عن ابن عبّاس رضي الله عنهماة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يكون قومٌ يخضِبون في آخر الزّمان بالسواد؛ كحواصل الحمام، لا يريحون رائحة الجنَّة" (^٣).
_________________
(١) الحاشية السابقة نفسها.
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب البرّ والصلة والآداب، باب: الوصيَّة بالجار والإِحسان إليه، (١٦/ ١٧٦ - مع شرح النووي).
(٣) "مسند الإِمام أحمد" (٤/ ١٥٦) (ح ٢٤٧)، تحقيق وشرح أحمد شاكر، وقال: "صحيح". و"سنن أبي داود"، كتاب الترجل، باب ما جاء في خضاب السواد، (١١/ ٢٦٦ - مع عون المعبود). قال ابن حجر: "إسناده قوي، إِلَّا أنّه اختلف في رفعه ووقفه، وعلى تقدير ترجيح وقفه؛ فمثله لا يقال بالرأي، فحكمه الرفع". "فتح الباري" (٦/ ٤٩٩). وقال الألباني: "أخرجه أبو داود، والنسائي، وأحمد، والضياء في "المختارة"، وغيرهم ممّا لا مجال لذكرهم بإسناد صحيح على شرط الشيخين". انظر: "غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام"، (ص ٨٤)، ط. المكتب الإِسلامي، ط. الأولى، (١٤٠٠ هـ). وهذا الحديث أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٥٥)، وذكر أن المتَّهم =
[ ١٦٦ ]
ما جاء في لمذا الحديث واقعٌ في هذا الزمن؛ فإنّه انتشر بين الرجال صبغُ لحاهم ورؤوسهم بالسواد.
والذي يظهر لي- والله أعلم- أن قوله - ﷺ -: "كحواصل الحمام" تشبيهٌ لحال بعض المسلمين في هذا العصر، فتجدهم يصنعون بلحاهم كهيئة حواصل الحمام، يحلقون عوارضهم، ويدعون ما على أذقانهم من الشعر، ثمّ يصبغونه بالسواد، فيغدو كحواصل الحمام.
قال ابن الجوزي (^١): "يحتمل أن يكون المعنى لا يريحون رائحة الجنَّة؛ لفعلٍ يصدُرُ منهم، أو اعتقاد، لا لعلَّة الخضاب، ويكون الخضاب سيماهُم؛ كما قال في الخوارج سيماهم التحليق، وإن كان
_________________
(١) = فيه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متروك. ورد عليه أبن حجر، فقال: "أخطأ في ذلك؛ فإن الحديث من رواية عبد الكريم الجزري الثقة المخرَّج له في (الصّحيح) ". ثمّ ذكر من أخرج الحديث. انظر: "القول المسدَّد" (ص ٤٨ - ٤٩١) لابن حجر. وقد تبع ابن الجوزي في ذلك العلّامةُ الشوكاني، فقال في كتاب "الفوائد المجموعة": "قال القزويني: موضوع"- "الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة" (ص ٥١٠) (ح ١٤٢٠) بتحقيق عبد الرّحمن بن يحيى المعلمي، الطبعة الثّانية، ١٣٩٢ هـ، بيروت.
(٢) هو العلّامة أبو الفرج عبد الرّحمن بن علي الجوزي القرشي البغدادي الحنبلي، صاحب المصنفات الكبار، الّتي تبلغ نحو ثلاث مئة مصنف في الحديث والوعظ والتفسير والتاريخ وغيرها، توفي ﵀ سنة (٥٩٧ هـ). انظر: "البداية والنهاية" (١٣/ ٢٨ - ٣٠)، ومقدمة كتابه "الموضوعات" (١/ ٢١ - ٢٦) لعبد الرّحمن محمّد عثمان، الناشر محمّد عبد المحسن، ط. الأولى، (١٣٨٦ هـ).
[ ١٦٧ ]
تَحليق الشعر ليس بحرام" (^١).
قلتُ: قد نهى النّبيّ - ﷺ - عن صبغ شعر الرّأس واللحية بالسواد، ففي "الصّحيح" عن جابر بن عبد الله ﵁؛ قال: أُتَيَ بأبىِ قُحافة يوم فتح مكّة ورأسه ولحيته كالثغامة (^٢) بياضًا، فقال رسول الله - ﷺ -: "غيِّروا هذا بشيءٍ، واجتنبوا السواد" (^٣).
_________________
(١) " الموضوعات" (٣/ ٥٥) لابن الجوزي. قال ابن الجوزي: "اعلم أنّه قد خضب جماعة من الصحالة والتابعين؛ منهم: الحسن، والحسين، وسعد بن أبي وقّاص، وخلق كثير من التابعين، وإنّما كرهه قومٌ لما فيه من التدليس، فأمّا أن يرقى إلى درجة التّحريم إذا لم يدلِّس، فيجب فيه هذا الوعيد؛ فلم يقل به أحد". "الموضوعات" (٣/ ٥٥). وقال النووي: "يحرم خضابه بالسواد على الأصح، وقيل: يكره كراهية تنزيه، والمختار التّحريم؛ لقوله - ﷺ -: واجتنبوا السواد". "شرح مسلم" (١٤/ ٨٠). وأمّا ما أخرجه ابن أبي عاصم في "كتاب الخضاب" عن الزهريّ؛ قال: "كنا نخضب بالسواد إذا كان الوجه جديدًا، فلما نغض الوجه والأسنان؛ تركناه" "فتح الباري" (١٠/ ٣٥٤ - ٣٥٥). قال الألباني: "الظّاهر أن الزهريّ لم يكن عنده حديث بالتحريم أصلًا، فكان يأخذ الأمر بذوقه، وعلى كلّ حال؛ فلا حجة في فعل أحد أو قوله بعد رسول الله - ﷺ -، والحديث المتقدم حجة على الزهريّ وغيره". "غاية المرام" (ص ٨٤).
(٢) (الثغامة)؛ بضم المثلثة، وتخفيف المعجمة، نبات شديد البياض، زهره وثمره، وقيل: هي شجرة تبيض كأنّها الثلج. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (١/ ٢١٤)، و"فتح الباري" (١٠/ ٣٥٥).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب اللباس والزينة، باب استحباب خضاب الثيب بصفرة أو حمرة وتحريمه بالسواد، (١٤/ ٧٩ - مع شرح النووي).
[ ١٦٨ ]