ثمّ ظهر بعد ذلك في عهد العباسيِّين فتنة القول بخلق القرآن، وقد تزعم هذه المقالة الخليفة العباسي المأمون، وناصَرَها، وتَبِعَ في ذلك الجهميَّة والمعتزلة الذين روَّجوها عنده، حتّى امتُحِنَ بسببها علماء الإسلام، ووقع على المسلمين بذلك بلاءٌ عظيمٌ، فقد شغلتهم ردحًا طويلًا من الزَّمن، وأدخل بسببها في عقيدة المسلمين ما ليس منها.
هذا؛ والفتن الّتي وقعت كثيرة لا حصر لها، ولا تزال الفتن تظهر وتتابع وتزداد.
وبسبب هذه الفتن وغيرها من الفتن افترق المسلمون إلى فرقٍ
_________________
(١) = فأرسل إليهم جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة المري، فاستباح المدينة، وقتل نحو سبع مئة من الصّحابة والمهاجرين والأنصار ومن غيرهم عشرة آلاف، فسماه السلف: مسرف. وقد أخذه الله وهو في طريقه إلى مكّة متوجهًا من المدينة. انظر: "البداية والنهاية" (٨/ ٢١٧ - ٢٢٤)، و"معجم البلدان" (٢/ ٢٤٩).
(٢) (طباخ)؛ أي: خير ونفع؛ يقال: فلان لا طباخ له؛ أي: لا عقل له. انظر: "شرح السنة" للبغوي (١٤/ ٣٩٦)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.
(٣) "شرح السنة" (١٤/ ٣٩٥).
[ ١٠٩ ]
كثيرةٍ، كلّ فرقةٍ تدعو إلى نفسها، وتدَّعي أنّها على الحق، وأن غيرَها على الباطل.
وقد أخبر الهادي البشيرُ ﵊ بافتراق هذه الأمة كما افترقت الأمم قبلها.
ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "افترقتِ اليهود على إحدى أو اثنتينِ وسبعين فرقةً، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتينِ وسبعين فرقة، وتفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين فرقة":
رواه أصحاب "السنن"؛ إِلَّا النسائي (^١).
وعن أبي عامر عبد الله بن لحي؛ قال: حَجَجْنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكَّة؛ قام حين صلَّى صلاة الظهر، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: "إن أهل الكتابين افترقوا في دينِهم على اثنتين وسبعين ملَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّةً - يعني: الأهواء -؛ كلها في النّار إِلَّا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرج في أمَّتي أقوامٌ تَجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرقٌ ولا مِفْصَلٌ إِلَّا دخله". والله يا معشر العرب! لئن لم تقوموا بما جاء به نبيُّكم - ﷺ -؛ لَغَيْرُكُم
_________________
(١) "التّرمذيّ" (٧/ ٣٩٧ - ٣٩٨ - مع تحفة الأحوذي)، وقال: "حديث حسن صحيح"، و"سنن أبي داود" (١٢/ ٣٤٠ - مع عون المعبود)، و"سنن ابن ماجه" (٢/ ١٣٢١) تحقيق محمّد فؤاد عبد الياقي. والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (١/ ٣٥٨) (ح ١٠٩٤)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحه" (م ١/ ج٣/ ١٢) (ح ٢٠٣).
[ ١١٠ ]
من النَّاس أحرى أن لا يقوم به (^١).