ومنها خروجُ النِّساء عن الآداب الشرعية، وذلك بلبس الثِّياب الّتي لا تستر عوراتهن، وإظهارهن لزينتهن وشعورهن وما يجب ستره من أبدانهن، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "سيكون في آخر أمَّتي رجالٌ يركبون على سروج (^٣) كأشباه الرحال (^٤)؛ ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهُم كاسياتٌ
_________________
(١) حاشية كتاب "الزهد" (ص ٣١)، تحقيق وتعليق الشّيخ حبيب الرّحمن الأعظمي.
(٢) كتاب "الزهد" لابن المبارك، (ص ٢٨١) (ح ٨١٥). قال التويجري: "رواه الطبراني في" الكبير" و"الأوسط"، وعبد الرزّاق في "مصنفه" بنحوه وإسناده صحيح على شرط مسلم". "إتحاف الجماعة" (١/ ٢٤٢)، وانظر: "المصنِّف" (١١/ ٣٤٦) (ح ٢٠٤٤٦)، تحقيق حبيب الرّحمن الأعظمي.
(٣) (سروج): جمع سرج، وهو رحل الدَّابَّة. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٢٩٧).
(٤) (الرحال): جمع رحل، وهو مركب للبعير والناقة، والرحالة أكبر من السرج، وتغشى بالجلود، وتكون للخيل والنجائب من الإِبل، ويقال لمنزل الإِنسان ومسكنه: رحل. وجاء في "مسند الإمام أحمد" (١٢/ ٣٦ - بتحقيق شاكر) بلفظ: "كأشباه الرجال" بالجيم المعجمة.
[ ١٨٤ ]
عاريات على رؤوسهم كأسنمة البخت العجاف (^١)، العنوهُنَّ؛ فإنَّهُنَّ ملعونات، لو كانت وراءكم أمَّة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمنكم نساء الأمم قبلكم" (^٢).
رواه الإمام أحمد.
وفي رواية للحاكم (^٣): "سيكون في آخر هذه الأمة رجالٌ يركبون على
_________________
(١) = ويظهر لي- والله أعلم- أن فيه تحريفًا غاب عن المحقق، ولذلك فإنّه عندما أراد شرح معنى هذا اللّفظ؛ قال: "مشكل المعنى قليلًا، فتشبيه الرجال بالرجال فيه بعد، وهو توجيه متكلَّف" اهـ. وإذا كانت اللفظة (كأشباه الرحال)؛ بالحاء المهملة، فإنّه يزول الإِشكال، ويكون المراد تشبيه السروج بالرحال، وهي هاهنا الدور والمنازل، ولعلّ هذا إشارة إلى المراكب الوثيرة الموجودة في السيارات فأنّهذا العصر؛ فإنها قد صارت في هذه الأزمان مراكب لعموم النَّاس من رجال ونساء، يركبونها إلى المساجد وغيرها. والله اعلم. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٢٠٩)، و"لسان العرب" (١١/ ٢٧٤ - ٢٧٥)، و"إتحاف الجماعة" (١/ ٤٥١ - ٤٥٢)
(٢) (البُخْت): لفظة معرَّبة، والمراد بها الإِبل الخراسانية، تمتاز بطول الأعناق. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٩ - ١٠)، و"النهاية" لابن الأثير (١/ ١٠١). و(العجاف): جمع عجفاء، وهي الهزيلة من الإِبل وغيرها. انظر: "النهاية" لابن الأثير (٣/ ١٨٦).
(٣) "مسند الإمام أحمد" (١٢/ ٣٦) (ح ٧٠٨٣)، تحقيق: أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
(٤) "مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٣٦)، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". وقال الذهبي: "عبد الله (يعني: القتباني)، كان كان قد احتجّ به مسلم فقد ضعفه أبو داود والنسائي". =
[ ١٨٥ ]
المياثر (^١)، حتّى يأتوا أبوإب مساجدهم، نساؤهم كاسياتٌ عارياتٌ".
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "صنفان من أهل النّار لم أرهما: قومٌ معهم سياطٌ كأذناب البقر؛ يضربون بها النَّاس، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ مميلاتٌ مائلاتٌ (^٢) رؤوسهُنَّ كأسنمة البخت المائلة (^٣)، لا يدخُلْنَ الجنَّة، ولا يَجِدْنَ ريحها، وإن ريحها ليوجد
_________________
(١) = وقال أبو حاتم: "هو قريبٌ من ابن لهيعة". قلت: الأحاديث الأخرى تشهد له وتقويه.
(٢) (المياثر): جمع ميثرة - بكسر الميم -: وهي الثّوب الّذي تجلَّل به الثِّياب، فيعلم، مأخوذ من: وثر وثارة فهو وثير، أي: وطيء بين. وتطلق المياثر على مراكب المعجم الّتي تُعمل من حرير أو ديباج، والمراد بها السروج العظام. أنظر: "النهاية في غريب الحديث" (٥/ ١٥٠ - ١٥١)، و"لسان العرب" (٥/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، و"ترتيب القاموس" (٤/ ٥٧٢).
(٣) (مميلات مائلات) في معناها أربعة أوجه: أ - مائلات: زائغات عن طاعة الله تعالى وما يلزمهن من حفظ الفروج وغيرها. ومميلات: يعلِّمن غيرهن مثل فعلهن. ب - مائلات؛ أي: متبخترات في مشيتهن، مميلات أكتافهن. ج - مائلات: يمتشطن المشطة الميلاء، وهي مشطة البغايا، معروفة لهن. ومميلات: يمشطن غيرهن تلك المشطة. د - مائلات إلى الرجال، مميلات لهم بما يبدين من زينتهن وغيرها. انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٩١).
(٤) (رؤوسهن كأسنمة البخت)، أي: يعظمن رؤوسهن، وذلك بجمع شعرهن، ولفه فؤق رؤوسهن، حتّى يميل إلى ناحية من جوانب الرّأس كما تمايل أسنمة الإِبل. انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٩١).
[ ١٨٦ ]
من مسيرة كذا وكذا" (^١).
وعن أبي هرءة ﵁؛ قال: "من أشراط السّاعة: أن تظهر ثيابٌ تلبسها نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ" (^٢).
وهذه الأحاديث من معجزات النبوَّة، فقد وقع (^٣) ما أخبر به النّبيّ - ﷺ - قبل عصرنا لهذا، وهو في زمننا لهذا أكثر ظهورًا.
وقد سمَّى النبيُّ - ﷺ - لهذا الصنف من النِّساء ب (الكاسيات العاريات)؛ لأنّهن يلبسين الثِّياب، ومع هذا فهُنَّ (عاريات)، لأنّ ثيابهُنَّ لا تؤدَّي وظيفة الستر؛ لرقَّتها وشفافيتها؛ كأكثر ملابس النِّساء في هذا العصر (^٤).
وقيل: إن معنى (الكاسيات العاريات)، أي: كاسية جسدها، ولكنها تشدُّ خمارها، وتضيِّق ثيابها، حتّى تظهر تفاصيل جسمها، فتبرز صدرها وعجيزتها، أو تكشف بعض جسدها، فتعاقب على ذلك في الآخرة (^٥).
وقد جمع النّبيّ - ﷺ - في وصف لهؤلاء النسوة بأنّهن: "كاسيات
_________________
(١) "صحيح مسلم"، باب جهنم أعاذنا الله منها، (١٧/ ١٩٠ - بشرح النووي).
(٢) قال الهيثمي: "في الصّحيح بعضه، ورجاله رجال الصّحيح، غير محمّد بن الحارث بن سفيان، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (٧/ ٣٢٧).
(٣) "شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٩٠).
(٤) "الحلال والحرام في الإسلام" (ص ٨٣)، د. يوسف القرضاوي، ط. الثّانية عشرة (١٣٩٨ هـ)، طبع المكتب الإِسلامي، بيروت ودمشق.
(٥) انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٧/ ١٩٠).
[ ١٨٧ ]
عاريات " وأيضًا: "مائلات مميلات، رؤوسهنَّ كأسنمة البخت المائلة"، وهذا إخبار عن شيء مشاهد فأنّهذا العصرة كأنّه - ﷺ - ينظر إلى عصرنا لهذا، ويصفه لنا، فقد أصبح في عصرنا لهذا أماكن لتصفيف شعور النِّساء وتجميلها وتنويع أشكالها في محلَاّت تسمى (كوافير)، يشرف عليها غالبًا رجالٌ يتقاضَوْنَ أغلى الأجور، وليس ذلك فحسب، فكثيرٌ من النِّساء لا يكتفين بما وهبهن الله من شعر طبيعي، فيلجأن إلى شراء شعر صناعيٍّ، تصله المرأة بشعرها؛ ليبدو أكثر نعومة ولمعانًا وجمالًا؛ لتجذب إليها الرجال (^١).