أشراط السّاعة الصغرى الّتي ذكرها العلماء كثيرة جدًّا، وقد ذكرتُ هنا منها ما ثبت بالسُّنَّة أنّه من أشراط السّاعة الصغرى، وتركتُ ما لم يثبت - في حدود علمي القاصر-، وذلك بعد النظر في هذه الأحاديث، ومعرفة كلام العلماء عليها، من حيث الصِّحَّة والضعف، أو قد يكون هناك من الأشراط ما هو ثابتٌ، ولم أطلع على حديثٍ ثابتٍ فيه.
وقد سردتُ هذه الأشراط بدون ترتيب؛ لأنَّني لم أطَّلع على حديث أو أحاديث تنصُّ على ترتيبها، فذكرتُ أوَّلًا ما نصَّ العلماء علي أنّه ظهر وانتهى، ثمّ تحريتُ في ذكري لباقي الأشراط بتقديم ما تقتضي الحوادث تقديمه على غيره، فمثلًا، ظهور الفتن مقدَّم على قبض العلم؛ لأنّ الفتن ظهرت في عصر الصّحابة، وقدَّمت قتال الروم على فتح القسطنطينية؛ لأنّ الخبر جاء بذلك، وجعلتُ فتح القسطنطينية مقدَّمًا على قتال اليهود في زمن عيسى -﵇-؛ لأنّ فتحها قبل ظهور الدَّجَّال، ونزول عيسى ﵇ يكون بعد ظهور الدجَّال، وهكذا وبعض الأشراط يقتضي ذكره في الأخير؛ لأنّه لا يظهر إِلَّا بعد الأشراط الكبرى؛ مثل هدم الكعبة
[ ٧٩ ]
على يدي الحبشة، وظهور الريح الّتي تقبض أرواح المؤمنين.
ومما ينبغي أن يُعْلَمَ أَنَّ كثيرًا من أشراط الساعه قد ظهرت مباديها من عهد الصّحابة ﵃، وهي في ازدياد، ثمّ صارت تكثر في بعض الأماكن دون بعض، والذي يعقبه قيام السّاعة هو استحكام ذلك، فيكون مثلًا قبض العلم لا يقابله إِلَّا الجهل الصّرف، ولا يمنع من ذلك وجود طائفة من أهل العلم؛ لأنّهم يكونون حينئذ مغمورين في أهل الجهل، وقس عليه غيره من أشراط السّاعة (^١).
وممَّا ينبغي التنبيه عليه أيضًا أن بعض النَّاس يفهم من كونِ الشيء من أشراط السّاعة أنّه محذورٌ وممنوعٌ، وهذه القاعدةُ غير مسلَّمة، فإنّه ليس كلُّ ما أخبر - ﷺ - بكونه من علامات السّاعة يكون محرَّمًا أو مذمومًا، فإن تطاوُلَ الرعاء في البنيان، وفشوَّ المال، وكون خمسين امرأة لهنَّ قيَمٌ واحد ليس بحرام بلا شك، وإنّما هذه علامات، والعلّامة لا يشترط فيها شيء من ذلك، بل تكون بالخير والشر، والمباح، والمحرَّم، والواجب، وغيره، والله أعلم (^٢).
والآن حان الشروع في ذكر أشراط السّاعة الصغرى، وهي كما يلي: