هذا من العلّامات الّتي ظهرت قريبًا من عصر النبوَّة، وانتشرت بعد ذلك، حتّى تباهى النَّاس في العمران، وزخرفة البيوت، وذلك أن الدنيا بُسِطَت على المسلمين، وكَثُرَت الأموال في أيديهم بعد الفتوحات، وامتدَّ بهم الزّمان حتّى رَكَن كثيرٌ منهم إلى الدُّنيا، ودبَّ إليهم داءُ الأمم قبلهم، وهو التَّنافس في جمع الأموال وصرفها في غير ما ينبغي أن تُصْرَف فيه شرعًا، حتّى إن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفقر بُسِطَت لهم الدُّنيا، كغيرهم من النَّاس، وأخذوا في بناء الأبنية ذوات الطَّوابق المتعدِّدة، وتنافسوا في ذلك.
وكل هذا قد وقع كما أخبر الصادق المصدوق - ﷺ -، ففي
_________________
(١) = وذكره البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٣٥٠)، ونسبه لأبي الدرداء. وقد عزاه السيوطيّ في "الجامع الصغير" (ص ٢٧) إلى الحكيم عن أبي الدرداء، ورمز له بالضعف، وكذلك المناوي ضعَّفه في "فيض القدير" (١/ ٣٦٧) (ح ٦٥٨).
(٢) هو زين الدين محمّد بن عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي المناوي، له ثمانون مصنَّفًا، غالبها في الحديث والتراجم والسير، توفي بالقاهرة سنة (١٠٣١ هـ) ﵀. انظر: "الأعلام" (٦/ ٢٠٤).
(٣) "فيض القدير" (١/ ٣٦٧).
[ ١٤٨ ]
"الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال لجبريل عندما سأله عن وقت قيام السّاعة: "ولكن سأحدِّثُكَ عن أشراطها (فذكر منها:) وإذا تطاول رِعاءُ البهائم (^١) في البُنيان؛ فذاك من أشراطها" (^٢).
وفي رواية لمسلم: "وأن ترى الحُفاة العُراة العالة رِعاء الشاءِ يتطاولون في البُنيان" (^٣).
وجاء في رواية للإِمام أحمد عن ابن عبّاس؛ قال: يا رسول الله! ومَن أصحاب الشاء والحفاة الجياع العالة؟ قال: "العرب" (^٤).
وروى البخاريّ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال:
_________________
(١) (البَهْم)؛ بفتح الباء وإسكان الهاء: جمع بهمة، وهي صغار الضأن والمعز، الذكر والأنثى، وقيل: أولاد الضأن خاصّة. انظر: "النهاية" لابن الأثير (١/ ١٦٨)، و"شرح النووي لمسلم" (١/ ١٦٣).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الإِيمان، باب سؤال جبريل النّبيّ - ﷺ - عن الإِيمان والإِسلام والإِحسان وعلم السّاعة، (١/ ١١٤ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان الإِيمان والإِسلام والإِحسان، (١/ ١٦١ - ١٦٤).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان الايمان والإسلام والإحسان، (١/ ١٥٨ - مع شرح النووي).
(٤) "مسند أحمد" (٤/ ٣٣٢ - ٣٣٤) (ح ٢٩٢٦)، شرح أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح". وقال الهيثمي: "رواه أحمد والبزار بنحوه وفي إسناد أحمد شهر بن حوشب". "مجمع الزوائد" (١/ ٣٨ - ٣٩). وقال الألباني: "هذا إسناد لا بأس به في الشواهد". انظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (٣/ ٣٣٢) (ح ١٣٤٥).
[ ١٤٩ ]
"لا تقوم السّاعة حتّى يتطاول النَّاس في البنيان" (^١).
قال الحاففط ابن حجر: "ومعنى التطاول في البنيان أن كلًا مِمَّن كان يبني بيتًا يُريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد المباهاة به في الزينة والزَّخرفة، أو أعمُّ من ذلك، وقد وُجِدَ الكثير من ذلك، وهو في ازدياد" (^٢).
وقد ظهر هذا جليًّا في هذا العصر، فتطاول النَّاس في البنيان، وتفاخروا في طولها وعرضها وزخرفتها، بل وصل بهم الأمر إلى أن بَنَوا ما يشبه ناطحات السحاب المشهورة في (أمريكا) وغيرها من بلدان العالم.