ومنها أن تعود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى تعود أرض العرب مروجًا (^٢) وأنّهارًا" (^٣).
وفي هذا الحديث دِلالة على أن أرض العرب كانت مروجًا وأنّهارًا، وأنّها ستعود كما كانت مروجًا وأنّهارًا.
_________________
(١) قال التويجري: "رواه الطبراني. قال الهيثمي: ورجاله ثقات إلى هذه الصحيفة". "إتحاف الجماعة" (١/ ٥٠٤) وبحثتُ عنه في "مجمع الزوائد" في مظانه فلم أعثر على هذا النص، ووجدت حديثًا عن معاذ بن جبل؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يكون في آخر الزّمان أقوامٌ إخوانُ العلانيّة أعداء السريرة". قال: يا رسول الله! كيف يكون ذلك؟ قال: "برغبة بعضهم إلى بعض، وبرهبة بعضهم من بعض". قال الهيثمي: "رواه البزار، والطبراني في "الأوسط"، وفيه أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف". "مجمع الزوائد" (٧/ ٢٨٦).
(٢) (المروج): جمع مرج، وهو الفضاء الواسع، ويقال للأرض ذات الكلأ: مرج. ومنه قولهم: مرج الدَّابة يمرجها: إذا أرسلها ترعى في المرج. انظر: "لسان العرب" (٢/ ٣٦٤).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٧ - مع شرح النووي).
[ ٢٠١ ]
قال النووي في معنى عود أرض العرب مروجًا وأنّهارًا: "معناه - والله أعلم - أنّهم يتركونها ويُعْرِضون عنها، فتبقى مهملة، لا تُزْرَعُ، ولا تُسْقى من مياهها، وذلك لقلَّة الرجال، وكثرة الحروب، وتراكم الفتن، وقرب السّاعة، وقلَّة الآمال، وعدم الفراغ لذلك والاهتمام به" (^١).
والذي يظهر لي أن ما ذهب إليه النووي - ﵀ - في شرحه لهذا الحديث فيه نظر؛ فإن أرض العرب أرضٌ قاحلةٌ شحيحة المياه، قليلة النبات،. غالب مياهها من الآبار والأمطار، فإذا تُرِكَت واشتغل عنها أهلها؛ مات زرعها، ولم تَعُد مروجًا وأنّهارًا".
وظاهر الحديث يدلُّ على أن بلاد العرب ستكثر فيها المياه، حتّى تكون أنّهارًا، فتنبت بها النباتات، فتكون مروجًا وحدائق وغابات.
والذي يؤيِّد لهذا أنّه ظهر في لهذا العصر عيونٌ كثيرةٌ تفجَّرت كالأنّهار، وقامت عليها زراعاتٌ كثيرةٌ، وسيكون ما أخبر به الصادق - ﷺ - فقد روى معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال في غزوة تبوك: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتّى يُضْحي النهار، فمَن جاءها منكم؛ فلا يمسَّ من مائها شيئًا حتّى آتي". فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان، والعين مثل الشراك (^٢) تبضُّ (^٣) بشيء من ماء؛ قال: فسألهما رسول
_________________
(١) "شرح النووي لمسلم" (٧/ ٩٧).
(٢) (الشرأك): بكسر الشين، هو سير النعل. انظر: "لسان العرب" (١٠/ ٤٥١).
(٣) (تبض)؛ بفتح التاء وكسر الموحدة بعدها ضاد معجمة مشدَّدة؛ أي: تسيل بماء قليل. أنظر: "شرح النووي لمسلم" (١٥/ ٤١)، و"لسان العرب" (٧/ ١١٧).
[ ٢٠٢ ]
الله - ﷺ -: "هل مسستما من مائها شيئًا؟ ". قالا: نعم. فسبَّهما رسول الله - ﷺ -، وقال لهما ما شاء الله أن يقول. قال: ثمّ غَرَفوا بأيديهم من العين قليلًا قليلًا، حتّى اجتمع في شيءٍ. قال: ثمّ غسل رسول الله - ﷺ - فيه يديه ووجهه، ثمّ أعاده فيها، فجرت العين بماء منهمر، أو قال غزير حتّى استقى النَّاس، ثمّ قال رسول الله - ﷺ -: "يوشِكُ يا معاذ إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما هاهُنا قد مُلِئ جِنانًا" (^١).