ومن الفتن الّتي وقعت ظهور الخوارج على عليٍّ ﵁، وكان بداية ظهورهم بعد انتهاء معركة (صفين)، واتفاق أهل العراق والشام على التحكيم بين الطائفتين، وفي أثناء رجوع عليٍّ ﵁ إلى الكوفة فارقه الخوارج - وقد كانوا في جيشه -، ونزلوا مكانًا يُقال له (حَروراء) (^٢)، ويبلغ عددهم ثمانية آلاف، وقيل: ستة عشر ألفًا، فأرسل عليٌّ إليهم ابن عبّاس ﵁، فناظرهم، ورجع معه بعضهم، ودخلوا في طاعة عليٍّ.
وأشاع الخوارج أن عليًّا تاب من الحكومة، ولذلك رجع بعضهم إلى طاعته، فخطبهم عليٌّ ﵁ في مسجد الكوفة، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إِلَّا لله. وقالوا: أشركتَ وحكَّمتَ الرجال ولم تحكِّم كتاب الله.
فقال لهم عليٌّ: لكم علينا ثلاث: أن لا نمنَعَكُم من المساجد، ولا من رزقكم في الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تُحْدِثوا فسادًا.
ثمّ إنهم تجمَّعوا وقتلوا مَنْ اجتاز بهم من المسلمين ومرَّ بهم عبد الله
_________________
(١) "منهاج السنة" لابن تيمية (٢/ ٢٢٤).
(٢) (حروراء): قرية على ميلين من الكوفة، وإليها نُسبت الخوارج، فيقال: حرورية. انظر: "معجم البلدان" (٢/ ٢٤٥).
[ ١٠٥ ]
بن خبَّاب بن الأرت (^١) ومعه زوجته، فقتلوه، وبقروا بطن زوجته عن ولدها، فلما علم بذلك أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وسألهم مَنْ قتله؟ فقالوا: كلُّنا قتله. فتجهَّز علىٌّ للقتال، والتقى بهم في الموقعة المشهورة بـ (النهروان) (^٢)، فهزمهم شرَّ هزيمة، ولم ينجُ منهم إِلَّا القليل.
وقد أخبر النّبيّ - ﷺ - بخروج هذه الطائفة في هذه الأمة، فقد تواترت الأحاديث بذلك، ذكر منها الحافظ ابن كثير أكثر من ثلاثين حديثًا وردت في الصحاح والسنن والمسانيد (^٣):
منها ما رواه أبو سعيد الخُدري ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين، يقتلها أولى الطائفتين بالحق".
رواه مسلم (^٤).
_________________
(١) عبد الله بن خباب بن الأرت التميمي، صحابي جليل، ولد في زمن النّبيّ - ﷺ -، فسماه عبد الله، وكان هو وعبد الله بن الزبير أول مَنْ ولد في الإسلام، قتله الخوارج سنة (٣٧ هـ). انظر: "الإصابة في تمييز الصّحابة" (٢/ ٣٠٢)، و"البداية والنهاية" (٧/ ٢٨٨)، و"تجريد أسماء الصّحابة" (١/ ٣٠٧).
(٢) (النهروان): هي ثلاثة نهروانات، وهي بلاد واسعة قريبة من بغداد بالعراق، وأصلها وادي جرار، بدايته من أذربيجان، ويسقي قرى كثيرة ثمّ يصب باقيه في دجلة أسفل المدائن، ويقال له بالفارسية: جوروان، فعرب الإسلام، فقيل: نهروان؛ بفتح النون. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
(٣) انظر: "البداية والنهاية" (٧/ ٢٩٠ - ٣٠٧).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب إعطاء المؤلَّفة ومَن يخاف على إيمانه، (٧/ ١٦٨ - مع شرح النووي).
[ ١٠٦ ]
وعنه ﵁ أنّه لما سُئل عن الحرورية؟ قال: لا أدري ما الحرورية؟ سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: "يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قومٌ تحقِرون صلاتَكم مع صلاتِهم، يقرؤون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو حناجرهم، يمرُقون من الدين مروق السهم من الرمِيَّةِ" (^١).
رواه البخاريّ.
وقد أمر النّبيّ - ﷺ - بقتال الخوارج، وبيَّن أن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم، ولهذا دليلٌ على فساد هذه الطائفة، وبعدها عن الإسلام، وضررها العظيم على الأمة؛ بما تُثيره من فتن وقلاقل.
ففي "الصحيحين" عن عليٍّ ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "سيخرجُ قومٌ في آخر الزَّمان، أحداثُ الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرَّيَّة، لا يجاوز إيمانُهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّةِ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرًا لمَن قتلهم يوم القيامة" (^٢).
قال الإمام البخاريّ: "كان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آياتٍ نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين" (^٣).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، (١٢/ ٢٨٣ - مع الفتح).
(٢) "صحيح البخاريّ" (١٢/ ٢٨٣ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب التحريض على قتل الخوارج، (٧/ ١٦٩ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب استتابة المرتدين، باب قتل الخوارج، (١٢/ ٢٨٢ - مع الفتح). وقال ابن حجرت "سنده صحيح". "فتح الباري" (١٢/ ٢٨٦).
[ ١٠٧ ]
وقال الحافظ ابن حجر: "عظم البلاء بهم، وتوسَّعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإِبط، وأوجبوا الصّلاة على الحائض في حال حيضِها، وكفَّروا مَنْ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرًا؛ فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفُّوا عن أموال أهل الذمَّةِ وعن التعرُّض لهم مطلقًا، وفتكوا فيمن يُنْسَب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب" (^١).
ولا يزال الخوارج يَظْهرون حتّى يدرك آخرهم الدجَّال، ففي الحديث عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ -؛ قال: "ينشأ نشءٌ يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيَهُم، كلما خرج قرنٌ؛ قُطِعَ". قال ابن عمر: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كلما خرج قرنٌ قُطع (أكثر من عشرين مرّة) حتّى يخرج في عراضهم الدجَّال" (^٢).