حثَّ النّبيّ - ﷺ - على سكنى المدينة، ورغَّب في ذلك، وأخبر أنّه لا يخرج أحدٌ منها رغبةً عنها إِلَّا أخلف الله فيها مَنْ هو خيرٌ منه.
وأخبر أن من علامات السّاعة نفي المدينة لخبثها، وهم شرار النَّاس؛ كما ينفي الكير خبث الحديد.
روى الإِمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "يأتي على النَّاس زمانٌ يدعو الرَّجل ابن عمه وقريبه هلمَّ إلى الرخاء، هلمَّ إلى الرخاء، والمدينة خيرٌ لهم لو كانو يعلمون، والذي نفسي بيده؛ لا يخرج منهم أحدٌ رغبةً عنها؛ إِلَّا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألَّا إن المدينة كالكير يخرج الخبيث، لا تقوم السّاعة حتّى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد" (^١).
وقد حمل القاضي عياضٌ نفي المدينة لخبثها على زمن النّبيّ - ﷺ -؛ لأنّه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام في المدينة إِلَّا مَنْ كان ثابت الإِيمان، وأمّا المنافقون وجهَلَة الإعراب؛ فلا يصبرون على شدَّة المدينة ولأوائها، ولا يحتسبون من الأجر في ذلك.
وحمله النووي على زمن الدَّجَّال، واستبعد ما اختاره القاضي
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الحجِّ، باب المدينة تنفي خبثها وتسمى طابة وطيبة، (٩/ ١٥٣ - مع شرح النووي).
[ ٢٢٥ ]
عياض، وذكر أنّه يحتمل أن يكون ذلك في أزمان متفرِّقة (^١).
وذكر الحافظ ابن حجر أنّه يحتمل أن يكون المراد كلًّا من الزمنين:
زمن النّبيّ - ﷺ -؛ بدليل قصة الأعرابي؛ كما في البخاريّ عن جابر ﵁: جاء أعرابيٌّ إلى النّبيّ - ﷺ -، فبايعه على الإِسلام، فجاء من الغد محمومًا، فقال: أقِلْني. فأبى؛ ثلاث مرار. فقال: "المدينة كالكير، تنفي خَبَثَها، وينصح طيبُها" (^٢).
والزمن الثّاني زمن الدجَّال؛ كما في حديث أنس بن مالك ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - أنّه ذكر الدَّجَّال، ثمّ قال: "ثمّ ترجف المدينة بأهلها ثلاث رَجَفات، فيُخْرِجُ الله إليه كلّ كافر ومنافق".
رواه البخاريّ (^٣).
وأمّا ما بين ذلك من الأزمان؛ فلا؛ فإن كثيرًا من فضلاء الصّحابة قد خرجوا بعد النّبيّ - ﷺ - من المدينة؛ كمعاذ بن جبل، وأبي عبيدة، وابن مسعود، وطائفة، ثمّ خرج عليٌّ، وطلحة، والزُّبير، وعمار، وغيرهم، وهم من أطيب الخلق، فدلَّ على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس، ووقت دون وقت؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى
_________________
(١) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٩/ ١٥٤).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب فضائل المدينة، باب المدينة تنفي الخبث، (٤/ ٩٦ - مع الفتح).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة، (٤/ ٩٥ - مع الفتح).
[ ٢٢٦ ]
النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١]، والمنافق خبيث بلا شك (^١).
وأمّا خروج النَّاس بالكلية من المدينة؛ فذلك في آخر الزّمان، قرب قيام السّاعة، ففي الحديث عن أبي هريرة ﵁؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "تتركُونَ المدينة على خيرِ ما كانت، لا يغشاها إِلَّا العوافي - يريد عوافي السِّباع والطير - وآخر مَنْ يُحْشَر راعيان من مُزينة، يُريدان المدينة، ينعقان بغنمهما، فيجدانها وحشًا، حتّى إذا بلغا ثنيَّة الوداع؛ خرَّا على وجوههما" (^٢).
رواه البخاريّ.
وروى الإِمام مالكٌ عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: "لتترُكُنَّ المدينة على أحسن ما كانت، حتّى يدخل الكلب أو الذئب، فيغذى (^٣) على بعض سواري المسجد، أو على المنبر". فقالوا: يا رسول الله! فلِمَن تكون الثمار ذلك الزّمان؟ قال: "للعوافي: الطير والسباع" (^٤).
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (٤/ ٨٨).
(٢) "صحيح البخاريّ"، كتاب فضائل المدينة، باب مَنْ رغب عن المدينة، (٥/ ٨٩ - ٩٠ - مع الفتح).
(٣) (يغذى)؛ أي: يبول عليها. يقال: غذي ببوله إذا ألقاه دفعة دفعة. انظر: "النهاية في غريب الحديث" (٣/ ٣٤٧).
(٤) "الموطَّأ" (٢/ ٨٨٨) للإِمام مالك، تصحيح وتخريج محمّد فؤاد عبد الباقي، ط. عيسى البابي الحلبي، دار إحياء الكتب العربيّة. والحديث استشهد به الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٤/ ٩٠)، وقال: "رواه جماعة من الثقات خارج الموطَّأ".
[ ٢٢٧ ]
قال ابن كثير: "والمقصود أن المدينة تكون باقيةً عامرةً أيّام الدجَّال، ثمّ تكون كذلك في زمان عيسى بن مريم رسول الله ﵊، حتّى تكون وفاته بها، ودفنه بها، ثمّ تخرب بعد ذلك" (^١).
ثمّ ذكر حديث جابر ﵁؛ قال: أخبرني عمر بن الخطّاب؛ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: "ليسيرنَّ الراكِبُ بجَنَبات المدينة، ثمّ ليقولنَّ: لقد كان في هذا حاضرٌ من المسلمين كثيرٌ".
رواه الإِمام أحمد (^٢).
وقال الحافظ ابن حجر: "روى عمر بن شبَّة بإسناد صحيح عن عوف بن مالك؛ قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد، ثمّ نظر إلينا، فقال: (أمّا واللهِ لَيَدَعَنَّها أهلُها مذلَّلة أربعين عامًا للعوافي، أتدرون ما العوافي؟ الطير والسباع) ".
ثمّ قال ابن حجر: "ولهذا لم يقطع قطعًا" (^٣).
فدلَّ هذا على أن خروج النَّاس من المدينة بالكلِّيَّة يكون في آخر الزّمان، بعد خروج الدَّجَّال، ونزول عيسى بن مريم -﵇-، ويحتمل أن يكون ذلك عند خروج النّار الّتي تَحْشرُ النَّاس، وهي آخر أشراط السّاعة، وأول العلّامات الدالَّة على قيام السّاعة، فليس بعدها إِلَّا السّاعة.
_________________
(١) "النهاية/ الفتن والملاحم" (١/ ١٥٨)، تحقيق د. طه الزيني.
(٢) "مسند الإِمام أحمد" (١/ ١٢٤) (ح ١٢٤) شرح وتعليق أحمد شاكر، وقال: "إسناده صحيح".
(٣) "فتح البارىِ" (٤/ ٩٠).
[ ٢٢٨ ]
ويؤِّيد ذلك كون آخر مَنْ يُحْشَر يكون منها؛ كما في حديث أبي هريرة ﵁: "وآخر مَنْ يُحْشَر راعيان من مزينة، يريدان المدينة، يَنْعِقان بغنمهما، فيجدأنّها وحشا" (^١)؛ أي: خالية من النَّاس، أو أن الوحوش قد سكنتها، والله أعلم.