هذا من العلّامات الّتي ظهرت، وهي في ازدياد، فقد وقع الشرك في هذه الأمة، ولحقت قبائل منها بالمشركين، وعبدوا الأوثان، وبنوا المشاهد على القبور، وعبدوها من دون الله، وقصدوها للتبرُّك والتَقبيل والتعظيم، وقدَّموا لها النُّذور، وأقاموا لها الأعياد، وكثيرٌ منها بمنزلة اللات والعزَّى ومناة أو أعظم شركًا.
روى أبو داود والترمذي عيب ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا وُضِعَ السيف في أُمَتي، لم يُرْفَع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم السّاعة حتّى تلحق قبائل من أُمَّتي بالمشركين، وحتى تعبدَ قبائلُ من أمتي الأوثان" (^٢).
_________________
(١) "إتحاف الجماعة" (١/ ٤٩٨ - ٤٩٩).
(٢) "سنن أبي دأود" (١١/ ٣٢٢ - ٣٢٤ - مع عون المعبود)، و"جامع التّرمذيّ" (٦/ ٤٦٦). وقال الترمذفى: "هذا حديث صحيح". وصححه الألباني في "صحيح الجاء الصغير" (٦/ ١٧٤) (ح ٧٢٩٥).
[ ١٦٠ ]
وروى الشيخان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقومُ السّاعة حتّى تضطرِبَ ألياتُ (^١) نساء دَوْس حول ذي الخَلَصة" (^٢).
_________________
(١) (أليات): جمع الألية، والمراد بها هي هنا أعجازهن؛ أي أن أعجازهن تضطرب في أطرافهن كما كن يفعلن في الجاهلية. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٦٤).
(٢) (الخَلَصة)، بفتح الخاء المعجمة واللام بعدها مهملة، وهذا هو الأشهر في ضبطها، والخلصة نبات له حب أحمر؛ كخرز العقيق. و(ذو الخلصة): أسم للبيت الّذي كان فيه الصنم. وقيل: أسم البيت: الخلصة، واسم الصنم: ذو الخلصة. و(ذو الخلصة): اسم لصنمين كلّ منهما يدعى ذا الخلصة، أحدهما لدوس، والثّاني لخثعم وغيرهم من العرب. فأمّا صنم دوس؛ فهو المراد في هذا الحديث، ولا يزال مكان لهذا الصنم معروفًا إلى الان في بلاد زهران (جنوب الطائف)، في مكان يقال له: (ثروق) من بلاد دوس، ويقع ذو الخلصة قريبًا من قرية تسمى (رمس) بفتح الرأء والميم، ووإن ذو الخلصة يقع فوق تل صخري مرتفع يحده من الشرق شعب ذى الخلصة ومن الغرب تهامة، ولا يزال على هذا التل بعض الصخور الكبيرة المستعملة في البناء، وهي تدل على أنّه كان يوجد في ذلك المكان بناء قوي. أنظر: "فتح الباري" (٨/ ٧١)، و"كتاب في سراة غامد وزهران" (٣٣٦ - ٣٤٠) لحمد الجاسر. وأمّا صنم خثعم، فيسمى أيضًا ذا الخلصة، وهو بيت بنته قبيلتان من العرب هما: خثعم وبجيلة يضاهئون به الكعبة، وقد أرسل النّبيّ - ﷺ - جرير بن عبد الله البجلي في مئة وخمسين فارسًا، فهدمو، وأحرقوه. وقصة هدمه رواها الإِمام البخاريّ في "صحيحه" (٨/ ٧٠ - ٧١ - مع الفتح)، في =
[ ١٦١ ]
و(ذو الخلصة): طاغية دَوْس الّتي كانوا يعبدون في الجاهليَّة (^١).
وقد وقع ما أخبر به النبيُّ - ﷺ - في هذا الحديث، فإن قبيلة دوسٍ وما حولها من العرب قد افتتنوا بذي الخَلَصة عندما عاد الجهل إلى تلك البلاد، فأعادوا سيرتها الأولى، وعبدوها من دون الله، حتّى قام الشّيخ محمّد بن عبد الوهاب ﵀ بالدعوة إلى التّوحيد، وجدَّد ما اندرس من الدين، وعاد الإِسلام إلى جزيرة العرب، فقام الإِمام عبد العزيز بن محمّد بن سعود ﵀، وبعث جماعة من الدُّعاة إلى ذي الخَلَصة، فخربوها، وهدَّموا بعض بنائها، ولما انتهى حكم آل سعود على الحجاز في تلك الفترة، عاد الجهال إلى عبادتها مرّة أخرى، ثمّ لما استولى الملك عبد العزيز بن عبد الرّحمن آل سعود ﵀ على الحجاز؛ أمر عامله عليها، فأرسل جماعةً من جيشه، فهدموها، وأزالوا أثرها، ولله الحمد والمنة (^٢).
ولا يزال هناك صورٌ من الشرك في بعض البلدان، وصدق الرسول - ﷺ -
_________________
(١) = كتاب المغازي، باب غزوة ذي الخلصة. وصنم خثعم يقع في تبالة بين مكّة واليمن على مسيرة سبع ليال من مكّة، وقد بنى في مكانه مسجد جامع لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم. انظر: "معجم البلدان" (٤/ ٨٠)، و"كتاب في سراة غامد وزهران" (ص ٣٤٣ - ٣٤٤)، منشورات دار اليمامة، الرياض، عام (١٣٩١ هـ).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب تغير الزّمان حتّى تعبد الأوثان، (١٣/ ٧٦ - مع الفتح) (ح ٧١١٦)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٢ - ٣٣ - بشرح النووي).
(٣) انظر: "إتحاف الجماعة" (١/ ٥٢٢ - ٥٣٣)، و"سراة غامد وزهران" (ص ٣٤٧ - ٣٤٩).
[ ١٦٢ ]
إذ يقول: "لا يذهَبُ اللّيلُ والنهار حتّى تُعْبَدَ اللاتُ والعُزَّى". فقالت عائشة: يا رسول الله! إن كنتُ لأظنُّ حين أنزلَ الله ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (^١) أن ذلك تامًّا، قال: "إنّه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثمّ يبعث الله ريحًا طيِّبة، فتُوفي كلَّ مَنْ في قلبه مثقال حبة خردلٍ من إيمانٍ، فيبقى مَنْ لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم" (^٢).
ومظاهر الشركِ كثيرةٌ، فليست محصورةً في عبادة الأحجار والأشجار والقبور، بل تتعدَّى ذلك إلى اتِّخاذ الطواغيت أندادًا مع الله تعالى، يَشْرَعون للناس من عند أنفسهم، ويلزمون النَّاس بالتحاكم إلى شريعتهم، وترك شريعة الله، فينصبون أنفسهم آلهة مع الله تعالى وتقدَّسَ؛ كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ أي: جعلوا علماءهم وعبادهم آلهة يشرعون لهم؛ فإنهم اتَّبعوهم فيما حلَّلوا وحرَّموا (^٣).
وإذا كان لهذا في التَّحليل والتَّحريم؛ فكيف بمن نبذوا الإِسلام وراءهم ظِهْريًّا، واعتنقوا المذاهب الإِلحادية؛ من علمانية، وشيوعية، واشتراكية، وقوميَّة، ثمّ يزعمون أنّهم مسلمون.
* * * * *
_________________
(١) الصف:٩.
(٢) "صحيح مسلم بشرح النووي"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٣ - مع شرح النووي).
(٣) انظر: "تفسير ابن كثير" (٤/ ٧٧).
[ ١٦٣ ]