عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقومُ السّاعة حتّى يكثر فيكم المال، فيفيض، حتّى يُهِمَّ رَبَّ المالِ مَنْ يقبله منه صدقة، ويُدعى إليه الرَّجل، فيقول: لا أرب لي فيه" (^١).
وعن أبي موسى ﵁ عن النّبيّ - ﷺ -؛ قال: "ليأتِيَنَّ على الناسِ زمانٌ يطوف الرَّجلُ فيه بالصدقة من الذهب، ثمّ لا يجد أحدًا يأخذها منه" (^٢).
وأخبر - ﷺ - أن الله تعالى سيعطي هذه الأمة، ويفتح عليها من كنوز الأرض، وأن ملك أمته سيبلغ مشارق الأرض ومغاربها، ففي الحديث عن ثوبان ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "إن الله زوى (^٣) لي الأرض، فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وإن أمَّتي سيبلغ ملكها ما زُوِيَ لي منها، وأُعطيتُ الكنزينِ الأحمر والأبيض" (^٤).
وقال - ﷺ -: "وإني قد أُعطيتُ مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، (١٣/ ٨١ - ٨٢ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٧ - مع شرح النووي).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (٧/ ٩٦ - مع شرح النووي).
(٣) (زوي): يقال: زويته أزويه زيًّا؛ أي: جمعته، والمعنى أن الله جمع له - ﷺ - الأرض، وقرَّبها حتّى رأى مشارقها ومغاربها. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ١٣ - مع شرح النووي).
[ ٨٧ ]
الأرض" (^١).
وعن عدي بن حاتم ﵁؛ قال: بينما أنا عند النّبيّ - ﷺ -، إذ أتاه رجلٌ، فشكا إليه الفاقة، ثمّ أتاه آخر، فشكا إليه قطع السبيل، فقال: "يا عدي! هل رأيت الحيرة؟ ". قلتُ: لم أرها، وقد أُنبئتُ عنها. قال: "فإن طالت بك حياةٌ لَتَرَيَنَّ الظعينة ترتحل من الحيرة حتىَ تطوفَ بالكعبة لا تخاف أحدًا إِلَّا الله". قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأين دُعَّار (^٢) طيىء الذين قد سعروا البلاد؟! "ولئن طالت بك حياةٌ لَتُفْتَحَنَ كنوزُ كسرى". قلتُ: كسرى بن هرمز؟! قال: "كسرى بن هرمز. ولئن طالت بك حياة لترينَّ الرَّجل يُخْرِجُ ملءَ كفَّه من ذهب أوفضة؛ يطلب مَنْ يقبله منه؛ فلا يجد أحدًا يقبله منه ".
قال عدي: فرأيتُ الظعينة ترتحل من الحيرة حتّى تطوف بالكعبة، لا تخاف إِلَّا الله، وكنتُ فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال النّبيّ أبو القاسم - ﷺ -، يخرج ملء كفه (^٣).
فقد تحقَّق كثيرٌ ممَّا أخبرنا به الصادق - ﷺ -، فكثُر المال في عهد الصّحابة ﵃ بسبب ما وقع من الفتوح، واقتسموا أموال الفرس
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفضائل، باب حوض نبيّنا - ﷺ - وصفته، (١٥/ ٥٧ - مع شرح النووي).
(٢) (دعار): مفرده داعر: وهو الخبيث المفسد، والمراد بهم هنا قطاع الطريق. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٢/ ١١٩).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، (٦/ ٦١٠ - ٦١١ - مع الفتح)، و"شرح السنة"، كتاب الفتن، باب ما يكون من كثرة المال والفتوح، (١٥/ ٣١ - ٣٣)، تحقيق شعيب الأرناؤوط.
[ ٨٨ ]
والروم، ثمّ فاض المال في عهد عمر بن عبد العزيز ﵀، فكان الرَّجل يَعْرِض المال للصدقة، فلا يجد مَنْ يقبله.
وسيكثر المال في آخر الزّمان، حتّى يعرض الرَّجل ماله، فيقول الّذي يعرضه عليه: لا أرب لي به.
وهذا - والله أعلم - إشارةٌ إلى ما سيقع في زمن المهدي وعيسى ﵇ (^١)؛ من كثرة الأموال، وإخراج الأرض لبركتها وكنوزها.
ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تقيء الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة". قال: "فيجيء القاتل، فيقول: في هذا قَتَلْتُ. ويجيء القاطع فيقول: في هذا قطعتُ رحمي. ويجيء السارق فيقول: في هذا قطعتُ يدي. ثمّ يَدَعونه فلا يأخذون منه شيئًا" (^٢).
وذكر ابن حجر أنّه يحتمل أن يكون استغناء النَّاس عن المال وتركهم له وقت خروج النّار واشتغال النَّاس بأمر الحشر، فلا يلتفتُ أحدٌ حينئذ إلى المال، بل يقصد أن يتخفَّف ما استطاع.
وما ذكره ابن حجر من استغناء النَّاس عن المال لاشتغالهم بأمر الحشر لا يُنافي أن يكون لاستغنائهم سببٌ آخر، وهو كثرة المال؛ كما يحصل في زمن المهدي وعيسى -﵇-، وبذلك يكون الاستغناء يقع في زمنين - وإن تباعدا - بسببين مختلفين، والله أعلم.
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٨٧ - ٨٨).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الزَّكاة، باب كلّ نوع من المعروف صدقة، (١٥/ ٩٨ - مع شرح النووي)، وانظر: "فتح الباري" (١٣/ ٨٨).
[ ٨٩ ]