عن سهل بن سعد أن رسول الله - ﷺ - قال: "سيكون في آخر الزّمان خسفٌ، وقذفٌ، ومسخٌ". قيل: ومتى ذلك يا رسول الله؛ قال: "إذا ظهرَتِ المعازف والقَيْناتُ" (^٢).
وهذه العلّامة قد وقع شيءٌ كبيرٌ منها في العصور السابقة، وهي الآن أكثر ظُهورًا، فقد ظهرت المعازف في هذا الزّمان، وانتشرت انتشارًا عظيمًا، وكَثُر المغنون والمغنيات، وهُم المشار إليهم في هذا الحديث بـ (القينات).
وأعظم من ذلك استحلالُ كثير من النَّاس للمعازف، وقد جاء الوعيد لمن فعل ذلك بالمسخ والقذف والخسف؛ كما في الحديث السابق، ولما ثبت في "صحيح البخاريّ" ﵀؛ قال: قال هشام بن عمار: حدّثنا
_________________
(١) (المعازف): هي آلات الملاهي؛ كالعود، والطنبور، والدف، وكل لعب عزف. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٢٣٠).
(٢) روى ابن ماجه في "سننه، طرفًا من أوله (٢/ ١٣٥٠)، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي. وقال الهيثمي: "رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن أبي الزِّناد، وفيه ضعف، وبقية رجال إحدى الطريقين رجال الصّحيح،. "مجمع الزوائد" (٨/ ١٠). وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ٢١٦) (ح ٣٥٥٩).
[ ١٤١ ]
صدقة بن خالد (ثمّ ساق السند إلى أبي مالك الأشعري ﵁ أنّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول): "ليكوننَّ من أُمَّتي أقوامٌ يستحلُّون الحِرَ والحريرَ والخمرَ والمعازفَ، ولينزلنَّ أقوامٌ إلى جنب عَلَمٍ يروح عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهم- يعني: الفقير- لحاجةٍ، فيقولوا: ارجع إلينا غدًا، فيُبَيِّتُهُم الله، ويضع العَلَم، ويمسخُ آخرين قردةً وخنازير إلى يوم القيامة" (^١).
وقد زعم ابن حزم (^٢) أن هذا الحديث منقطعٌ لم يتَّصل ما بين البُخاري وصدقة بن خالد (^٣)، ورد عليه العلّاَّمة ابن القيم، وبيَّن أن ما قاله ابن حزم باطلٌ من ستَّة وجوه (^٤):
١ - أن البخاريّ قد لقي هشام بن عمَّار، وسمع منه، فإذا روى عنه معنعنًا؛ حُمِلَ على الاتصال اتفاقًا؛ لحصول المعاصرة والسماع، فإذا قال: "قال هشامٌ"؛ لم يكن فرقٌ بينَه وبين قوله: "عن هشامٍ" أصلًا.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الأشربة، باب ما جاء فيمن يستحل الخّمْرِ ويسميه بغير اسمه، (١٠/ ٥١ - مع الفتح).
(٢) هو العلّامة الحافظ أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي، من أئمة الظاهرية، وكان من أشد النَّاس تأويلًا في باب الأصول وآيات الصفات وأحاديثها، وله مصنفات كثيرة في المذاهب والملل والنحل والفقه وأصوله وفي السير والأخبار، توفي سنة (٤٥٦ هـ) ﵀. انظر ترجمته في: "البداية والنهاية" (١٢/ ٩١ - ٩٢) لابن كثير، و"شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذهب" (٣/ ٢٢٩ - ٣٠٠).
(٣) انظر: "المحلى" لابن حزم (٩/ ٥٩) بتحقيق أحمد شاكر، منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت.
(٤) انظر: "تهذيب السنن" (٥/ ٢٧٠ - ٢٧٢).
[ ١٤٢ ]
٢ - أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشامٍ موصولًا؛ قال الإِسماعيلي في "صحيحه": "أخبرني الحسن: حدّثنا هشامُ بن عمَّار"؛ بإسناده ومتنه.
٣ - أنّه قد صحَّ من غير حديث هشام، فرواه الإِسماعيلي وعثمان بن أبي شيبة بسندين آخرين إلى أبي مالك الأشعري ﵁.
٤ - أن البخاريّ لو لم يلقَ هشامًا ولم يسمع منه؛ فإدخاله هذا الحديث في "صحيحه"، وجزمه به؛ يدلُّ على أنّه ثابتٌ عنده عن هشام، ولم يذكر الواسطة بينه وبين هشام، إمّا لشهرتهم، وإما لكثرتهم، فهو معروفٌ مشهورٌ عن هشام.
٥ - أن البخاريّ إذا قال في "صحيحه": "قال فلانٌ"؛ فالمرادُ أن الحديث صحيحٌ عنده.
٦ - أن البخاريّ ذكر هذا الحديث محتجًّا به، مُدخِلًا له في "صحيحه" أصلًا لا استشهادًا.
فالحديث صحيحٌ بلا ريب.
وقال ابن الصَّلاح (^١): "ولا التفات إلى أبي محمّد بن حزم الظاهري الحافظ في ردَّه ما أخرجه البخاريّ من حديث أبي عامرٍ أو أبي مالكٍ: (فذكره) ".
_________________
(١) هو الإمام المحدث الحافظ أبو عمرو عثمان بن عبد الرّحمن الشهرزوري، المعروف بابن الصلاح، كان دينًا زاهدًا، ورعًا ناسكًا، على طريق السلف الصالح، وله مصنفات كثيرة في علوم الحديث والفقه، وتولى التدريس في دار الحديث بدمشق، توفي ﵀ سنة (٦٤٣ هـ). انظر: "البداية والنهاية" (١٣/ ١٦٨)، و"شذرات الذهب" (٥/ ٢٢١ - ٢٢٢).
[ ١٤٣ ]
ثمّ قال: "والحديث صحيحٌ، معروف الاتصال؛ بشرط الصّحيح، والبخاري ﵀ قد يفعلُ مثل ذلك؛ لكون ذلك الحديث معروفًا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الّذي علَّقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضعٍ آخر من كتابه مُسْنَدًا متَّصلًا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب الّتي لا يصحبها خللُ الانقطاع، والله أعلم" (^١).
وإنّما أطلتُ الكلام على هذا الحديث؛ لأنّ بعض النَّاس يتشبَّثُ برأي ابن حزم، ويحتجُّ س به على إباحة المعازف، وقد تبيَّن أن الأحاديث الواردة في النّهي عنها صحيحة، وأن الأمة مهدَّدة بالعقوبات إذا ظهرت الملاهي، وارتُكِبَت المعاصي.