، وكتاب "العقيدة في الله" (ص ٥٤ - ٥٥) لعمر الأشقر.
[ ٥٢ ]