ومن أشراطها قبض العلم وفشوُّ الجهل، ففي "الصحيحين" عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أشراط السّاعة أن يُرْفَعَ العلم، ويَثْبُتَ الجهلُ" (^١).
وروى البخاريّ عن شقيق؛ قال: كنتُ مع عبد اللهِ وأبي موسى، فقالا: قال النّبيّ - ﷺ -: "إن بين يدي السّاعة لأيَّامًا يُنزَلُ فيها الجهلُ، ويُرْفَعُ العلم" (^٢).
وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله ﷺ: "يتقارَبُ الزَّمانُ، ويُقْبَضُ العلم، وتَظْهَرُ الفِتَنُ، ويُلقى الشُّحُّ، ويَكْثر الهَرْجِ" (^٣).
قال ابن بطَّال: "وجميع ما تضمَّنَهُ هذا الحديث من الأشراط قد
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، (١/ ١٧٨ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، (١٦/ ٢٢٢ - مع شرح نووي).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، (١٣/ ١٣ - مع الفتح).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم، (١٦/ ٢٢٢ - ٢٢٣ - مع شرح نووي).
[ ١٣١ ]
رأيناها عيانًا، فقد نقص العلم، وظهر الجهل، وأُلْقِي الشحُّ في القلوب، وعمَّت الفتن، وكَثُرَ القتل" (^١).
وعقب على ذلك الحافظ ابن حجر بقوله: "الّذي يظهر أن الّذي شاهده كان منه الكثير، مع وجود مقابله، والمراد من الحديث استحكام ذلك، حتّى لا يبقى ممّا يقابله إِلَّا النادر، وإليه الإِشارة بالتعبير بقبض العلم، فلا يبقى إِلَّا الجهل الصّرف، ولا يمنع من ذلك وجودُ طائفة من أهل العلم؛ لأنّهم يكونون حينئذ مغمورين في أولئك" (^٢).
وقبض العلم يكون بقبض العلماء، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إن اللهَ لا يقبِضُ العلّمَ انتزاعًا ينتزِعُه من العباد، ولكنْ يقبضُ العلم بقبض العلماء، حتّى إذا لم يبقَ عالمًا؛ اتَّخذ النَّاس رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا؟ فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأَضلُّوا" (^٣).
قال النوويُّ: "هذا الحديث يُبَيِّنُ أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلَقة ليس هو محوُه من صُدور حفَّاظه، ولكن معناه: أن يموتَ حملتُه، ويتَّخِذَ النَّاس جُهَّالًا يحكُمونَ بجهالاتهم، فيضلُّون
_________________
(١) "فتح الباري" (١٣/ ١٦).
(٢) "فتح الباري" (١٣/ ١٦).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، (١/ ١٩٤ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن، (١٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤ - مع شرح النووي).
[ ١٣٢ ]
ويُضِلُّون" (^١).
والمراد بالعلّم هنا علم الكتاب والسُّنَّة، وهو العلم الموروث عن الأنبياء ﵈؛ فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وبذهابهم يذهب العلم، وتموت السنن، وتظهر البدع، ويعمُّ الجهل.
وأمّا علم الدُّنيا؛ فإنّه في زيادة، وليس هو المُرادُ في الأحاديث؛ بدليل قوله - ﷺ -: "فسُئِلوا، فأفتوا بغير علم، فضلُّوا وأضلُّوا"، والضلال إنّما يكون عند الجهل بالدين، والعلّماء الحقيقيون هم الذين يعملون بعلمهم، ويوجِّهون الأمة، ويدلُّونها على طريق الحق والهدى؛ فإن العلم بدون عملٍ لا فائدة فيه، بل يكون وبالًا على صاحبه، وقد جاء في روايةٍ للبُخاري: "وينقص العمل" (^٢).
قال الإمام مؤرِّخ الإسلام الذهبي بعد ذكره لطائفة من العلماء: "وما أوتوا من العلم إِلَّا قليلًا، وأمّا اليوم؛ فما بقي من العلوم القليلة إِلَّا القليل، في أناس قليل، ما أقل مَنْ يعمل منهم بذلك القليل، فحسبنا الله ونعم الوكيل" (^٣).
وإذا كان هذا في عصر الذهبيِّ؛ فما بالُكَ بزماننا هذا؟ فإنّه كلما بَعُدَ الزَّمان من عهد النبوَّةِ؛ قلَّ العلم، وكَثُر الجهل؛ فإن الصّحابة ﵃ كانوا أعلم هذه الأمة، ثمّ التابعين، ثمّ تابعيهم، وهم خير
_________________
(١) "شرح النووي لمسلم" (١٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل، (١٠/ ٤٥٦ - مع الفتح).
(٣) "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٠٣١).
[ ١٣٣ ]
القرون، كما قال - ﷺ -: "خير النَّاس قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم" (^١).
ولا يزال العلم ينقص، والجهل يكثر، حتّى لا يعرف النَّاس فرائض الإسلام، فقد روى حُذيفة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يَدْرُس الإسلام كما يدرُسُ وَشْيُ الثّوب، حتّى لا يُدْرَى ما صيامٌ، ولا صلاةِّ، ولا نُسُكٌ، ولا صدقةٌ؟ ويُسرى علىَ كتاب الله في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائفُ مِن النَّاس: الشّيخ الكبير، والعجوزُ؛ يقولون: أدرَكْنا آباءَنا على هذه الكلمةِ؛ يقولون: (لا إله إِلَّا الله)، فنحن نقولُها". فقال له صلةُ (^٢): ما تُغْني عنهم (لا إله إِلَّا الله) وهم لا يَدْرون ما صلاةٌ، ولا صيامٌ، ولا نُسُكٌ، ولا صدقةٌ؟ فأعرض عنه حُذيفة، ثمّ ردَّدها عليه ثلاثًا، كلُّ ذلك يُعْرِضُ عنه حُذيفة، ثمّ أقبل عليه في الثّالثة، فقال: يا صلة! تُنْجيهم مِن النّار ثلاثًا (^٣).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب فضائل الصّحابة، باب فضل الصّحابة ﵃ ثمّ الذين يلونهم، (١٦/ ٨٦ - مع شرح النووي).
(٢) هو أبو العلّا، أو أبو بكر؛ صلة بن زفر العبسي الكوفي، تابعي كبير، ثقة جليل، روى عن عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وابن مسعود وعلي وابن عبّاس، توفي في حدود السبعين ﵀. انظر ترجمته في: "تهذيب التهذيب" (٤/ ٤٣٧)، و"تقريب التهذيب" (١/ ٣٧٠).
(٣) "سنن ابن ماجه"، كتاب الفتن، باب ذهاب القران والعلّم، (٢/ ١٣٤٤ - ١٣٤٥)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٤٧٣)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. =
[ ١٣٤ ]
وقال عبدُ الله بن مسعود ﵁: "لَيُنْزَعَنَّ القُرآن من بين أظهُرِكُم؛ يُسرى عليه ليلًا، فيذهب من أجواف الرجال، فلا يبقى في الأرض منه شيءٌ" (^١).
قال ابن تيمية: "يُسرى به في آخر الزَّمان من المصاحف والصُّدور، فلا يبقى في الصُّدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرفٌ" (^٢).
وأعظم من هذا أن لا يُذْكَرَ أسمُ الله تعالى في الأرض؛ كما في الحديث عن أنس ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تَقوم السّاعة حتّى لا يُقال في الأرض: الله، الله" (^٣).
قال ابن كثير: "في معنى هذا الحديث قولان:
أحدهما: أن معناه أن أحدًا لا يُنكر منكَرًا، ولا يزجر أحدًا إذا رآه قد تعاطى منكرًا، وعبَّر عن ذلك بقوله؛ "حتّى لا يقال: الله، الله"؛ كما تقدَّم في حديث عبد الله بن عمر: "فيبقى فيها عجاجةٌ؛ لا يعرفون معروفًا، ولا
_________________
(١) = وقال ابن حجر: "أخرجه ابن ماجه بسند قوي". "فتح الباري" (١٣/ ١٦). وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ٣٣٩) (ح ٧٩٣٣).
(٢) رواه الطبراني، ورجاله رجال الصّحيح، غير شدَّاد بن معقل، وهو ثقة. "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٩ - ٣٣٠). وقال ابن حجر: "سنده صحيح، ولكنه موقوف". "فتح الباري" (١٣/ ١٦). قلت: مثله لا يقال بالرأي، فحكمه حكم المرفوع.
(٣) "مجموع فتاوى ابن تيمية" (٣/ ١٩٨ - ١٩٩).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب ذهاب الإِيمان آخر الزّمان، (٢/ ١٧٨ - مع شرح النووي).
[ ١٣٥ ]
يُنْكِرون منكرًا" (^١).
والقول الثّاني: حتّى لا يُذْكَرَ الله في الأرض، ولا يُعْرَفَ اسمُه فيها، وذلك عند فساد الزَّمان، ودَمار نوع الإِنسان، وكثرة الكفر والفسوق والعصيان" (^٢).