عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا ضُيِّعَتِ الأمانة؛ فانتظر السّاعة". قال: كيف إضاعَتُها يا رسول الله؟ قال: "إذا أُسْنِد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة" (^٢).
وبيَّن النّبيّ ﷺ كيف تُرْفَعُ الأمانة من القلوب، وأنّه لا يبقى منها في القلب إِلَّا أثرها.
روى حُذيفة ﵁؛ قال: حدَّثنا رسول الله _صلّى الله عليه وسلم- حديثين، رأيتُ إحداهما، وأنا أنتظر الآخر، حدَّثنا أن الأمانة نزلت في جذر (^٣) قُلوب
_________________
(١) (الأمانة): ضد الخيانة، وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب:٧٢]. وللعلّماء عدة أقوال في معناها، وهي ترجع إلى قسمين: أ - التّوحيد: فإنّه أمانة عند العبد وخفي في القلب. ب - العمل: ويدخل في جميع أنواع الشّريعة، وكلها أمانة عند العبد. فالأمانة هي التكليف، وقبول الأوامر، وأجتناب النواهي. انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (٣/ ١٥٨٨ - ١٥٨٩) تحقيق علي محمّد البجاوي، و"شرح النووي لمسلم" (٢/ ١٦٨)، و"تفسير ابن كثير" (٦/ ٤٧٧)، و"فتح الباري" (١١/ ٣٣٣).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح).
(٣) (جذر): الجذر: الأصل من كلّ شيء. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٢٥٠).
[ ١٢٨ ]
الرجال، ثمّ علموا من القرآن، ثمّ علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها؛ قال: "ينام الرَّجل النومة، فتُقْبَضُ الأمانة من قلبه، فيظلُّ أثرها مثل أثر الوكتِ (^١)، ثمّ ينام النومة فتُقْبَضُ، فيبقى أثرها مثل المجل (^٢)؛ كجمرٍ دحرجته على رجلك، فنفط (^٣)، فتراه منتبرًا (^٤)، وليس فيه شيءٌ، فيصبح النَّاس يتبايعون، فلا يكاد أحدُهُم يؤدِّي الأمانة، فيقال: إن في بني فلانٍ رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقَلَهُ! وما أظرفَهُ! وما أجلَدَه! وما في قلبه مثقالُ حبَّة خردلٍ من إيمان، ولقد أتى عليَّ زمانٌ وما أبالي أيَّكُم بايعتُ، لئن كان مسلمًا؛ ردَّه الإسلام، وإن كان نصرانيًّا؛ ردَّه عليَّ ساعيه، فأمّا اليوم؛ فما كنتُ أُبايِعُ إِلَّا فلانًا وفلانًا" (^٥).
_________________
(١) (الوكت): جمع وكتة، وهي الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه، ومنه قيل للبسر إذا وقعت فيه نقطة من الأرطاب: قد وكت. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٢١٨).
(٢) (المجل): هو ما يكون في الكف من أثر العمل بالأشياء الصلبة الخشنة، كهيئة البثر. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٣٠٠)، و"صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح).
(٣) (نفط): بفتح النون وكسر الفاء؛ يقال: نفطت يده؛ أي: قرحت من العمل، والنفطة: بثرة تخرج في اليد من العمل ملأى ماء. انظر: "لسان العرب" (٧/ ٤١٦ - ٤١٧).
(٤) (منتبرًا): المنتبر كلّ مرتفع، ومنه اشتق المنبر، يقال: انتبر الجرح إذا ورم وامتلأ ماء. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ٧ - ٨)، و"فتح الباري" (١٣/ ٣٩).
(٥) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٣ - مع الفتح)، وكتاب الفتن، باب إذا بقي في حثالة من النَّاس، (١٣/ ٣٨ - مع الفتح).
[ ١٢٩ ]
ففي هذا الحديث بيانُ أن الأمانة ستَرفع من القلوب، حتّى يصير الرَّجل خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنّما يقعُ لمَن ذهبتْ خشيتُه لله، وضعُفَ إيمانُه، وخالَطَ أهلَ الخيانَةِ، فيصيرُ خائنًا؛ لأنّ القرين يقتدي بقرينه.
ومن مظاهر تضييع الأمانة إسناد أمور النَّاس من إمارة وخلافة وقضاء ووظائف على اختلافها إلى غير أهلها القادرين على تسييرها والمحافظة عليها؛ لأنّ في ذلك تضييعًا لحقوق النَّاس، واستخفافًا بمصالحهم، وإيغارًا لصدورهم، وإثارة للفتن بينهم (^١).
فإذا ضَيَّع مَنْ يتولَّى أمر النَّاس الأمانة - والناس تَبَعٌ لمَن يتولَّى أمرَهُم -؛ كانوا مثله في تضييع الأمانة، فصلاح حالَ الولاة صلاح لحال الرعية، وفساده فساد لهم.
ثمّ إن إسناد الأمر إلى غير أهله دليلٌ واضحٌ على عدم اكتراث النَّاس بدينهم، حتّى إنهم لَيولون أمرهم مَنْ لا يهتمُّ بدينه، وهذا إنّما يكون عند غلبة الجهل، ورفع العلم، ولهذا ذكر البخاريّ ﵀ حديث أبي هريرة الماضي في كتاب العلم؛ إشارة إلى هذا.
قال ابن حجر: "ومناسبةُ هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنّما يكون عند غَلَبَةِ الجهل، ورفع العلم، وذلك من جملة الأشراط" (^٢).
_________________
(١) انظر: "قبسات من هدي الرسول الأعظم - ﷺ - / في العقائد" (ص ٦٦) لعلّي الشربجي، الطبعة الأولى، (١٣٩٨ هـ)، ط. دار القلم، دمشق.
(٢) "فتح الباري" (١/ ١٤٣).
[ ١٣٠ ]
وقد أخبر - ﷺ - أنّه ستكون هناك سنين خدَّاعة؛ تنعكس فيها الأمور؛ يُكَذَّب فيها الصادق، ويُصَدَّق فيها الكاذب، ويخوَّن الأمين، ويؤتمن الخائن؛ كما سيأتي الحديث عنه في أن من أشراط السّاعة ارتفاع الأسافل.