روى الإِمام أحمد والحاكم عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقومُ السّاعة حتّى يظهَرَ الفحشُ، والتفاحُشُ، وقطيعةُ الرّحم، وسوء المجاوَرَة" (^٢).
وروى الطبرانيُّ في "الأوسط" عن أنس؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أشراط السّاعة الفحشُ والتفحُّش وقطيعة الرّحم" (^٣).
وللإِمام أحمد عن ابن مسعود ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: "إن بين يدي السّاعة قطع الأرحام" (^٤).
وقد وقع ما أخبر به النّبيّ - ﷺ -، فانتشر الفحش بين كثير من النَّاس؛ غير مبالين بالتحدُّث بما يرتكبون من معاصي، وما يترتَّب عليه من عقاب
_________________
(١) (الفحش): قال ابن الأثير: "هو كلّ ما يشتد قبحه من الذنوب والمعاصي، وكثيرًا ما ترد الفاحشة بمعنى الزِّنا، وكل خصلة قبيحة فهي فاحشة في الأقوال والأفعال". "النهاية" (٣/ ٤١٥).
(٢) "مسند أحمد" (١٠/ ٢٦ - ٣١ - شرح أحمد شاكر)، وقال: "إسناده صحيح"، وذكر رواية الحاكم، وأطال الكلام عليها. وانظر: "مستدرك الحاكم" (١/ ٧٥ - ٧٦)، وقد رواه بثلاثة أسانيد، وقال: "هذا حديث صحيح، فقد اتفق الشيخان على الاحتجاج بجميع رواته؛ غير أبي سبرة الهذلي، وهو تابعي كبير مبين، ذكره في المسانيد والتواريخ غير مطعون فيه"، وذكر له شاهدًا، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
(٣) "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٨٤)، وقال الهيثمي: "رجاله ثقات"، وفي بعضهم خلف، والأحاديث المذكورة تشهد له.
(٤) "مسند أحمد" (٥/ ٣٣٣ - شرح أحمد شاكر)، وقال: "إسناده صحيح".
[ ١٦٤ ]
شديد، وقطعت الأرحام، فالقريب لا يصل قريبه، بل حصل بينهم التقاطع والتَّدابر، فتمر الشهور والسنون وهم في بلد واحد، فلا يتزاورون، ولا يتواصلون، وهذا لا شكَّ أنّه من ضعف الإِيمان، فإن الرسول - ﷺ - حثَّ على صلة الرّحم، وحذَّر من قطيعتها.
وقال: "إن الله خَلَقَ الخلق، حتّى إذا فرغ منهم؛ قامت الرّحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة؟ قال: نعم؛ أمّا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذاك لك".
ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: "اقرؤوا إن شئتُم: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^١) [محمّد: ٢٢ - ٢٤]
وقال ﵊: "لا يدخلُ الجنَّة قاطع رحم" (^٢).
وأمّا سوء الجوارة فحدِّث عنه ولا حرج، فكم من جارٍ لا يعرف نجاره، ولا يتفقَّد أحواله؛ ليمدَّ يد العون إليه إن احتاج! بل ولا يَكُفُّ شرَّه عنه.
وقد نهى النّبيّ - ﷺ - عن أذى الجار، فقال: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذي جارَه" (^٣).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب صلة الرّحم وتحريم قطيعتها، (١٦/ ١١٢ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم" (١٦/ ١١٤ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب الحث على إكرام الجار والضيف، (٢/ ٢٠ - مع شرح النووي).
[ ١٦٥ ]
وأمر بالإِحسان إلى الجار، فقال: "مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فليُحْسِن إلى جاره" (^١).
وقال ﵊: "ما زال جبريلُ يوصيني بالجار حتّى ظننتُ أنّه سيورِّثه" (¬٢)