ومن الفتن العظيمة اتِّباع سنن اليهود والنصارى وتقليدهم، فقد قلَّد بعض المسلمين الكفَّار، وتشبَّهوا بهم، وتخلَّقوا بأخلاقهم، وأُعجبوا بهم، وهذا مصداق ما أخبر به النبيُّ - ﷺ -، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تأخذ أمَّتي بأخذ القرون قبلها شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ". فقيل: يا رسول الله! كفارس والروم؟ فقال: "ومَن النَّاس إِلَّا أولئك".
رواه البخاريّ (^٢).
وفي رواية عن أبي سعيد: قُلْنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمَن؟! ".
رواه البخاريّ ومسلمٌ (^٣).
_________________
(١) "مسند أحمد" (٤/ ١٠٢ - بهامشه منتخب كنز العمال)، و"سنن أبي داود" (١٢/ ٣٤١ - ٣٤٢ - مع عون المعبود)، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ١٠٢)، وقال الحاكم بعد سياقه لهذا الحديث وحديث أبى هريرة: "هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث". والحديث صحَّحه الألباني، وذكر طرقه في "سلسلة الأحاديث الصحيحة"، وردَّ على من طعن فيه. انظر: "السلسلة" (م ٢/ جـ ٣/ ١٤ - ٢٣) (ح ٢٠٤).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب: قول النّبيّ - ﷺ -: "لتتبعنَ سنن مَنْ كان قبلكم" (١٣/ ٣٠٠ - مع الفتح).
(٣) "صحيح البخاريّ"، (١٣/ ٣٠٠ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب الألد الخصم، (١٦/ ٢١٩ - ٢٢٠ - مع شرح النوَوي).
[ ١١١ ]
قال ابن بطَّال (^١): "أعْلَمَ - ﷺ - أن أمَّته ستَتَّبِع المُحدثات من الأمور والبدع والأهواء؛ كما وقع للأمم قبلَهم، وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شرٌّ، والساعة لا تقوم إِلَّا على شرار النَّاس، وأن الدين إنّما يبقى قائمًا عند خاصَّةٍ مِن النَّاس" (^٢).
وقال ابن حجر: "وقد وقع معظم ما أنذر به - ﷺ -، وسيقع بقيَّة ذلك" (^٣).
وفي هذا الزمن كثر في المسلمين مَنْ يتشبَّه بالكفارة من شرقبين وغرببين، فتشبَّه رجالنا برجالهم، ونساؤنا بنسائهم، وافتتنوا بهم، حتّى أدى الأمر ببعض النَّاس أن خرجوا عن الإسلام، واعتقدوا أنّه لا يتمُّ لهم تقدُّم وحضارة إِلَّا بنبذ كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، ومَن عرف الإسلام الصّحيح؛ عرف ما وصل إليه المسلمون في القرون الأخيرة، من بُعْدٍ عن تعاليم الإسلام، وانحرافٍ عن عقيدته، فلم يبقَ عندَ بعضهم من الإسلام إِلَّا اسمه، فقد حكموا قوانين الكفار، وابتعدوا عن شريعة الله، وليس هناك أبلغ ممّا وصف به النّبيّ - ﷺ - المسلمين في اتِّباعهم ومحاكاتهم للكفار، فقال: "شبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ، حتّى لو دَخَلوا جًحْرَ ضبٍّ
_________________
(١) هو أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطَّال القرطبي، روى عن أبي المطرِّف القنازعي، ويونس بن عبد الله القاضي، وله شرح على "صحيح البخاريّ"، توفي في صفر سنة (٤٤٩ هـ)، ﵀. انظر ترجمته في: "شذرات الذهب" (٣/ ٢٨٣)، و"الأعلام" (٤/ ٢٨٥) للزركلي.
(٢) و(^٣) "فتح الباري" (١٣/ ٣٠١ - مع الفتح).
[ ١١٢ ]
تَبعْتُموهُم" (^١).
قال النووي: "والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدَّة الموافقة لهم، والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر، وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ -، فقد وقع ما أخبر به - ﷺ -" (^٢).
هذا؛ والفتن ليس لها حصرٌ، ففتنة النِّساء، وفتنة المال، وحب الشهوات، وحب السلطان والسيادة والزعامة؛ كلها فتنٌ ربما تهلك الإِنسان، وتعصف به إلى مهاوي الرَّدى، نسأل الله العافية والسلامة.