من أشراط السّاعة موتُ النّبيّ - ﷺ -، ففي الحديث عن عوف بن مالك ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اعدُدْ ستًّا بين يدي السّاعة: موتي " (^٥) الحديث.
_________________
(١) انظر: "التذكرة" (ص ٦٢٥ - ٦٢٦)، و"فتح الباري" (١١/ ٣٤٩)، و"تحفة الأحوذي شرح التّرمذيّ" (٦/ ٤٦٠).
(٢) "جامع التّرمذيّ"، باب ما جاء في قول النّبيّ - ﷺ -: "بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين"، (٦/ ٤٥٩ - ٤٦٠)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب: قرب السّاعة، (١٨/ ٨٩ - مع شرح النووي).
(٤) "التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة" (ص ٦٢٦).
(٥) "صحيح البخاريّ"، كتاب الجزية والموادعة، باب ما يُحذر من الغدر، (٦/ ٢٧٧ - مع الفتح).
[ ٨٢ ]
فقد كان موت النّبيّ - ﷺ - من أعظم المصائب الّتي وقعت على المسلمين، فقد أظلمتِ الدُّنيا في عيون الصّحابة ﵃ عندما مات ﵊.
قال أنس بن مالك ﵁: "لما كان اليوم الّذي دخل فيه رسول الله - ﷺ - المدينة؛ أضاء منها كلّ شيء، فلما كان اليوم الّذي مات فيه؛ أظلمَ منها كلّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله - ﷺ - الأيدي - وإنا لَفي دَفْنِه - حتّى أنكرنا قلوبَنا" (^١).
قال ابن حجر: "يريد أنّهم وجدوها تغيَّرت عمّا عهدوه في حياته من الألفة، والصفاء، والرقة؛ لفقدان مَا كان يمدُّهم به من التعليم والتأديب" (^٢).
فبموته - ﷺ - انقطع الوحي من السَّماء؛ كما في جواب أم أيمن لأبي بكر وعمر ﵃ عندما زاراها بعد موت النّبيّ - ﷺ -، فلم"نتهيا إليها؛ بكت، فقالا لها: "ما يُبكيكِ؟ ما عند الله خير لرسوله. فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أنَّ ما عند الله خيرٌ لرسوله - ﷺ -، ولكني أبكي أن الوحي قد انقطع من السَّماء. فهيَّجَتْهُما على البكاء، فجعلا يبكيان
_________________
(١) "جامع التّرمذيّ"، أبواب المناقب، (١٠/ ٨٧ - ٨٨ - مع تحفة الأحوذي)، وقال التّرمذيّ: "هذا حديث صحيح غريب". وقال شعيب الأرناؤوط: "إسناده صحيح". انظر: "شرح السنة" للبغوي، (١٤/ ٥٠)، تحقيق شعيب الأرناؤوط. قال ابن حجر: "قال أبو سعيد فيما أخرجه البزار بسند جيد: ما نفضنا أيدينا من دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا". "الفتح" (٨/ ١٤٩).
(٢) "فتح الباري" (٨/ ١٤٩).
[ ٨٣ ]
معها" (^١).
فقد مات ﵊ كما يموت النَّاس؛ لأنّ الله تعالى لم يكتب الخلود في هذه الحياة الدُّنيا لأحد من الخلق،. بل هي دار ممرٍّ لا دار مقرٍّ؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥].
إلى غير ذلك من الآيات الّتي تبيِّن أن الموت حقٌ، وأن كلّ نفس ذائقة الموت، حتّى ولو كان سيد الخلق وامام المتَّقين محمَّد - ﷺ -.
وكان موته كما قال القرطبي: "أول أمرٍ دَهَمَ الإِسلامَ ثمَّ بعده موتُ عمر، فبموت النّبيّ - ﷺ - انقطع الوحي، وماتت النبوَّة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب، وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير، وأول نقصانه. قال أبو بكر الصديق ﵁:
فَلَتَحْدُثَنَّ حَوَادِثٌ مِنْ بَعْدِهِ تُعْنَى بِهِنَّ جَوانِحٌ وصُدُورُ
وقالت صفيَّة بنت عبد المطَّلب ﵂:
لَعَمْرُكَ مَا أَبْكِي النَّبِىَّ لِفَقْدِهِ ولكِنَ مَا أَخْشَى مِنَ الهَرْجِ (^٢) آتِيا" (^٣)
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب فضائل الصّحابة ﵃، باب فضائل أم أيمن ﵂، (١٦/ ٩ - ١٠ - مع شرح النووي).
(٢) (الهَرْج): هو القتل؛ كما سيأتي.
(٣) "التذكرة" للقرطبي، (ص ٦٢٩ - ٦٣٠) بتصرُّف بسيط، وانظر: "الإذاعة" لصديق حسن، (ص ٦٧ - ٦٩).
[ ٨٤ ]