عن عائشة ﵂: قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "يكون في آخر هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ". قالت: قلتُ: يا رسول الله! أنّهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: "نعم؛ إذا ظَهَرَ الخَبَثُ" (^١).
وعن ابن مسعودٍ ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "بين يدي السّاعة مسخٌ وخسفٌ وقذفٌ" (^٢).
وقد جاء الخبر أن الزِّنادقة والاقدرِيَّةَ يقع عليهم المسخ والقذف.
روى الإِمام أحمد عن عبد الله بن عمر ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "إنّه سيكون في أُمَّتي مسخٌ وقذفٌ، وهو في الزندقية والقدرية" (^٣).
وفي رواية المترمذي: "في هذه الأمة - أو في أمَّتي - خسفٌ أو مسخٌ
_________________
(١) = ووافقه الذهبي. وصححه الألباني. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ٢٦٣) (ح ٧٧١٥).
(٢) "سنن التّرمذيّ"، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخسف، (٦/ ٤١٨). قال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ٣٥٨) (ح ٨٠١٢).
(٣) "سنن ابن ماجه"، كتاب الفتن، باب الخسوف، (٢/ ١٣٤٩). والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٣/ ١٣) (ح ٢٨٥٣).
(٤) "مسند أحمد" (٩/ ٧٣ - ٧٤) (ح ٦٢٠٨)، تحقيق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
[ ١٧٣ ]
أو قذف في أهل القدر" (١).
وعن عبد الرّحمن بن صحار العبدي عن أبيه؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقومُ السّاعة حتّى يُخْسَفَ بقبائل، فيقال: مَنْ بقي من بني فلان؟ ". قال: فعرفتُ حين قال: "قبائل" أنّها العرب؛ لأنّ المعجم تُنْسَب إلى قُراها (^٢).
وعن محمّد بن إبراهيم التَّيمي؛ قال: سمعتُ بقيره امرأة القعقاع بن أبي حدرد تقول: سمعتُ رسول الله - ﷺ - على المنبر وهو يقول: "إذا سمعتُم بجيشي قدخُسِفَ به قريبًا؛ فقد أظلَّتِ السّاعة" (^٣).
والخسف قد وُجِد في مواضع في الشرق والغرب (^٤) قبل عصرنا هذا، ووقع فى هذا الزمن كثيرٌ من الخُسوفات في أماكن متفرِّقة من الأرض، وهي نذيرٌ بين يدي عذابٍ شديد، وتخويفٌ من الله لعباده، وعقوبةٌ لأهل البدع والمعاصي؛ كي يعتبر النَّاس، ويرجِعوا إلى ربِّهم، ويعلموا أن السّاعة قد
_________________
(١) و(١) التّرمذيّ، أبواب القدر، (٦/ ٣٦٧ - ٣٦٨). الحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٤/ ١٠٣) (ح ٤١٥٠).
(٢) "مسند أحمد" (٤/ ٤٨٣ - بهامشه منتخمب الكنز). قال الهيثمي: "رواه أحمد والطبراني وأبو يعلى والبزار، ورجاله ثقات". "مجمع الزوائد" (٨/ ٩).
(٣) "مسند أحمد" (٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩ - بهامشه منتخب الكنز). والحديث حسن الإِسناده انظر: "صحيح الجامع الصغير" (١/ ٢٢٨) (ح ٦٣١)، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" (م ٣/ ٣٤٠) (ح ١٣٥٥).
(٤) انظر: "التذكرة" (ص ٦٥٤)، و"فتح الباري" (١٣/ ٨٤)، و"الإِشاعة" (ص ٤٩ - ٥٢)، و"عون المعبود" (١١/ ٤٢٩).
[ ١٧٤ ]
أزفت، وأنّه لا ملجأ من الله إِلَّا إليه.
وقد جاء الوعيد للعُصاة من أهل المعازف وشاربي الخمور بالخسف والمسخ والقذف.
روى التّرمذيّ عن عمران بن حُصَيْن ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "في هذه الأمة خسفٌ ومسخٌ وقذفٌ". فقال رجل من المسلمين: يا رسول الله! ومتى ذلك؟ قال: "إذا ظهَرَتِ القِيانُ والمعازف، وشرِبت الخمور" (^١).
وروى ابن ماجه عن أبي مالكٍ الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ليشربنَّ ناسٌ مِن أُمَّتي الخّمْرِ يسمُّونها بغير اسمها، يُعْزَفُ على رؤوسهم بالمعازف، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير" (^٢).
والمسخ يكون حقيقيًّا، ويكون معنويًّا:
فقد فسَّر الحافظ ابن كثير ﵀ (المسخ) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئينَ﴾ [البقرة: ٦٥] بأنّه مسخٌ حقيقيٌّ، وليس مسخًا معنويًّا فقط، ولهذا القول هو الراجح، وهو ما ذهب إليه ابن عبّاس وغيره من أئمة التفسير.
_________________
(١) "جامع التّرمذيّ"، أبواب الفتن، (٦/ ٤٥٨) (ح ٤٥٨). والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٤/ ١٠٣) (ح ٤١١٩).
(٢) "سنن ابن ماجه"، كتاب الفتن، باب العقوبات، (٢/ ١٣٣٣) (ح ٤٠٢٠). والحديث صحيح. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٥/ ١٠٥) (ح ٥٣٣٠).
[ ١٧٥ ]
وذهب مجاهدٌ وأبو العالية وقتادة إلى أن المسخ كان معنويًّا، وأنّه كان لقلوبهم، ولم يُمْسَخوا قردةً (^١).
ونقل ابن حجر عن ابن العربي القولين، ورجَّح الأوّل (^٢).
ورجَّح رشيد رضا في "تفسيره" (^٣) القولَ الثّاني، وهو أنّه كان مسخًا في أخلاقهم.
واستبعد ابن كثير ما روي عن مجاهد، وقال: "إنّه قولٌ غريبٌ، خلف الظّاهر من السياق فأنّهذا المقام وغيره" (^٤).
ثمّ قال - بعد سياقه لطائفة من كلام العلماء -: "الغرض من لهذا السياق عن لهؤلاء الأئمة بيان خلف ما ذهب إليه مجاهد﵀- من أنَّ مسخَهُم إنّما كان معنويًّا لا صوريًّا، بل الصّحيح أنّه معنويٌّ صوريٌّ، والله أعلم" (^٥).
وإذا كان المسخ يحتمل أن يكون معنويًّا؛ فإن كثيرًا من المستحلِّين للمعاصي قد مُسِخَتْ قلوبُهم، فأصبحوا لا يفرِّقون بين الحلال والحرام، ولا بين المعروف والمنكر: مثلهم في ذلك كمثل القردة والخنازير، نسأل الله العافية والسلامة، وسيقع ما أخبر به - ﷺ - من المسخ، سواء أكان معنويًّا أو صوريًّا.
_________________
(١) أنظر: "تفسير ابن كثير" (١/ ١٥٠ - ١٥٣).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١٠/ ٥٦).
(٣) أنظر: "تفسير المنار" (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
(٤) "تفسير ابن كثير" (١/ ١٥١).
(٥) "تفسير ابن كثير" (١/ ١٥٣).
[ ١٧٦ ]