ومن أشراطها ارتقاع أسافل النَّاس عن خيارهم، واستئثارهم بالأمور دونهم، فيكون أمر النَّاس بيد سفهائهم وأراذلهم ومَن لا خير فيهم، وهذا من انعكاس الحقائق، وتغيُّر الأحوال، وهذا أمرٌ مشاهَدٌ في هذا الزمن، فترى أن كثيرًا من رؤوس النَّاس وأهل العقد والحل هم أقلُّ النَّاس صلاحًا وعلمًا، مع أن الواجب أن يكون أهل الدين والتقى هم المقدَّمون على غيرهم في تولِّي أمور النَّاس؛ لأنّ أفضل النَّاس وأكرمهم هم أهل الدين والتقوى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
ولذلك لم يكن النّبيّ - ﷺ - يولي الولايات وأمور النَّاس إِلَّا مَنْ هم
_________________
(١) "مسند أحمد" (١٢/ ١٢ - شرح أحمد شاكر)، وقال: "إسناده صحيح". و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٣٥)، وقال: "لهذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب قول النّبيّ - ﷺ -: "ويل للعرب من شر قد اقترب" (١٣/ ١١ - مع الفتح).
[ ١٧٨ ]
أصلح النَّاس وأعلمهم، وكذلك خلفاؤه من بعده، والأمثلة على ذلك كثيرةٌ؛ منها ما رواه البخاريّ عن حُذيفة ﵁ أن النّبيّ - ﷺ - قال لأهل نجران: "لأبعَثَنَّ إليكم رجلًا أمينًا حَقَّ أمين"، فاستشرف لها أصحاب النّبيّ - ﷺ -، فبعث أبا عبيدة" (^١).
وهذه بعض الأحاديث الدالَّة على ارتفاع أسافل النَّاس، وأن ذلك من أمارات السّاعة:
فمنها ما رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال رسول الله - ﷺ -: "إنها ستأتي على النَّاس سنون خدَّاعة؛ يُصَدَّق فيها الكاذب، ويُكَذَّب فيها الصادق، ويؤتَمَنُ فيها الخائن، ويُخَوَّن فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّوَيْبِضَة". قيل: وما الرُّوَيْبِضَة (^٢)؟ قال: "السفيه يتكلَّم في أمر العامَّة" (^٣).
وفي حديث جبريل الطويل قوله: "ولكنْ سأحَدِّثُكَ عن أشراطها
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب أخبار الآحاد، باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصادق، (١٣/ ٢٣٢ - مع الفتح).
(٢) (الرويبضة): جاء تفسيره في متن الحديث، وأنّه السفيه، والرويبضة تصغير الرابضة، وهو العاجز الّذي ربض عن معالي الأمور، وقعد عن طلبها، والتافه الخسيس الحقير. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ١٨٥).
(٣) "سنن الإمام أحمد" (١٥/ ٣٧ - ٣٨ - شرح وتعليق أحمد شاكر)، وقال: "إسناده حسن، ومتنه صحيح". وقال ابن كثير: "لهذا إسناد جيد، ولم يخرجوه من هذا الوجه". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٨١) تحقيق د. طه زيني.
[ ١٧٩ ]
وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس النَّاس؛ فذاك من أشراطها" (^١).
وعن عمر بن الخطَّاب ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مِن أشراط السّاعة: أن يغلب على الدنيا لُكع ابن لكع، فخيرُ النَّاس يومئذ مؤمن بين كريمين" (^٢).
وفي "الصّحيح": "إذا أُسْنِد الأمر إلى غير أهله؛ فانتظر السّاعة" (^٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: "من أشراط السّاعة: أن يعلو التُّحوتُ الوعول"، أكذل لك يا عبد الله بن مسعود سمعتَه من حِبي؟ قال: نعم؛ ورب الكعبة. قلنا: وما التُّحوت؟ قال: فسول الرجال، وأهل البيوت الغامضة يُرْفَعون فوق صالحيهم. والوعول: أهل البيوت الصالحة (^٤).
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان الإِيمان والإِسلام والإِحسان، (١/ ١٦٣ - مع شرح النووي).
(٢) قال الهيثمي: "رواه الطبراني في "الأوسط" بإسنادين، ورجال أحدهما ثقات". "مجمع الزوائد"، (٧/ ٣٢٥).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، (١١/ ٣٣٢ - مع الفتح).
(٤) "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٧). قال الهيثمي: "حديث أبي هريرة وحده في الصّحيح بعضه، ورجاله رجال الصّحيح؛ غير محمّد بن الحارث بن سفيان، وهو ثقة". وذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ١٥) من رواية الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة.
[ ١٨٠ ]
"لا تذهبُ الدُّنيا حتّى تفسير للكع (^١) ابن لكع" (^٢).
أي: حتّى يصير نعيمُها وملاذُها والوجاهة فيها له (^٣).
وفي رواية للإِمام أحمد عن حُذيفة بن اليمان ﵁ أن النّبيّ
- ﷺ - قال: "لأ تقوم السّاعة حتّى يكون أسعدُ النَّاس بالدنيا لكع ابن لكع" (^٤).
وفي "الصحيحين" عن حذيفة ﵁ فيما رواه عن النّبيّ - ﷺ - في قبض الأمانة: "حتّى يُقال للرجل: ما أجلده! ما أظرفه! ما أعقله! وما
_________________
(١) (لكع): اللكع عند العرب: العبد، ثمّ استعمل في الحمق والذم، وهو اللئيم، وقد يطلق على الصغير، فإن أطلق على الكبيرة أُريد به صغير العلم والعقل. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٤/ ٢٦٨).
(٢) "مسند الإمام أحمد" (١٦/ ٢٨٤ - شرح وتعليق أحمد شاكر)، وقال: "أخرجه السيوطيّ في "الجامع الصغير"، ورمز له بأنّه حديث حسن". "الجامع الصغير" (٢/ ٢٠٠ - بهامشه كنوز الحقائق للمناوي). وقال الهيثمي: "رجال أحمد رجال الصّحيح؛ غير كامل بن العلّاء، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٢٠). وقال ابن كثير: "إسناده جيد قوي". "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٨١)، تحقيق د. طه زيني. وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ١٤٢) (ح ٧١٤٩).
(٣) انظر: "فيض القدير شرح الجامع الصغير" (٥/ ٣٩٤) لعبد الرؤوف المناوي.
(٤) "مسند الإمام أحمد" (٥/ ٣٨٩ - بهامشه منتخب كنز العمال)، ورمز له السيوطيّ في نا الجامع الصغير" بالصحة (٢/ ٢٠٢ - بهامشه كنوز الحقائق للمناوي). وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ١٧٧) (ح ٧٣٠٨).
[ ١٨١ ]
في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان" (^١).
وهذا هو الواقع بين المسلمين في هذا العصر؛ يقولون للرجل: ما أعقله! ما أحسن خلقه! ويصفونه بأبلغ الأوصاف الحسنة، وهو من أفسق النَّاس، وأقلِّهم دينًا وأمانة، وقد يكون عدوًّا للمسلمين، ويعمل على هدم الإسلام، فلا حول ولا قوة إِلَّا بالله العلّي العظيم.