ومنها هبوب الريح الطيبة لقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى على ظهر الأرض مَنْ يقول: الله، الله. ويبقى شرار النَّاس، وعليهم تقوم السّاعة.
وقل! جاء في صفة هم هذه الريح أنّها أبين من الحرير، ولعلّ ذلك من إكرام الله لعباده المؤمنين في ذلك الزّمان المليء بالفتن والشرور.
جاء في حديث النوَّاس بن سمعان الطويل في قصة الدَّجَّال ونزول عيسى -﵇- وخروج يأجوج ومأجوج: "إذ بعث الله ريحًا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كلّ مؤمن وكل مسلم، ويبقى شرار النَّاس؛ يتهارجون فيها تهارُجَ الحُمُر، فعليهم تقوم السّاعة" (^٢).
وروى مسلمٌ عن عبيد الله بن عمرو ﵄؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يخرج الدَّجَّال (فذكر الحديث، وفيه:) فيبعث الله عيسى بن مريم كأنّه عروة بن مسعود، فيطلبه، فيُهْلِكُهُ، ثمّ يمكث النَّاس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة، ثمّ يرسل الله ريحًا باردة مِن قِبَل الشّام،
_________________
(١) "صحيح البخاريّ"، كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة، (٤/ ٨٩ - ٩٠ - مع الفتح).
(٢) "صحيح مسلم"، بال ذكر الدجال، (١٨/ ٧٠ - مع شرح النووي).
[ ٢٢٩ ]
فلا يبقى على وجه الأرض أحدٌ في قلبه مثقال ذرَّة من خير أو إيمان إِلَّا قبضته، حتّى لو أن أحدَكُم دخل في كبدِ جبل لدَخَلَتْهُ عليه حتّى تقبضه" (^١).
فقد دلَّت الأحاديث أن ظهور هذه الريح يكون بعد نزول عيسى ﵇، وقتله الدَّجَّال، وهلاك يأجوج ومأجوج.
وأيضًا، فإن ظهورها يكون بعد طلوع الشّمس من مغربها، وبعد ظهور الدَّابَّة، وسائر الآيات العظام (^٢).
وعلى هذا؛ فظهورها قريبٌ جدًّا من قيام السّاعة.
ولا يتعارض أحاديث ظهور لهذه الريح مع حديث: "لا تزال طائفة من أمَّتي؛ يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة" (^٣)، وفي رواية: "ظاهرين على الحق، لا يضرُّهم مَنْ خذلهم، حتّى يأتي أمر الله وهم كذلك" (^٤)؛فإن المعنى أنّهم لا يزالون على الحق حتّى تقبضهم هذه الريح اللَّيِّنَة قرب القيامة، ويكون المراد بـ (أمر الله) هو هبوب تلك الريح (^٥).
_________________
(١) "صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، باب ذكر الدجال، (١٨/ ٧٥ - ٧٦ - مع شرح النووي).
(٢) انظر: "فيض القدير" (٦/ ٤١٧).
(٣) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكمًا، (٢/ ١٩٣ - مع شرح النووي).
(٤) "صحيح مسلم"، كتاب الإِمارة، باب قوله - ﷺ -: "لا تزال طائفة من أمَّتي ظاهرين"، (١٣/ ٦٥ - مع شرح النووي).
(٥) انظر: "شرح النووي لمسلم" (٢/ ١٣٢)، و"فتح الباري" (١٣/ ١٩ و٨٥).
[ ٢٣٠ ]
وجاء في حديث عبد ألله بن عمرو أن ظهور هذه الريح يكون من الشّام كما سبق.
وجاء في حديث آخر عن أبي هريرة ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله يبعث ريحًا من اليمن، أبين من الحرير، فلا تدعُ أحدًا في قلبه مثقال ذرَّةٍ من إيمانٍ؛ إِلَّا قبضته" (^١).
ويُجاب عن هذا بوجهين:
١ - يحتمل أنّهما ريحان: شامية، ويمانية.
٢ - ويحتمل أن مبدأها من أحد الإِقليمين، ثمّ تصل الآخر، وتنتشر عنده.
والله أعلم (^٢).