عن أنس ﵁ قال: لأحدِّثَنَّكُمْ حديثًا لا يحدِّثُكُمْ أحدٌ بعدي، سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "مِن أشراط السّاعة أن يقلَّ العلم، ويظهر الجهلى، ويظهر الزِّنا، وتَكْثُرَ النِّساءُ، ويقلَّ الرجال، حتّى يكون لخمسين امرأة القيِّمُ الواحدُ" (^١).
قيل: إن سبب ذلك كثرةُ الفتن، فيكثر القتل في الرجال؛ لأنّهم أهل الحرب دون النِّساء (^٢).
وقيل: إن سبب ذلك كثرة الفتوح، فتكثر السبايا، فيتخذ الرَّجل عدة موطوءات.
قال الحافظ ابن حجر: "فيه نظرٌ؛ لأنّه صرَّح بالقلَّة في حديث أبي
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب العلم، باب رفع العلم وظهور الجهل، (١/ ١٧٨ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، (١٦/ ٢٢١ - مع شرط النووي)، و"جامع التّرمذيّ"، باب ما جاء في أشراط السّاعة، (٦/ ٤٤٨) (ح ٢٣٠١).
(٢) انظر "التذكرة" (ص ٦٣٩)، و"شرح النووي لمسلم" (٧/ ٩٦ - ٩٧)، و"فتح الباري" (١/ ١٧٩).
[ ١٩٧ ]
موسى فقال: "من قلَّة الرجال وكثرة النِّساء" (^١)، والظاهر أنّها علامةٌ محضةٌ لا لسبب آخر، بل يقدَّر الله في آخر الزّمان أن يقلَّ مَنْ يولَدُ مِن الذُّكور، ويَكْثُرَ مَنْ يولد من الإِناث، وكون كثرة النِّساء من العلّامات مناسبة لظهور الجهل ورفع العلم" (^٢).
قلت: ولا يمنعُ أن يكون ذلك بما ذكره الحافظ ابن حجر، وبغيره من الأسباب الّتي ينشأ عنها قلَّة الرجال وكثرة النِّساء؛ كوقوع الفتن الّتي تكون سببًا في القتال، فقد جاء في رواية الإمام مسلم ما يدلُّ على أن كثرة النِّساء وقلَّة الرجال يكون بسبب ذهاب الرجال وبقاء النِّساء، والذي يُذْهِب الرجال غالبًا يكون كثرة القتال، ولفظ مسلم هو قوله - ﷺ -: "ويذهب الرجال، وتبقى النِّساء، حتّى يكون لخمسين امرأة قيِّمٌ واحدٌ" (^٣).
وليس المراد هنا حقيقة العدد (خمسين)، فقد جاء في حديث أبي موسى ﵁: "ويُرى الرَّجل يتبعه أربعون امرأة يَلُذْن به" (^٤)، فيكون ذلك مجازًا عن الكثرة (^٥)، والله أعلم.