لقد كان ظهور الفتن في عهد الصّحابة ﵃ بعد مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁؛ فإنّه كان بابًا مغلقًا دون الفتن، فلما قُتِلَ ﵁، ظهرت الفتن العظيمة، وظهر دُعاتُها ممَّن لم يتمكَّن الإِيمان من قلبه، وممَّن كان من المنافقين الذين يُظْهِرون للناس الخير، ويُبْطِنون الشر والكيد لهذا الدين.
ففي "الصحيحين" عن حُذيفة ﵁ أن عمر بن الخطّاب ﵁؛ قال: أيكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ كما قال. قال: هاتِ؛ إنك لجريء. قال رسول الله - ﷺ -: "فتنةُ الرَّجل في أهله وماله وجاره تكفِّرها الصّلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". قال: ليست هذه، ولكن الّتي تموجُ كموجِ البحر. قال: يا أمير المؤمنين! لا بأس عليك منها، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: يُفتح الباب أو يُكْسر؟ قال: لا، بل يُكْسَر. قال: ذلك أحرى أن لا يغلق. قلنا: عُلِمَ الباب؟ قال: نعم؛ كما أن دون غَدٍ اللَّيلة، إنِّي حدثتُه حديثًا ليس بالأغاليط. فهبنا أن نسأله، وأمرنا مسروقًا، فسأله، فقال: مَنْ الباب؟ قال: عمر (^١).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، (٦/ ٦٠٣ - ٦٠٤ =
[ ٩٦ ]
وكان ما أخبر به الصادق المصدوق - ﷺ -، فقد قُتِلَ عمر، وكُسِرَ الباب، وظهرتِ الفتن، ووقع البلاء، فكان أول فتنة ظهرت هي قتل الخليفة الراشد ذي النورين عثمان بن عفَّان على يد طائفة من دُعاة الشر، الذين تألَّبوا عليه من العراق ومصر، ودخَلُوا المدينة، وقتلوه وهو في داره ﵁ (^١).
وقد ذكر النّبيّ - ﷺ - لعثمان ﵁ أنّه سيصيبه بلاءٌ، ولهذا صبر ونهى الصّحابة عن قتال الخارجين عليه؛ كي لا يُراقَ دَمٌ مِن أجله ﵁ (^٢).
ففي الحديت عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: خرج النّبيّ - ﷺ - إلى حائطٍ مِن حوائطِ المدينة (فذكر الحديث إلى أن قال: (فجاء عثمان، فقلت: كما أنت، حتّى أستأذن لك. فقال النّبيّ - ﷺ -: "ائذن له، وبشِّره بالجنة معها بلاءٌ يُصيبُهُ" (^٣).
"وخصَّ النبيُّ - ﷺ - عثمان بذكر البلاء مع أن عمر قتل أيضًا؛ لكون عمر لم يمْتَحَنْ بمثلِ ما امْتُحِنَ به عثمان؛ من تسلُّط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإِمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم؛ بعد إقناعه
_________________
(١) = مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٦ - ١٧ - مع شرح النووي).
(٢) انظر تفصيل ذلك في "البداية والنهاية" (٧/ ١٧٠ - ١٩١).
(٣) انظر: "العواصم من القواصم" (ص ١٣٢ - ١٣٧)، تحقيق وتعليق محب الدين الخطيب.
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب الفتنة الّتي تموج كموج البحر، (١٣/ ٤٨ - مع الفتح).
[ ٩٧ ]
لهم، وردِّه عليهم" (^١).
وبمقتل عثمان ﵁ انقسم المسلمون، ووقع القتال بين الصّحابة، وانتشرت الفتن والأهواء، وكَثُر الاختلاف، وتشعَّبت الآراء، ودارت المعارك الطاحنة في عهد الصّحابة ﵃، وكان النّبيّ - ﷺ - يعلم ما سيقع من الفتن في زمنهم؛ فإنّه أشرف على أطم (^٢) من آطام المدينة، فقال: "هل ترونَ ما أرى؟ قالوا: لا. قال: فإني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكُم كوقع القطر" (^٣).
قال النووي: "والتشبيه بمواقع القطر في الكثرة والعموم؛ أي: أنّها كثير، تعمُّ النَّاس، لا تختصُّ بها طائفةٌ، وهذا إشارةٌ إلى الحروب الجارية بينهم؛ كوقعة الجمل، وصفِّين، والحرَّة، ومقتل عثمان والحسين ﵄ وغير ذلك، وفيه معجزة ظاهرة له - ﷺ - " (^٤).