ومنها صدق رؤيا المؤمّن في آخر الزّمان، وكلما كان المرء صادقًا في إيمانه، كانت رؤياه صادقة، ففي "الصحيحين" (^٢) عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا اقتربَ الزَّمانُ؛ لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزءٌ من خمس وأربعين جزءًا من النبوة".
هذا لفظ مسلم.
ولفظ البخاريّ: "لم تأكد رؤيا المؤمّن تكذب وما كان من النبوَّة فإنّه لا يكذب".
_________________
(١) انظر: "الحلال والحرام في الإسلام" (ص ٨٤).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب التعبير، باب القيد في المنام، (١٢/ ٤٠٤ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الرؤيا، (١٥/ ٢٠ - مع شرح النووي).
[ ١٨٨ ]
قال ابن أبي جمرة: "معنى كون رؤيا المؤمّن في آخر الزّمان لا تكاد تكذب: أنّها تقع غالبًا على الوجه الّذي لا يحتاج إلى تعبير، فلا يدخلها الكذب؛ بخلاف ما قبل؛ فإنها قد يخفى تأويلها، فيعبرها العابر، فلا تقع كما قال، فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار".
قال: "والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزّمان أن المؤمّن في ذلك الوقت يكون غريبًا؛ كما في الحديث: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا" (^١)، أخرجه مسلم، فيقل أنيس المؤمّن ومعينُه في ذلك الوقت، فيُكْرَمُ بالرؤيا الصالحة" (^٢).
وقد اختلف العلماء في تحديد الزمن الّذي يقع فيه صدق رؤيا المؤمّن على أقوال (^٣):
الأوّل: أن ذلك يقع إذا اقتربت السّاعة، وقُبِض أكثر العلم، ودرست معالم الشّريعة؛ بسبب الفتن وكثرة القتال، وأصبح النَّاس على مثل الفترة، فهم محتاجون إلى مجدِّد ومذكِّر لما دَرَس من الدين، كما كانت الأمم تذكِّر بالأنبجاء، لكن لما كان نبينا - ﷺ - آخر الأنبجاء، وتعذَّرت النبوة في هذه الأمة؛ فإنهم يعوَّضون بالمرائي الصادقة، الّتي هي جزءٌ من النبوة الآتية بالتبشير والإِنذار، ويؤيِّد لهذا القول حديث أبي هريرة: "يتقارب الزّمان، ويُقْبَض
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، (٢/ ١٧٦ - مع شرح النووي).
(٢) "فتح الباري" (١٢/ ٤٠٦).
(٣) انظر: "فتح الباري" (١٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧).
[ ١٨٩ ]
العلم" (^١).
ورجَّح ابن حجر هذا القول.
الثّاني: أن ذلك يقع عند قلَّة عدد المؤمنين، وغَلَبة الكفر والجهل والفسق على الموجودين، فيؤنَس المؤمّن، ويُعان بالرؤيا الصادقة؛ إكرامًا له وتسلية.
وهذا القول قريبٌ من قول ابن أبي جمرة السابق، وعلى هذين القودين لا يختصُّ صدق رؤيا المؤمّن بزمان معيَّن، بل كدما قرب فراغ الدنيا، وأخذ أمر الدين في الاضمحلال؛ تكون رؤيا المؤمّن الصادق صادقة.
الثّالث: أن ذلك خاصٌّ بزمان عيسى بن مريم -﵇-، لأنّ أهل زمنه أحسن لهذه الأمة حالًا بعد الصدر الأوّل، وأصدقهم أقوالًا، فكانت رؤياهم لا تُكَذَّب. والله أعلم.