في آخر الزّمان يخرج رجلٌ من قحطان، تدين له النَّاس بالطاعة، وتجتمع عليه، وذلك عند تغيُّر الزّمان، ولهذا ذكره الإِمام البخاريّ في باب تغير الزّمان.
روى الإِمام أحمد والشيخان عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يخرج رجلٌ من قحطان يسوق النَّاس بعصاه" (^٢).
قال القرطبي. "قوله: "يسوق النَّاس بعصاه" كنايةٌ عن استقامة
_________________
(١) حاشية "عمدة التفسير عن ابن كثير" (٢/ ٢٥٦)، اختصار وتحقيق الشّيخ أحمد شاكر.
(٢) "مسند أحمد" (١٨/ ١٠٣) (ح ٩٣٩٥)، شرح احمد شاكر، أتمه وأكمله د. الحسيني عبد المجيد هاشم. و"صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب تغير الزّمان حتّى تُعْبَد الأوثان، (١٣/ ٧٦ - مع الفتح)، و"صحيح مسلم" كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٣٦ - مع شرح النووي).
[ ٢١٨ ]
النَّاس، وانعقادهم إليه، واتفاقهم عليه، ولم يُرِد نفس العصا، وإنّما ضرب بها مثلًا لطاعتهم له، واستيلائه عليهم؛ إِلَّا أن في ذكرها دليلًا على خشونته عليهم، وعنفه بهم" (^١).
قلت: نعم؛ سوقه النَّاس بعصاه كنايةٌ عن طاعة النَّاس له، ورضوخهم لأمره؛ إِلَّا أن ما أشار إليه القرطبي من خشونته عليهم ليس بالنسبة للجميع؛ كما يظهر من كلامه، بل إنّما يقسو على أهل المعصية منهم، فهو رجلٌ صالحٌ، يحكم بالعدل، ويؤيد ذلك ما نقله ابن حجر عن نُعيم بن حماد (^٢) أنّه روى من وجه قوي عن عبد الله بن عمرو أنّه ذكر الخلفاء، ثمّ قال: "ورجلٌ من قحطان".
وأيضًا ما أخرجه بسند جيِّد عن ابن عبّاس أنّه قال فيه: "ورجلٌ من قحطان، كلهم صالح" (^٣).
_________________
(١) "التذكرة" (ص ٦٣٥).
(٢) نعيم بن حماد الخزاعي، من الحفاظ الكبار، روى عنه البخاريّ مقرونًا، وروى له مسلم في المقدِّمة، وأصحاب السنن إِلَّا النسائي، وثقه الإِمام أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، وقال أبو حاتم: "صدوق"، وضعفه النسائي، وقال الذهبي: "أحد الأئمة الأعلام على لين في حديثه"، وقال ابن حجر: "صدوق يخطىء كثيرا"، ونقل الذهبي عن نعيم أنّه قال: "كنت جهميًّا، فلذلك عرفت كلامهم فلما طلبت الحديث علمتُ أن مآلهم إلى التعطيل"، توفي سنة (٢٢٨ هـ) ﵀. انظر: "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٤١٨ - ٤٢٠)، و"ميزان الاعتدال" (٤/ ٢٦٧ - ٢٧٠)، و"تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤٥٨ - ٤٦٣)، و"تقريب التهذيب" (٢/ ٣٠٥)، و"هدي الساري مقدمة فتح الباري" (ص ٤٤٧)، و"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" (ص ٤٠٣).
(٣) "فتح الباري" (٦/ ٥٣٥).
[ ٢١٩ ]
ولما حدَّث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ بأنّه سيكون ملك من قحطان؛ غضب معاوية ﵁، فقام، فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: أمّا بعد؛ فإنّه بلغني أن رجالًا منكم يتحدَّثون بأحاديث ليست في كتاب الله، ولا تُؤثَرُ عن رسول الله - ﷺ -، فأولئك جهالكم، فإياكم والأماني الّتي تُضِلُّ أهلها؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن لهذا الأمر في قريش، لا يعاديهِم أحدٌ؛ إِلَّا كبَّه الله على وجهه؛ ما أقاموا الدين". رواه البخاريّ (^١).
وإنّما أنكر معاوية خشية أن يظنَّ أحدٌ أن الخلافة تجوز في غير قريش، مع أن معاوية ﵁ لم ينكر خروج القحطاني؛ فإن في حديث معاوية قوله: "ما أقاموا الدين"، فإذا لم يُقيموا الدين؛ خرج الأمر من أيديهم، وقد حصل هذا؛ فإن النَّاس لم يزالوا في طاعة قريش إلى أن ضعف تمسُّكُهم بالدين، فضعف أمرهم، وتلاشى، وانتقل الملك إلى غيرهم (^٢).
ولهذا القحطاني ليس هو الجهجاه (^٣)؛ فإن القحطاني من الأحرار؛ لأنّه نسبه إلى قحطان الّذي تنتهي أنساب أهل اليمن من حمير وكندة وهمدان وغيرهم إليه (^٤)، وأمّا الجهجاه؛ فهو من الموالي.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب مناقب قريش، (٦/ ٥٣٢ - ٥٣٣).
(٢) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ١١٥).
(٣) خلافًا للقرطبي، فإنّه قال في "التذكرة" (ص ٦٣٦): "ولعلّ هذا الرَّجل القحطاني هو الرَّجل الّذي يقال له الجهجاه".
(٤) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٥٤٥ و١٣/ ٧٨).
[ ٢٢٠ ]
ويؤِّيد ذلك ما رواه الإِمام أحمد عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يذهب اللّيل والنهار حتّى يملك رجلٌ من الموالي؛ يقال له: جهجاه" (^١).