لقد أخبر النّبيّ - ﷺ - بما يكون إلى قيام السّاعة، وذلك ممّا أطلعه الله عليه من الغُيوب المستقْبَلَة، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدًّا، حتّى بلغت حد التواتر المعنوي (^١).
فمنها ما رواه حذيفة ﵁؛ قال: "لقد خطبنا النّبيّ - ﷺ - خطبة ما ترك فيها شيئًا إلى قيام السّاعة إِلَّا ذكره؛ علمه مَنْ علمه، وجهله مَنْ جهله، إن كنتُ لأرى الشيءَ قد نسيتُه، فأعرفُهُ كما يعرِفُ الرَّجلُ الرجلَ إذا غاب عنه فرآه فعرفه" (^٢).
وقال ﵁: "أخبرني رسول الله - ﷺ - بما هو كائن إلى أن
_________________
(١) "الشفا بتعريف أحوال المصطفى" (١/ ٦٥٠) للقاضي عياض، تحقيق محمّد أمين قره علي وزملائه، طبع الوكالة العامة للنشر والتوزيع، مؤسسة علوم القرآن، مكتبة الفارابي، دمشق.
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب القدر، باب وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، (١١/ ٤٩٤ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٥ - مع شرح النووي).
[ ٥٣ ]
تقوم السّاعة، فما منه شيءٌ إِلَّا قد سألته، إِلَّا أنّه لم أسأله: ما يُخْرِج أهلَ المدينة من المدينة؟ " (^١).
ولم يكن ذلك خاصًّا بحذيفة ﵁، بل لقد خطب النّبيّ - ﷺ - يومًا كاملًا؛ ليبَّين للصحابة ﵃ ما كان وما سيكون إلى قيام السّاعة
فقد روى أبو زيد عمرو بن أخطب الأنصاري ﵁؛ قال: "صلّى بنا رسول الله - ﷺ - الفجر، وصعد المنبر، فخطَبَنا حتّى حضرتِ الظهر، فنزل، فصلّى، ثمّ صعد المنبر، فخطبنا حتّى حضرت العصر، ثمّ نزل، فصلّى، ثمّ صعد، فخطبنا حتّى غربت الشّمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا".
رواه مسلم (^٢).
وقال حذيفة بن اليمان ﵁: "واللهِ إنني لأعلم النَّاس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين السّاعة، وما بي إِلَّا أن يكون رسول - ﷺ - أسرَّ إليَّ في ذلك شيئًا لم يُحَدِّثْهُ غيري، ولكن رسول الله - ﷺ - قال وهو يحدَّث مجلسًا أنا فيه عن الفتن، فقال رسول الله - ﷺ - وهو يعدُّ الفتن: (منهنَّ ثلاثٌ لا يَكَدْنَ يذَرْنَ شيئًا، ومنهنَّ فتنٌ كرياح الصيف؛ منها صغار، ومنهاكبارٌ) ".
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - مع شرح النووي).
[ ٥٤ ]
قال حذيفة: "فذهب أولئك الرهط كلهم غيري" (^١).
فهذه أدلَّة صحيحة على أن النبيَّ - ﷺ - قد أخبر أمَّته بكل ما هو كائنٌ إلى قيام السّاعة ممَّا يخصُّهم.
ولا شك أن أشراط السّاعة قد نالت من الإِخبار بالغيب النصيب الأوفر، ولهذا جاءت أحاديث أشراط السّاعة كثيرةً جدًّا، ورُوِيَت بألفاظ مختلفة؛ لكثرة مَنْ نقلها من الصّحابة ﵃.
* * * * *
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - مع شرح النووي).
[ ٥٥ ]